الفصل الخامس يختار المرء أحيانًا طريقه وهو متخبطًا، لا يدري هل قراره هو الصواب أم حفر لنفسه بئر مظلــ . ــم ليسقط فيه. لقد تمت الخِطبة منذ أسبوعين و صَار “سفيان الراشد” خطيبها. وهـا هي اليوم تجلس جواره بسيّارته متجهين إلى القاهرة من أجل حضور خِطبة “حاتم” على “ماريهان” تلك الجميلة التي لم تهدء “هبة” صديقتها إلا عند.ما أتت لها بصورتها من أحد مواقع التواصل الإجتماعي. “ماريهان” الفتاة التي حظت بــ قلب الرَجُل الذي ظلت لعامين تتمنىٰ أن تلفت نظره وتتخيل بغباء أن إبتسامته ونظرته إليها ربما بداية إعجاب سيتطور لــ حُب لكن كل شئ اتضحت صورته.
_ مالك سرحانه في إيه؟ تساءَل “سفيان” بعد.ما رمقها بنظرة خاطفة سريعة ثم عاد يركز أنظاره على الطريق. بتوتر ردت بعد.ما جلت حنجرتها. _ قلقانه شويه، اصل دي اول مرة احضر معاك مناسبة عائلية ويعني لسا إحنا مخطوبين. اِبتسم “سفيان” ونظر إليها بنظرة سريعة. _ إن شاء الله مش هتكون أول ولا آخر مناسبة لأنك خلاص بقيتي من العيلة يا “سلسبيل”. ألجمها حديثه الذي يؤكد لها إصراره على إستكمال خِطبتهم بل ويرى فيها الزوجة التي ستكون فرد من أفراد عائلته وستشاركه مناسباتهم.
_ عارفه مبسوط اوي إن عم “رضوان” وافق تحضري معايا الخطوبه. وأردف وهو مبتسمًا، فاجتذبت إبتسامته عيناها. _ وأنا بطلب منه إنه يسمحلك تحضري معايا الخطوبة كنت حاسس زي التلميذ اللي مش عارف يقول للمدرس ليه مكتبش الواجب وإنه هيكتبه بس يسبله فرصة. ضحكت على تشبيهه اللطيف وأخفضت عيناها نحو باقة الأزهار التي جلبها لها اليوم قبل أن تستقل معه السيّارة. _ ضحكتك حلوه يا “سلسبيل”، اضحكي على طول. قالها “سفيان” دون النظر إليها وعلى محياه اِرتسمت إبتسامة خفيفة. توقفت “سلسبيل” عن الضحك وازدرت لُعابها ومَا زالت عيناها نحو باقة الأزهار.
••••
حفل الخِطبة كان في أرقىٰ قاعات القاهرة ليبتسم “سفيان” عند دلوفهما سويًا وقال بصوت هامس بعد.ما لاحظ تباطئ خُطواتها. _ متقلقيش أنا معاكِ تمام. بالفعل كان معها أغلب الوقت حتى لو لم يكن بقُربها لكن عينيه لا تبتعد عنها بل كلما تحركت او اِقترب منها أحد وإلتفت حولها وجدته ينظر إليها. _ أنتِ عملتي إيه لاخويا يا “سلسبيل”، ده عينه متشالتش من عليكي… لا لا أنا كده هغير. قالتها “زينة” بمِزاح وسعادة من أجل سعادة شقيقها، فأطرقت “سلسبيل” رأسها وأخذت تداعب الصغير “سفيان” الذي أعطته لها “منــ ــار” وذهبت لتقف بالقُرب من زوجة عمها.
ثم أردفت “زينة” قائلة: _ هاتي اشيل “سفيان” الصغير، “منــ ــار” اختي دي ما بتصدق ترمي الولد لاي حد. إبتسمت “سلسبيل” وهي تضم الصغير إلى حـ,ـضنها. _ لأ خليه معايا.. هو لطيف وهادي. _ أه لو “زين” سمع الكلام ده. هتفت بها “زينة” وهي تبحث بعينيها عن صغيرها “زين” الذي إلتصق اليوم بعائلة والده. _ قصدك اه لو أنا سمعت الكلام ده، هو انتوا وعيالكم هتشاركوني فيها… فين “منــ ــار” تيجي تاخد ابنها. قالها “سفيان” وهو يحمل الصغير من حـ,ـضن “سلسبيل” وقد اِندهشت “سلسبيل” من قدومه ووقوفه بجانب مِقعدها لترفع “زينة” أحد حاجبيها بمشاغبة.
_ بقى كده يا “سفيان”، من اولها كده بتغير ومش عايز حد من عيالنا يشاركك في “سلسبيل”… ردي يا “سلسبيل” عليه. طالعتهم “سلسبيل” بخجل؛ فهي -مَازالت- لم تعتاد على مناكفتهم واند.ماجها معهم كــ عائلة واحدة. _ “سلسبيل” مش هترد عليكي وخدي “سفيان” لاختك اللي عماله تتنطط هنا وهناك. كادت أن تتحدث “زينة” لتأتي “منــ ــار” من ورائهم تصيح بلهفة. _ أنتوا مالكم عَمّالين ترموا ابني لكل واحد فيكم شويه، عملوا فيك إيه يا حبيبي؟ إلتقطته “زينة” من على ذراعيّ شقيقها ثم دفعته إلي شقيقتها برفق قائلة:
_ خدي ابنك لأنه عزول ولو متحركناش إحنا كمان دلوقتي هنكون عزول. خرجت شهقة “منــ ــار” بصد.مة ونظرت نحو “زينة” التي أخذت تحرك رأسها لها بتأكيد ثم مالت بجسدها نحو “سفيان” الجالس ولم يعطي إهتمامه لهن. _ اتغيرت يا “سفيان”، اتغيرت واتخليت عن اخواتك. لم تشعر “سلسبيل” بحالها إلا وهي تضحك ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيها. _ اضحكي يا “سلسبيل” ما أنتِ خلاص اخدتيه مننا، ده أنا هعمل عليكي حما خلاص. قالتها “زينة” وهي تضحك، فهتفت “سلسبيل” بحرج.
_ أنا مش قصدي والله.
•••• _ بناتك مبسوطين أوي بخطيبة اخوهم يا “صباح”، ياختي مشوفتش فرحتهم دي مع “مروة” بنتي. نظرت “صباح” نحو اِبنتيها ووقوفهم بجانب شقيقهم وأخذت تتمتم بسرها ببعض الآيات. _ “سلسبيل” كانت قريبة من “زينة” من قبل ما “سفيان” يفكر يخطبها، حتى “مروة” من اول ما “سفيان” فكر يخطب “سلسبيل” وهي دايمًا كلامها طيب عليها. اِمتقعت ملامح “فاتن” وإلتوت شفتيها بإستنكار. _ “مروة” بنتي دي طول عمرها هبله، أنا البت دي لما كانت بتطلع عندنا ساعات تقعد مع “مروة” كنت احرس ليكون “حاتم” اجازة وقاعد.
ضاقت حدقتيّ “صباح” ونظرت نحو “فاتن” تتساءَل. _ تحرسي من إيه يا “فاتن” وإيه كلامك ده… لأ فهميني ياختي في إيه من ورا كلامك. اِبتسمت “فاتن” وهي تُلقي بنظرة متفاخرة نحو عائلة الفتاة التي خطبها ولدها. _ يا “صباح” يا اختي ابني ما شاء الله عليه زينة الشباب وأي واحدة تتمنى تكون ليه وتدخل العيلة، أنا لحد دلوقتي مش عارفه أنتِ وافقتي بالبنت دي إزاي، ما في عائلات تانيه في البلد تستاهل نناسبها. زفرت “صباح” أنفاسها براحة بعد.ما فهمت كلام “فاتن” المبطن وقالت:
_ “سلسبيل” مهندسة ما شاء الله وبنت ناس اصل ومحترمين وجميلة والأهم هو اختارها… هو أنتِ يا “فاتن” قدرتي تخلي “حاتم” يتجوز “أحلام” بنت اخوكي. اِحتقنت ملامح “فاتن” وشعرت بالسخط ليخرج صوتها بتهكم. _ مهندسه وكانت شغاله عند “محمد” ابني في الصيدلية. قالتها “فاتن” بعد.ما لم تجد حديث تقوله ثم واصلت كلامها وهي تلوي شفتيها. _ لكن “حاتم” ابني ما شاء الله عليه عرف يختار، شايفه النسب يا “صباح”. اِبتسمت “صباح” وربتت على كف يدها وقد اِرتفعت أصوات الموسيقى عاليًا بعد.ما أعلن منظمين الحفل عن قدوم العروسين أخيرًا.
_ ربنا يسعده يا “فاتن”، “حاتم” ده ابني وفرحتي بيه النهاردة متتوصفش. شعرت “فاتن” بالضيق؛ فمهما حاولت أن تكيد “صباح” لا تستطيع. بدأت مظاهر الإحتفال، وظهرت العروس الجميلة سليلة الحسب والنسب تتأبط ذراع “حاتم” المبتسم بسعادة. نغزة قوية اِنغرست في قلب “سلسبيل” وهي تراه سعيد. تعلقت نظراتها نحو “سفيان” الذي تركها مع شقيقاتها وقد أتت والدته للجلوس معهم على نفس الطاولة. _ إن شاء الله هنعملك احلى حفل زفاف يا عروسة ابني. قالتها “صباح” عند.ما ظنت أن نظرة الحسرة التي رأتها بعينين “سلسبيل” ما هي إلا نظرة حزن لأنها لم تحظى بــ حفل خِطبة كهذا.
اِبتسمت لها “سلسبيل” وحاولت أن تخرج صوتها بثبات حتى لا تفضحها حــر . ــقة قلبها على وهم كانت تعيشه. _ أبدًا يا طنط أنا مش زعلانه ولا بفكر في حاجة زي دي، و ماما الحمدلله عودتني مقارنش حياتي بحد. إلتمعت عينين “صباح” بسعادة؛ فرغم عد.م حماسها بالبداية من اختيار ابنها لها وترددها؛ إلا أن “سلسبيل” يومًا بعد يوم تظهر لها مدى تربية والديها لها وطيبة أصلها. _ ربنا يرضى عنك يا بنتي ويكمل فرحتي بيكم على خير.
كانت الإبتسامة تعلو شفتيّ “سفيان” الذي وقف جِوار عمه “سليمان” وابن عمه الطبيب “محمد” وباقي رجال العائلة. _ يا بني هي هتهرب منك، دي حتى قاعدة مع الحاجة “صباح” وشكلهم هيعملوا حلف نسائي عليك. قالها “محمد” بهمس خافت بعد.ما زجره بذراعه؛ فارتبك “سفيان” قائلًا: _ مش فاهم قصدك يا “محمد”. ارتفع كلا حاجبين “محمد” ونظر له بنظرة بإستنكار. _ هنستعبط يا ابن عمي. اِبتسم “سفيان” وأشاح عيناه بعيدًا عن الطاولة التى تجلس عليها والدته و “سلسبيل”.
تلك التنهيدة الطويلة التي خرجت من بين شفتيّ “محمد” جعلت “سفيان” يتجه بأنظاره إليه. _ مالك يا “محمد”؟ تبدلت ملامح “محمد” التي كانت البهجة تحتلها منذ لحظات واِحتل الوجوم ملامحه. _ عجبك اللبس والمسخـ ــرة اللي إحنا فيها، ده الواحد حاسس إن واقف في ملهي ليلى. تنهد “سفيان” بقوة، فجميع رجال عائلتهم ينظرون حولهم بإستياء ويتهامسون؛ فاستطرد “محمد” قائلًا وهو ينظر نحو شقيقه الذي نهض ليرقص مع عروسه. _ النسب ده مينسبناش يا “سفيان”، تفتكر البنت دي هتقبل تعيش عندنا في الأرياف.
هَـز “سفيان” رأسه بآسف ثم ألقىٰ بنظرة سريعة حوله. _ بس أهلها ناس كويسين. _ لكن مش شبهنا يا “سفيان”. تمتم بها “محمد” وهو ينظر نحو والده الذي ظهر على ملامحه عد.م الرضىٰ بما يحدث حوله ويراه.
•••• لم تبرح “سلسبيل” مكانها رغم محاولات “زينة” و “منــ ــار” في جذبها لتقف بينهم وسط فتيات ونساء العائلة. حاولت مرارًا ألا تنظر نحو “حاتم” الذي طغى الفرح على ملامحه وتصرف عيناها بعيدًا عنه لكن رغمًا عنها كانت تنظر إليه وتبتلع غصتها.
لم تفرح بخِطبتها وهو الآن يطير من السعادة والفرح… صدقت “هبة” عند.ما أخبرتها في مكالمتهم هذا الصباح أن تفيق من هذا الوهم وتنظر إلى ما بين يديها حتى لا يزول. تنهيدة حارة خرجت من بين شفتيها عند.ما وقعت عيناها على خاتم خِطبتها وهي تخفض رأسها نحو يديها المتشابكتين ببعضهم.
••••