بعدما ابدلو ملابسهم أصرت عليه أن يصطحبها داخل الجزيرة، فكانت في قمة سعادتها وهي برفقته تناست كل شيء وظلت تركض تارة وتضحك تارة آخرى فكل شيء غريب عليها وهي لم تعتادوا أما عنه ظل يسايرها وهو يتأمل سعادتها البادية عليها بقلب يرتجف وعيون غائمة بالمشاعر وهو يجاهد كي يظل ثابتًا وحين أتي موعد الغداء كان يضع الطعام بصحنها ويؤشر لها بعينه أن تتذوقه ويكتفي فقط ببسمته الدافئة لها دون حديث وعند انتهاء رحلتهم ودعوا ستيف ومارك وذهبوا للفندق لتكسر هي ذلك الصمت وهم يسيرو في الرواق المؤدي لغرفهم:
-انا اتبسطت أوي النهاردة
أومأ لها ولم يعقب لتستأنف من جديد:
-معاد الطيارة امتى بكرة اجابها بإقتضاب:
-الساعة ٦ هزت فتون رأسها بتفهم وقالت بنبرة هادئة:
– تصبح على خير يا مستر صقر ظل على لثباته وهو يرد:
-وانتِ من اهله تنهدت بإحباط شديد من حالته المتغيرة معها ونطقت تشاكسه خوفًا أن يكون فعلت شيء اغضــ . ــبه كعادتها دون قصد، غافلة كونه يعاني من صراع مميت بداخله و لا يقوى على مجابهته:
-هو أنا عملت حاجة غلط هز رأسه نافيًا دون أن يستخدم كلمات، لتزفر هي وتتحدث بضيق:
-طب ليه مش بترد عليا ومبوز
هز رأسه بيأس من كلماتها التي تنتقيها بحرفة كي تذهله ولاحت بسمة دامت ثوانِ تزين وجهه لتبادله هي الابتسامة ودون وعي هامت به وكأنه اغلى شيء على قلبها فكانت نظراتها له
كفيلة أن تفقده ماتبقى من ثباته فقد سحبها بقوة دون وعي بعدما فتح باب غرفته واسندها بزاوية الغرفة وحاوطها بذراعيه وهمس أمام وجهها بنفاذ صبر ونبرة ملتاعة متلهفة لم يتدخل عقله بها:
-انا مش قادر يافتون سامحيني وإن همت بتذمر ودفعه بصدره جذبها اليه بقوة من مؤخرة رأسها وابتلع كلماتها المتذمرة بجوفه بعدما تناول شفتيها بنهم شديد وكأنه يتدهور جوعاً، فقد بث بقبلته شغفه النــ ــاري لها غير عابئ بضــ . ـرباتها الضعيفة على صدره ولا محاولة أنفلاتها منه وإن وجد جسدها ينزلق منه رفعها من خصرها وحاول تثبيتها كي يهدئ من حركاتها الزائدة والمهلكة لجسده وهي بين يديه ليتعمق بقبلته أكثر بحميمية مبالغ بها وعندها شعرت ان مقاومتها ستنعدم لذلك سلتت شفاهها بصعوبة بالغة من شفاهه المسيطرة و همهمت بأنفاس ضعيفة شبه منقطعة:
-ص ق ر…أبعد الله يخليك
همهمتها بأسمه انتشلته من ثورته
وكانت كفيلة بفقدان صوابه لكنه أغمض عينه بقوة وحاول أن يكبح رغبته وأن لا يتمادى أكثر فقد أزاح وجهه بمضض شديد وابتعد عنها قليلاً، لتحاول هي ألتقاط انفاسها المسلوبة وإن استطاعت تنظيمها صرخت بوجهه ودفعته لأكثر من مرة بصدره مما جعله يرتد على آثارها:
-انت اتجننت! ازاي تعمل كده ابعد عني
تمسك بيدها التي تدفعه بها وضم خصرها له ثم وضع جبهته على منحدر أنفها وتحدث بتحشرج وبنبرة متهدجة:
-شششششششش اهدي يا فتون انا فعلاً مجــ .
ــنون ومعرفش عملت كده أزاي، ومش فاهم انتِ بتعملي فيا ايه…ثم رفع عينه الغائمة بالمشاعر لها وتحدث بنبرة ضائعة مشتتة:
-انا حاسس أن عقلي بيتشل و ببقى حد تاني معرفوش وانا معاكِ لتهدر هي بشراسة بعدما دفعته عنها بكل قوتها:
-انت فاكرني ايه ؟مش انا اللي تفكر تتسلي بيها أجابها بنبرة صادقة نابعة من قلبه:
– انا عمري ماعملت كده مع حد غيرك و انا مش كده انا مش من الرجالة الحقيرة دي بس غصب عني سامحيني أنا بشر وقربك مني تعدي حدود مقاومتي واحتمالي
تراقصت دقات قلبها وكادت تصرح له بمشاعرها ولكن تذكرت تواجد امرأة اخرى بحياته لتباغته بسؤلها:
-طب وخطيبتك؟ عقد حاجيه وتقلصت معالمه لتستأنف هي:
-بتحبها
تحمحم وتلجلج بعدما أبتلع ريقه بتوتر يحاول صياغة الكلمات المناسبة لكن عجز لسانه عن الرد وعندما طال صمته تنهدت هي بعمق وهدرت واليأس يتملك منها:
-سكوتك ده مش معناه غير حاجة واحدة
اطرق رأسه وتحاشى النظر لها، لتدب الأرض تحتها ثم تغادر بعدها تاركته يلوم نفسه و يغرق من جديد في حرب أفكاره الضارية.
———————
في اليوم التالي ظل كل منهم ملزم غرفته إلى أن حان موعد عودتهم وحين استقلوا الطائرة وحان وقت الإقلاع تمسك هو بيدها ليطمئنها دون حديث؛ فلم تعترض فهي بحاجة لدعمه لتتغلب على خوفها فكان كل منهم يلتزم الصمت ويتحاشى النظر للآخر وإذا اضطروا للحديث تكون ردودهم مقتضبة بشدة.
تمت رحلتهم وكان في طريقه لإيصالها إلى منزلها بسيارته التي تركها سابقًا بالمطار
فكان من حين لآخر يتبادلون النظرات الخاطفة بينهم وقبل وصولهم بقليل أتتها رسالة من أكمل يخبرها أن تأخره قليلاً عن موعد الحفل الخيري التي تقيمه والدة صقر، لتزفر حانقة وتحمحمت بعد توقفه بالسيارة أمام بنايتها:
-شكرًا علشان وصلتني أومأ لها ببرود وهو يشعل إحدى سجائره لتقول كي تستهلك بعد الوقت كما أمرها أكمل:
– مش عايز تقول حاجة؟ لم يعيرها انتباه والتزم بجموده
زفرت بقوة وهي تشعر بالأختناق وقامت بسحب تلك السيجارة المشتعلة من فمه وألقتها من نافذته هادرة:
-كفاية سجاير انا هتخنق وده كمان غلط عليك
مرر يده على ذقنه وقال بنفاذ صبر فهي بالنسبة له تعدت حدودها كثيرًا:
-اتفضلي انزلي علشان متأخر وخزها قلبها وتمتمت بخيبة أمل:
-خايف أوي تتأخر عليها مش كده على العموم إجابة سؤالي خلاص وصلتني ابتلع ريقه وهو يستمع لنبرتها الحزينة التي أرجفت قلبه
وإن همت تغادر السيارة امسك رسغها يستوقفها هادرًا:
-بحترمها، وبقدرها وعمري ما هكسر قلبها وعلشان كده وجودك جنبي بيشوش تفكيري و يلخبطني ومعرفش ليه متسألنيش لأني معنديش إجابة واضحة…ليتحمحم ويضيف بنبرة ألتقطت ندمه الواضح بها:
-واللي حصل امبارح ده كان غصب عني
كلماته اعتصرت قلبها فما كان منها غير أن تقول دون تفكير:
-لو وجودي مضايقك كده انا ممكن اسيب الشغل ومش هتشوف وشي تاني ليستوقفها هو بنفاذ صبر ودون أي منطقية يجيبها:
-فتـــــــــــــــــــون قولتلك مش هتسيبي الشغل أصرت هي:
– بس انا هبقى مرتاحة لما اسيبه لو سمحت متعارضتش فرك ذقنه وهو يفكر يريد صياغة الأمر لعقله لكن عقله يأبي الإنصياع والرضخ لرغبات قلبه
وحقًا ذلك ما كان يقــ . ـــتله لذلك حاول أن يماطل لعله يجد حل يجدي وقتها:
-خلاص بس بعد ما تخلصي الشغل اللي اتعطل بسبب السفر
أومأت له بضيق وخرجت من سيارته وهي تستشعر أنها فقدت آخر أمل لها معه لينطلق بسيارته بسرعة فائقة احزنتها و ترجمتها هي دليل على لفهته للآخرى.
———–
أما في ذلك الحفل الصاخب الذي يضم العديد من رجال الأعمال وغيرهم من الشخصيات المرموقة والصحافة والعديد من المصورين الذين ينتظرو ذلك الحدث العظيم ليتهافتوا على الأخبار الحصرية
وقفت هي بطلتها المبالغ بها كعادتها ترحب بهم وبرفقتها ابنة شقيقتها التي أصرت عليها بارتداء ذلك الفستان ذو اللون الأحمر الملفت، فقد زفرت فدوة بسأم من تلك الأجواء وبكل ثانية تمر عليها تتطلع لساعة يدها تنتظر قدومه الى أن مالت عليها خالتها وتحدثت من بين ابتسامتها المجاملة للجميع:
-هو فين صقر الناس زهقت وهتمشي
-مش عارفة ياخالتو انا كلمته تليفونه مقفول زمانه جاي في هذه الأثناء دخل أكمل وبرفقته صديقة له وتدعي نيرة
إلى الحفل لتسقط عينه عليها تقف بزاوية وتتحدث مع خالتها لتتسارع دقات قلبه وهو يطالعها بذلك الثوب الذي افقده أخر ذرة تعقل به لتبادر نيرة قاطعة نظراته الهائمة لمالكة قلبه:
– ايه ده يا أكمل انت قولتلي هتخدني حفلة قولت هنسهر في Nightclub ونرقص للصبح جايبني حفلة خيرية وبتاعة عواجيز -بقولك ايه مش إحنا صحاب ولازم نقف جنب بعض
-أكيد
-يبقى الله يخليكِ اسكتِ وكلها ساعة بالظبط ونمشي وهوديك Nightclub اللي تختاريه بعدها اتفقنا -اتفقنا بعد لو زهقت قبل الساعة همشي أومأ لها وهو يرمق تلك الواقفة بالزاوية بفستانها الصارخ بنظرات تفيض فيض بعشقه لها ولكن هي لم تنتبه له بتاتًا وذلك ما جعله يصمم أن يفعل المستحيل ليلوذ ببعض الوقت بجانبها.
بينما على الجانب الآخر زفرت هند بنفاذ صبر فقد بدأ المدعون بالإنسحاب لتوجه حديثها لفدوة:
-اتصرفي اعملي أي حاجة الإعلام في كل حتة و هنتفضح
-يا خالتو اعمل ايه؟ -اطلعي قولي كلمتين عقبال ما يجي وهخليهم يشغلوا موسيقى ويستعدو إنصاعت لها بمضض وهي تصعد تتحدث بالميك بتوتر:
-مساء الخير يا جماعة شرفتونا ساد الصمت بين الجميع وانتبهوا لها يترقبوا باقي حديثها التي استأنفته:
– ممكن نبتدي هنختار اسم واحد من اكتر حد ساهم معانا خلال السنة وهرقص معاه
ليصفق الجميع بترحيب وتلك الطفلة الصغيرة التي تحمل الوعاء الذي به قصاصات بها الأسماء تتقدم نحوها لتسحب فدوة ورقة واحدة وتشكرها ثم تقوم بفتحها لينتابها صدمة عارمة من محتواها، فقد ابتلعت ريقها بتوتر وهي تتطلع لمحيطها فكل الأنظار عليها مترقبة لتنطق بأسمه وهي تشعر بقلبها يهوي بين ضلوعها: -الاستاذ…أكمل…الصرفي… الفصل السادس -ممكن افهم ايه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ قاطع نزالهم وتراشقهم بالكلمات صوته الصارم وهو يقف بشموخ يضع يده بجيب بنطاله بهيبة لا يضاهيه أحد بها
فقد وترهم حضوره بشدة ولجم ألسنتهم… لحين بادر أكرم بتلعثم وعيون زائغة:
-ولا حاجة يا صقر دول بيهزروا لم يقنعه حديث اكرم وتسائل بنفاذ صبر وصوت صارم اجفلهم:
– بتتخانقوا ليه؟ ابتسم أكمل ساخرًا من كذبة صديقه الواهية وهدر بتهكم:
-أهو شرف صقر باشا العزازى وبيسألك بنفسه قوله يا هاشم كنا بنتخانق ليه؟ لتلتمع عينه ويضيف ببسمة مُستفزة حاقدة لم تفارق فمه:
– ولا تحب اقوله انا! لعنه هاشم بصوت مسموع وساد صمت مريب بعدها فكانوا يتبادلون نظرات غريبة لم تعجبه بالمرة لذلك هدر بصوت نافذ زاد من ارتباك الموقف:
-اتكلم يا هاشم…
دلك هاشم رقبته وهو يزجر أكمل التي مازالت تلك البسمة المستفزة تعلو ثغر بنظرات محذرة فيما معناه أن يكف عن حماقته…ثم نطق بضيق وهو يتحاشى النظر لعيون صقر الثاقبة:
-محصلش حاجة إحنا كنا بنهزر بس هزار تقيل حبتين ابتسم أكرم ببلاهة وحاول تخفيف حدة الموقف:
– شوفت طلعوا بيهزروا و شكلهم شاربين وبيطلعوه علينا
ضيق عينه بتشكيك وعدم تصديق لحديثهم فصياحهم قد التقطه وهو في غرفته بالأعلى اثناء تغير ملابسه المبتلة بأخرى ليهدر بحزم موجه حديثه لأكمل:
-عمري ما هِنت حد في بيتي قبل كده طول عمري فاتح بابي وعمري ما قفلته في وش حد حتى لو الحد ده مش مرحب بيه بس انا من حقي اعرف سبب وجودك؟ -انا يا صقر
هدر بها أكرم وهو مطرق
رأسه بالأرض بخزي أثر فعلته فهو من دعاه قاصدًا أن يقربهم من جديد ويلم شمل أصدقاء طفولته
هز صقر رأسه بملامح جامدة بينما احتل الضيق معالم أكرم وأطرق رأسه بحرج حين استأنف صقر موجه حديثه للجميع:
– البيت ده بيت محترم واللي يجي هنا يبقى باحترامه رد هاشم بحرج:
– ملوش لزوم الكلام ده يا صقر انا اصلًا كنت ماشي مش مستنيك تطردني ليعقب صقر بحدة:
-هاشــــــــــــــــــــم … انا مبتطردش حد انا بس بعرفكم
ضحك أكمل باستفزاز وقال ببرود وهو يضع يده على منكب هاشم:
– يا عم هو يقصدني انا واحب اقوله الرسالة وصلت شكرًا يا عم صقر ليرشقه بنظرة حاقدة مشتعلة و يهم بالانصراف وهو يطوي الأرض تحت خطواته.
بينما انسحب خلفه هاشم مغادرًا أيضا وهو يتناول هاتفه و يبعث رسالة مقتضبة لزوجته بأنه ينتظرها بالسيارة…تطلع لآثارهم بريبة لأمرهم ولسبب شجــ . ــارهم المزعوم ليرمق اكرم بنظرات نــ ــارية ويصيح بحدة الى رئيس الحرس خاصته ويدعي فضل الذي اتى مهرول اليه:
-تحت امرك يا بيه
تسائل صقر بعصبية مفرطة:
-كنت فين جنابك ورجالتك فين انا مش قايل مش عايز شبر من غير حراسة… وحمام السباحة مش منبه يبقى في حد هناك – انا آسف يا صقر بيه بس هند هانم أمرت رجلتي يبقوا جوة في القصر صاح صقر بنفاذ صبر وجسد متشنج:
– انت بتاخد أوامرك مني انا وبس، انا كان ممكن اقطع عيشك انت و رجالتك بس ده هيكون اخر انذار ليك مش عايز استهتار …و اتفضل على شغلك أومأ له بطاعة وانصرف لينظر ل أكرم ويهدر بقوة:
-ورايا يا زفت وحسابك بعدين هز أكرم رأسه وتتبعه بطاعة واوصاله ترتجف من تبعات فعلته.
————————-