خامس يوم رمضان، وأنا واقفة في المطبخ بجهز الفطار، لقيت جوزي داخل عليا وهو ماسك الموبايل وبيقول: – أمي بتقول إنها جاية تفطر عندنا النهارده. ابتسمت وقلت عادي: – تنور طبعًا. بعد ساعة… جوزي دخل تاني وقال: – أصل أمي قالت ممكن تجيب خالتي معاها… أصلها لوحدها. قلت في نفسي: ماشي… مفيش مشكلة. قبل المغرب بنص ساعة… الموبايل رن تاني. جوزي رد… وسكت شوية… وبصلي بنظرة غريبة. قلتله: – في إيه؟ قال: – أصل أمي قالت إن ابن خالتي ومراته وأولاده ممكن ييجوا كمان… أصلهم كانوا عندها.
وقتها حسيت إن الدم نشف في عروقي. أنا كنت عاملة أكل لشخصين… يمكن تلاتة بالكثير. لكن فجأة بقوا سبعة أشخاص. جريت على المطبخ أحاول ألحق الموقف… زودت مية في الشوربة… قطعت الفراخ نصين… وزودت رز بسرعة. المغرب أذن… والناس بدأت تيجي. حماتي دخلت كأنها صاحبة البيت، وقالت بصوت عالي: – الله الله… ده احنا عاملين عزومة كبيرة بقى! وبعدين بصت للأكل على السفرة وسكتت لحظة… وقالت: – بس هو الأكل شكله قليل شوية مش كده؟
الكلمة نزلت عليا زي السكــ,,ـــــينة. أنا طول اليوم واقفة بطبخ… وفي الآخر ده الكلام؟ لكن سكت… عشان أول رمضان. عدت الليلة على خير… أو ده اللي كنت فاكره. بعد الفطار… وأنا بلم السفرة… سمعت حماتي بتقول لجوزي في الصالة: – بصراحة مراتك لازم تتعلم تعمل أكل أكتر من كده… إحنا في رمضان. جوزي سألها: – ليه يا أمي؟ قالت بنبرة عادية جدًا: – أصل أنا ناوية أجي أفطر هنا كل يوم تقريبًا. وقتها حسيت إن الأرض بتلف بيا.
كل يوم؟ ده أنا أصلاً ميزانية البيت بالعافية مكفياه أنا وجوزي. لكن اللي سمعته بعدها خلاني ما أنمش طول الليل. حماتي قالت جملة خلت قلبي يقع في رجلي: – وبالمرة… خلي مراتك تبقى جاهزة… أصل بكرة أنا معزومة عند قرايبنا… وقلت لهم إحنا اللي هنعزمهم بعد بكرة عندكوا. جوزي قال باستغراب: – عندنا إحنا؟! قالت وهي بتضحك: – أيوه طبعًا… ما أنتوا شباب ولسه متجوزين… يعني لازم تكرموا الناس. وقتها فهمت حاجة واحدة بس… إن رمضان ده مش هيعدي على خير.
لكن اللي ماكنتش أعرفه… إن العزومات دي ما كانتش مجرد عزومات. حكايات رومانى مكرم كان وراها سر كبير… وطمع أكبر بكتير من مجرد أكل على سفرة. والسر ده… اكتشفته بالصدفة بعد كام يوم… لما سمعت مكالمة بين حماتي وشخص ما كنتش أتوقعه أبدًا. مكالمة خلتني أفهم إن اللي بيحصل في بيتي… كان متخطط له من البداية. لكن اللي حصل بعد كده… خلّى البيت كله يتقلب رأسًا على عقب. صحيت تاني يوم من غير ما أنام غير ساعتين بس.
كلام حماتي كان بيلف في دماغي طول الليل: “أنا ناوية أجي أفطر هنا كل يوم تقريبًا.” قمت بدري قبل الضهر… ووقفت في المطبخ أبص للدولاب الفاضي تقريبًا. رز قليل… مكرونة نص كيس… فراخ اتبقت واحدة بس في الفريزر. وقفت أحسبها في دماغي وقلت لنفسي: لو فعلاً الناس دي هتيجي كل يوم… الميزانية مش هتكفي أسبوع حتى. جوزي صحي ودخل المطبخ وقال وهو بيتمطى: – عاملة إيه النهارده؟ بصيتله وقلت بهدوء: – هو إحنا فعلاً هنعزم قرايب مامتك بعد بكرة؟
اتنهد وقال: – والله يا سارة أنا اتفاجئت زيك… بس إنتي عارفة أمي. سكت شوية وبعدين قال: – خلاص… نعديها المرة دي. لكن جملة “المرة دي” دي… ما ريحتنيش خالص. عدّى اليوم كله وأنا بحاول أوفر في الأكل… عملت شوربة عدس كبيرة… وطبق بطاطس في الفرن… وفراخ قليلة. المغرب أذن… وقبل الأذان بدقايق… الباب خبط. فتحت. لقيت حماتي داخلة… ومعاها اتنين كمان! بصيت وقلت باستغراب: – أهلاً يا طنط… أهلاً وسهلاً. حماتي قالت ببساطة كأن الموضوع عادي جدًا:
– ده ابن خالتي… ومراته. بصيت لجوزي اللي كان واقف ورايا… لقيته هو كمان متفاجئ. لكن كالعادة… ما حدش قال حاجة. قعدنا نفطر… وأنا حاسة إني بتخانق مع نفسي عشان الأكل يكفي. وبعد الفطار… وأنا بلم السفرة… سمعت حماتي بتضحك في الصالة وهي بتقول: – بصراحة مرات ابنك شاطرة… بتعرف تزبط الأكل حتى لو قليل. الكلمة كانت شكلها مدح… بس نبرتها كانت فيها حاجة غريبة. عدّى اليوم… وجي اليوم اللي بعده… يوم العزومة الكبيرة اللي حماتي وعدت بيها قرايبها.
من الصبح… البيت بقى ورشة. أنا بطبخ… وبرتب… وبنزل أشتري حاجات ناقصة. لحد ما تعبت فعلاً. لكن الغريب… إن حماتي كانت قاعدة في الصالة طول اليوم… ولا حتى دخلت تساعد. كل شوية تدخل تبص وتقول: – حلو… بس زودي شوية رز كمان. أو تقول: – اعملي سلطة أكتر. المغرب جه… والبيت اتملى بالناس. قرايب… وأقارب قرايب… وأطفال بيجروا في كل مكان. أنا واقفة في المطبخ… حاسّة إن رجلي مش شايلاني. لكن وسط الزحمة دي… حصل موقف صغير… هو اللي بدأ يكشف السر.
كنت داخلة المطبخ… وفجأة سمعت صوت حماتي في البلكونة. كانت بتتكلم في الموبايل… وصوتها واطي. وقفت من غير قصد أسمع… لأن اسمي اتقال. سمعتها بتقول: – ما تقلقش… الموضوع ماشي زي ما اتفقنا. سكتت لحظة… وبعدين كملت: – أيوه… العزومات هنا أحسن بكتير… ما حدش هيشك في حاجة. وقفت مكاني… وقلبي بدأ يدق بسرعة. مين ده اللي بتكلمه؟ وبعدين قالت جملة خلت جسمي كله يتجمد: – سيبها بس تتعود… وبعد رمضان هنخلص الموضوع كله. الشخص اللي على الموبايل قال حاجة ما سمعتهاش…
لكن حماتي ردت وقالت: – ما تقلقش… مرات ابني طيبة وغلبانة… ومش فاهمة حاجة. وقتها حسيت إن الكلام ده عني أنا. لكن الصدمة الحقيقية… كانت لما سمعتها تقول اسم الشخص اللي بتكلمه. اسم خلى عيني توسع من الرعب. قالت: – ماشي يا حسام… ابقى كلمني بعد ما الناس تمشي. المشكلة إن حسام ده… مش حد غريب. حسام ده… صاحب جوزي المقرب. اللي بييجي البيت عندنا طول الوقت. وقتها بس… بدأت أفهم إن العزومات دي ما كانتش صدفة.
لكن السؤال اللي خلاني مرعوبة بجد كان: إيه العلاقة بين حماتي… وصاحب جوزي؟ وإيه هو الموضوع اللي ناويين يخلصوه بعد رمضان؟ لكن اللي اكتشفته بعدها بيومين… كان أخطر بكتير من اللي كنت متخيلاه. لأن حسام… ما كانش مجرد صاحب لجوزي. وكان ليه سبب غريب جدًا يخليه مهتم ببيتنا بالشكل ده. والسبب ده… قلب حياتي كلها في لحظة. تاني يوم بعد اللي حصل… صحيت وأنا مرهقة جدًا. العزومات بقت كل يوم تقريبًا… والبيت بقى زحمة طول الوقت.
كنت لسه بجهز الفطار… لما جوزي دخل المطبخ وقال وهو ماسك ورقة: – سارة… ماما كلمتني. بصيتله وقلت بتعب: – خير؟ قال وهو بيبص في الورقة: – أصلها عزمت خالتي وأولادها النهارده… ويمكن ييجوا حوالي عشرة. وقفت أبصله كأني ما فهمتش. قلت: – عشرة؟! قال بهدوء كأن الموضوع عادي: – ما هو رمضان يا سارة… والناس بتحب تتجمع. حسيت بقلبي بيغلي… لكن حاولت أتكلم بهدوء. قلت: – بس الأكل اللي في البيت ما يكفيش يا أحمد… وإحنا أصلاً مصروف الشهر قرب يخلص.
سكت لحظة… وبعدين قال الجملة اللي كــ,,ـــــسرتني: – طب ما تطلعي من فلوسك شوية… وننزل نجيب طلبات. بصيتله بصدمة: – فلوسي أنا؟ قال بسرعة: – ما إحنا بيت واحد يا سارة… وبعدين ده رمضان. قلت وأنا حاسة إن الدموع قربت تنزل: – بس الفلوس دي أنا محوشاها… عشان لو حصل ظرف. قال بنبرة ضيق: – يعني هنعمل إيه دلوقتي؟ نقول للناس ما تجوش؟ سكت. لأني عارفة إن الكلام ده مش هيحصل. نزلنا السوق… وجبت فراخ…
وخضار… ورز… وحاجات كتير. وأنا بدفع… كنت حاسة إن كل جنيه بيطلع من قلبي. رجعنا البيت… وقعدت في المطبخ من بعد الضهر لحد قبل المغرب بدقايق. بطبخ… وأقلي… وأقطع… وأرتب. والمفاجأة؟ حماتي جت قبل الفطار بساعة… ودخلت المطبخ تبص على الأكل. وقالت وهي بتبص في الحلة: – بس يا سارة… الكمية دي قليلة شوية. بصيتلها وقلت بتعب: – ده اللي قدرت أعمله. قالت وهي بتتنهد: – ماشي… ربنا يبارك. المغرب أذن… والبيت اتملى بالناس. أطفال بيجروا…
وصوت عالي… وكل شوية حد يقول: – في رز كمان؟ – في فراخ زيادة؟ وأنا واقفة أجيب وأودي… لحد ما حسيت إني هقع من التعب. بعد الفطار… وأنا بلم السفرة… سمعت حماتي بتقول قدام الناس: – بصراحة مرات ابني لسه بتتعلم… الأكل لازم يبقى أكتر من كده. الناس سكتت… وأنا حسيت إني اتكــ,,ـــــسرت قدامهم. لكن الصدمة الأكبر كانت لما دخل جوزي المطبخ بعدها شوية. وقال كأنه بيقول خبر عادي: – على فكرة يا سارة… ماما قالت بكرة هنعزم قرايب تانيين.
لفيت أبصله بصدمة وقلت: – بكرة كمان؟! قال: – أيوه… بس المرة دي ناس كتير. قلت وأنا حاسة إن أعصابي خلاص بتنهار: – طب هنجيب الأكل منين؟ قال ببساطة: – ما انتي لسه معاكي فلوس… صح؟ وقتها بس… فهمت إن الموضوع مش عزومة يوم ولا اتنين. دي بقت عزومات رمضان كل يوم… وكل مرة… أنا اللي بدفع. لكن اللي حصل بعد كده بيومين… خلاني أفهم إن حماتي ما كانتش بتعمل كده صدفة. وإن كل العزومات دي…
كان وراها سبب وطمع أكبر بكتير. سبب خلّى البيت كله بعد كده يتقلب خناقات ومشاكل ما خلصتش. تاني يوم… صحيت وأنا جسمي كله مكــ,,ـــــسر. إيديا وجعاني من كتر الطبخ… وضهري مش قادرة أعدله. بصيت حواليا في المطبخ… الحلل متكومة… والتلاجة شبه فاضية. افتكرت فلوسي اللي صرفتها امبارح… نص التحويشة تقريبًا راحت في يوم واحد. وقتها حسيت إن لازم أتكلم. جوزي صحي وقعد يشرب شاي… دخلت قعدت قدامه وقلت بهدوء: – أحمد… أنا مش هقدر أعمل عزومات تاني الفترة دي.
بصلي باستغراب وقال: – ليه يعني؟ قلت وأنا بحاول أشرح: – أنا تعبانة جدًا… وكل يوم طبخ وتنضيف… وكمان الفلوس اللي كانت معايا خلصت تقريبًا. سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة ضيق: – يعني إيه مش هتقدري؟ قلت بحزم لأول مرة: – يعني خلاص… مش هنعمل عزومات كل يوم كده. قبل ما يرد… الباب خبط. فتح… ولقيت حماتي داخلة. واضح إنها سمعت آخر الكلام. دخلت وقعدت وهي بتبصلي وقالت: – يعني إيه مفيش عزومات؟ قلت باحترام لكن بتعب واضح:
– والله يا ماما أنا تعبت… وكمان الفلوس اللي معايا خلصت. حماتي بصتلي نظرة طويلة… وبعدين قالت بنبرة فيها استغراب: – فلوس إيه؟ قلت: – الفلوس اللي أحمد قاللي أطلع منها عشان نجيب طلبات العزومات. حماتي بصت لجوزي بسرعة… وبعدين رجعت بصتلي وقالت: – يعني إنتي بتقولي إنك مش عايزة تصرفي على بيتك؟ قلت بسرعة: – لا طبعًا… بس مش معقول كل يوم عزومة. حماتي اتنهدت وقالت الكلمة اللي كشفت كل حاجة: – يا بنتي… الفلوس اللي معاك دي في الآخر فلوس بيتك.
سكتت لحظة… وبعدين كملت وهي بتبتسم ابتسامة غريبة: – وبعدين إنتي معاكي شغل ومرتب… يعني ربنا موسعها عليكي. وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد عزومات. حماتي كانت عارفة إن معايا فلوس. ولما بصيت لجوزي… لقيته ساكت. ساكت بطريقة خلت قلبي يتقــ,,ـــــبض. قلتله: – أحمد… هو إنت قلت لمامتك إن معايا فلوس؟ اتلخبط شوية وقال: – يعني… هي سألتني مرة كده. حماتي قالت بسرعة: – وأنا قولت لنفسي… ما شاء الله… ربنا موسع عليكم… يبقى نعمل عزومات للناس.
وقتها حسيت إن الدم غلي في عروقي. قلت بتعب واضح: – بس أنا مش هقدر أكمل كده… أنا فعلاً تعبت. حماتي قامت من مكانها وقالت ببرود: – براحتك. وبعدين بصت لابنها وقالت: – بس أنا كنت فاكرة مراتك أكرم من كده. الجملة دي كانت تقيلة جدًا. خرجت من البيت وهي متضايقة… وسابتني أنا وجوزي في الصالة. سكتنا شوية… وبعدين جوزي قال بنبرة ضيق: – كان ممكن تعديها يا سارة. بصيتله وقلت بحزن: – أنا مش ماكينة يا أحمد… ولا بنك.
سكت. لكن اللي حصل بعدها بدقائق… خلاني أعرف إن الموضوع ما خلصش. الموبايل بتاع جوزي رن… وكانت حماته. رد… وسكت شوية… وبعدين قال: – حاضر يا أمي. قفل وبصلي. قلت: – قالت إيه؟ قال بهدوء غريب: – ماما عزمت الناس بكرة برضه. وقتها حسيت إن أعصابي خلاص اتقطعت. لكن المفاجأة اللي حصلت بعدها… خلت الموضوع يتحول من مجرد عزومات وطمع في الفلوس… لمشكلة كبيرة قلبت البيت كله. لأن اللي عملته أنا بعدها… ما كانش متوقعه لا جوزي… ولا حماتي.
تاني يوم… صحيت وأنا واخدة قرار. مفيش عزومات تاني. مهما حصل. دخلت المطبخ عملت أكل بسيط ليا ولجوزي… رز وخضار وفراخ قليلة. وقلت في نفسي: اللي ييجي بعد كده… ربنا يسهل. قبل المغرب بساعة… الباب خبط. فتحت… لقيت حماتي واقفة… ووراها خمسة أشخاص! خالته… وجوزها… وابنها ومراته… وطفل صغير. حماتي دخلت وهي بتقول بصوت عالي: – يلا يا جماعة اتفضلوا… البيت بيتكم. وقفت مصدومة وقلت: – يا ماما… أنا قلت لأحمد امبارح إن مفيش عزومات النهارده.
حماتي بصتلي بنظرة باردة وقالت: – ما هو قاللي… بس أنا قولت يمكن غيرتي رأيك.