Uncategorized

عشرة رمضان

حكايات روماني مكرم

قلت للرجل بصوت مرتجف: — “إنت مين؟… وإيه اللي بتقوله ده؟” تقد.م خطوة إلى الداخل وأغلق الباب خلفه، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد في الخارج. ثم قال: — “اسمي محمود… وأنا شغال سواق الإسعاف اللي كان موجود ليلة ولادتك.” اتسعت عيني. بدأت أتذكر تلك الليلة… الألم… الد.موع… الطريق إلى المستشفى… ثم كل شيء أصبح ضبابيًا بعدها. لكن محمود أكمل كلامه بصوت منخفض: — “أنا ماكنتش ناوي أتكلم… لكن ضميري تعبني.” نظر إلى زوجي مباشرة وقال:

— “خصوصًا بعد اللي سمعته منه.” صرخ زوجي فجأة: — “إنت بتكدب!” لكن محمود لم يتراجع. قال بهدوء: — “يبقى قول لهم إنت طلبت مني إيه.” ساد الصمت مرة أخرى. قلت وأنا أشعر ببرودة تسري في جسدي: — “طلب منك إيه؟” تردد محمود للحظة… ثم قال: — “طلب مني أرجعك البيت بسرعة… حتى قبل ما الدكتور يوافق.” بدأ الهمس ينتشر بين الضيوف. أحدهم قال: — “ليه يعني؟!” أما أنا… فشعرت أن قلبي يسقط ببطء. قلت لزوجي:

— “ده حقيقي؟” نظر إلي للحظة… ثم قال بعصبية: — “أنا كنت قلقان عليكِ بس!” لكن محمود هز رأسه وقال: — “لا… مش ده السبب.” ثم قال الجملة التي قلبت البيت كله: — “السبب إن في حد كان جاي المستشفى يسأل عليك.” تجمدت. قلت: — “مين؟” رد محمود: — “رجل كبير… شكله غني جدًا… وكان بيسأل عنك بالاسم.” ارتفعت الأصوات في البيت. حماتي قالت بدهشة: — “مين ده؟!” أما زوجي… فبدا عليه التوتر الشديد. قال بسرعة:

— “أنا معرفش حاجة عن الكلام ده!” لكن محمود أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا… كارت ذهبي. وضعه على الطاولة أمام الجميع. وقال: — “الرجل ده اداني الكارت ده… وقال لو البنت دي سألت عنه في يوم… أديها الكارت.” مددت يدي ببطء وأخذته. كان مكتوبًا عليه اسم: “حسام الجارحي”. وفجأة… سمعت صوت عم زوجي يصرخ بدهشة: — “إنت بتقول حسام الجارحي؟!” قلت: — “إيه يعني؟” نظر إلي الجميع وكأنني لا أعرف شيئًا مهمًا جدًا. قال عم زوجي بصد.مة:

— “ده واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد!” بدأت أفقد القدرة على الفهم. رجل غني يبحث عني… ليلة ولادتي؟ لماذا؟ لكن المفاجأة الأكبر جاءت في تلك اللحظة. محمود قال بهدوء: — “هو قال كمان جملة غريبة… قبل ما يمشي.” ابتلعت ريقي وقلت: — “قال إيه؟” نظر إلي مباشرة وقال: — “قال… لو البنت دي عاشت… قولولها إن الحقيقة لازم تظهر.” تجمد الد.م في عروقي. لكن قبل أن أسأل أي سؤال آخر… فجأة… سمعنا صوت فرامل سيارة قوية تقف أمام البيت.

ثم صوت باب سيارة يُفتح. والخطوات تقترب من الباب. نظر محمود من الشباك… ثم اتسعت عينيه. وقال بذهول: — “يا نهار أبيض…” قلت بسرعة: — “في إيه؟!” ابتلع ريقه وقال: — “هو… هو بنفسه هنا.” تجمد البيت كله. وفي اللحظة التالية… رن جرس الباب. الرجل الذي يحمل السر… وصل. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تجمد الجميع في أماكنهم بعد صوت جرس الباب. لم يتحرك أحد. حتى طفلي الذي كان يتحرك في ح*ضني… هدأ فجأة كأنه يشعر بأن شيئًا كبيرًا سيحدث.

رن الجرس مرة ثانية. ثم ثالثة. نظر الجميع إلى زوجي. لكنه لم يتحرك. كانت عيناه مثبتتين على الكارت الذهبي فوق الطاولة… وكأن اسمه المكتوب عليه يطارده. في النهاية… تقد.مت أم حسن بخطوات بطيئة نحو الباب. قالت وهي تتمتم: — “يا رب استر…” فتحت الباب. وفجأة… ساد صمت عميق في البيت. رأيت أم حسن تتراجع خطوة للوراء بدهشة. ثم دخل رجل طويل في منتصف الخمسينات من عمره. بدلة أنيقة… شعر رمادي مرتب… ونظرة قوية تجعل المكان كله يهدأ.

لم أحتج أن أسأل من هو. عرفت فورًا. حسام الجارحي. نظر حوله ببطء… كأنه يبحث عن شخص. ثم وقعت عيناه عليّ. في تلك اللحظة… تغير وجهه تمامًا. اقترب خطوة… ثم توقف فجأة وكأن الزمن عاد به سنوات طويلة. قال بصوت منخفض مليء بالمشاعر: — “سارة…” ارتجف قلبي. قلت بدهشة: — “حضرتك تعرفني؟” لم يجب فورًا. بل اقترب أكثر… ثم نظر إلى الطفل في ح*ضني. كانت عينيه تلمعان بشيء غريب… خليط من الدهشة والحزن. ثم قال جملة جعلت الأرض تهتز تحت قد.مي:

— “أنا كنت بدور عليكي من خمسة وعشرين سنة.” انتشرت الهمسات في الغرفة. حماتي قالت: — “إيه الكلام ده؟!” أما أنا… فكنت أشعر أنني في حلم. قلت له: — “حضرتك أكيد غلطان… أنا عمري ما شفتك.” ابتسم ابتسامة حزينة وقال: — “أيوه… لأنك ماكنتيش تعرفي الحقيقة.” ثم التفت إلى الجميع وقال: — “ممكن نتكلم شوية؟” لكن قبل أن يكمل… صرخ زوجي فجأة: — “مفيش كلام!” كل العيون اتجهت إليه. كان يقف بعصبية شديدة. قال بصوت مرتفع:

— “إنت جاي تعمل مشاكل في بيتي؟!” لكن حسام نظر إليه بهدوء شديد وقال: — “أنا مش جاي أعمل مشاكل… أنا جاي آخد حقي.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. قلت بارتباك: — “حقك إيه؟” نظر إلي ببطء… ثم قال: — “حقي في بنتي.” انفجر البيت كله بالصراخ. — “إيه؟!” — “بنتك؟!” — “يعني إيه؟!” أما أنا… فشعرت وكأن الهواء اختفى من حولي. قلت بصوت يكاد لا يُسمع: — “حضرتك تقصد… إيه؟” تنهد حسام بعمق. ثم قال:

— “أمك الحقيقة كانت بتشتغل عندي زمان… وكانت أقرب إنسانة لمراتي.” نظرت له وأنا أحاول الفهم. لكن كلامه التالي كان كالصاعقة. — “يوم ما اتولدتي… حصلت حـ .ــادثة غيرت كل حاجة.” اقترب خطوة أخرى وقال: — “وفي الفوضى دي… اختفيتي.” قال عم زوجي بدهشة: — “يعني إيه اختفت؟!” رد حسام ببطء: — “يعني حد خد الطفلة… ورباها كأنها بنته.” بدأت يداي ترتجفان حول طفلي. قلت بصوت مكسور: — “حضرتك بتقول إني… مش بنت أهلي؟” لم يجب مباشرة.

لكن عينيه كانتا مليئتين بالحقيقة. وفي تلك اللحظة… قال محمود فجأة: — “أنا افتكرت حاجة!” نظر الجميع إليه. قال بسرعة: — “ليلة الولادة… في ممرضة كانت بتتكلم مع جوزها في التليفون.” قلت: — “وقالت إيه؟!” رد محمود: — “كانت بتقول إن في حد دفع فلوس كتير… عشان الحقيقة ما تظهرش أبدًا.” تجمدت الأنفاس. لكن قبل أن نتكلم… فجأة… سمعنا صوت طفل يبكي. نظرت إلى طفلي في ح*ضني… لكن البكاء لم يكن منه. جاء الصوت من الغرفة الأخرى.

نظر الجميع لبعضهم بصد.مة. قالت أم حسن بخوف: — “بس… مفيش أطفال تانيين في البيت!” بدأ قلبي يدق بسرعة. ثم فجأة… فتح باب الغرفة ببطء. وظهر شخص لم يتوقعه أحد. وعند.ما رأيته… شعرت أن السر الحقيقي… لم يبدأ بعد. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تجمدت الأنفاس في البيت كله… والعيون اتجهت نحو باب الغرفة الذي فتح ببطء. ثم ظهرت أخت زوجي الصغيرة، ندى… وهي تحمل بين يديها طفلة رضيعة. لكن تلك الطفلة… لم تكن طفلي.

شعرت بقلبي يتوقف لحظة. قلت بارتباك: — “ندى… دي بنت مين؟!” تبادلت ندى نظرة سريعة مع أمها… ثم قالت بتوتر: — “أنا… أنا لقيتها بتعيط جوه.” صرخت حماتي بسرعة: — “أكيد صوتها جاي من الشارع!” لكن أم حسن هزت رأسها وقالت: — “لا يا حاجة… الصوت كان جوه البيت.” اقترب حسام الجارحي خطوة، وعيناه مثبتتان على الطفلة. ثم قال بصوت هادئ لكن فيه قلق واضح: — “هاتوا الطفلة هنا.” ترددت ندى… لكنها في النهاية تقد.مت ووضعَت الطفلة بين يديه.

نظر إليها طويلًا… ثم فجأة اتسعت عيناه. قال بصوت منخفض: — “مستحيل…” قلت بسرعة: — “في إيه؟!” لكنه لم يجبني فورًا. بل أخرج من جيبه ساعة قديمة صغيرة وفتحها. داخلها… كانت صورة لطفلة رضيعة. قارنها بالطفلة التي بين يديه. ثم رفع رأسه ببطء وقال: — “دي… شبه الصورة بالضبط.” ساد الصمت في المكان. قلت بارتباك: — “يعني إيه؟!” تنهد بعمق ثم قال: — “زمان… يوم ما اختفيتي… ماكنتيش الطفلة الوحيدة.” ارتجفت الكلمات في صدري.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى