
سر خاتم الياقوت حكايات نورهان العشري في شوارع مدينة “باريس” الصاخبة، يعرف الجميع تقريباً اسم دونيا إيزابيلا سيرفانتس. امرأة تفرض حضورها واحترامها في اللحظة التي تظهر فيها؛ فهي صاحبة أفخم المراكز التجارية وإمبراطورية عقارية ضخمة، ودائماً ما تتصدر صورتها غلاف مجلات المال والأعمال. كانت تبدو دائماً في كامل أناقتها، الألماس يلمع حول عنقها، وخطواتها ثابتة لا تهتز أمام العالم.
لكن القليلين الذين تجرأوا على النظر خلف هذا القناع البراق، لاحظوا شيئاً لا يمكن لثروات المكسيك كلها أن تخفيه: حزن عميق وظل يسكن عينيها، حتى في لحظات انتصارها.
لم يكن أحد يعرف السر وراء هذه النظرة الفارغة سوى سائقها المخلص، الذي ظل بجانبها كظلها الحامي لأكثر من عشر سنوات.
قبل ثلاثة عشر عاماً بالضبط، توقفت حياة إيزابيلا. ابنتها الوحيدة، التي كانت رضيعة تكتشف العالم، اختفت خلال سطو مسلح عنيف على طريق “غوادالاخارا-تيبيك”. عثرت السلطات على السيارة الفاخرة مهجورة، المحرك يعمل والأبواب مفتوحة، لكن الطفلة تلاشت وكأن الأرض انشقت وبلعتها. لم تكن هناك طلبات فدية، ولا مكالمات مجهولة، ولا خيط واحد يدل عليها. بقيت فقط فجوة في بقلم نورهان العشري صدر إيزابيلا، جرح مفتوح يرفض أن يلتئم مع مرور السنين.
في أحد أيام الثلاثاء، كانت إيزابيلا تتناول الغداء في شرفة مطعم فاخر بـ “تلاكيباكي”. كانت تقطع شريحة اللحم بآلية، تتظاهر بأن يومها عادي، وتتظاهر كعادتها كل يوم منذ ١٣ عاماً بأن لحياتها معنى.. حتى توقفت قامة صغيرة بجانب طاولتها الأنيقة.
كانت طفلة لا يتجاوز عمرها الثانية عشرة، مظهرها يتناقض بشدة مع فخامة المكان؛ هزيلة جداً، ملابسها بالية يغطيها الغبار، وشعرها الأسود مشعث. لكن أكثر ما لفت الأنظار هو قدماها الحافيتان اللتان قسا عليهما المشي فوق أرصفة المدينة الساخنة. كانت تمسك بين يديها المرتجفتين باقة من الورد الذابل.
— “يا ست هانم..” — همست الطفلة بصوت واهن يكاد يضيع في الهواء — “تشتري مني وردة؟ محتاجة الفلوس عشان دوا ماما.. هي تعبانة قوي.”
وعلى الفور، اقترب حارس أمن المطعم بملامحه الغاضبة ليطرد الطفلة، لكن إيزابيلا أوقفته بحركة حازمة من يدها.
— “سيبها في حالها.” — قالت بصوت قوي.
كان هناك شيء في عيني الطفلة الواسعتين جعل قشعريرة تسري في جسد إيزابيلا. وبدافع من شفقة غريبة، فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة نقدية من فئة 500 بيزو ومدتها للطفلة. لكن الطفلة لم تنظر للمال، بل تسمرت عيناها بذهول في يد إيزابيلا اليمنى.. وتحديداً في إصبعها.
الخاتم.
بقلم نورهان العشري
لم يكن مجرد قطعة مجوهرات، بل كان خاتماً من الذهب القديم، صُمم يدوياً على شكل وردة تتوسطها ياقوتة حمراء تلمع كأنها تنبض بضوء ذاتي. خلف هذا الخاتم تكمن قصة حياة إيزابيلا كلها.
— “فيه إيه يا حبيبتي؟” — سألت إيزابيلا بنبرة هادئة — “انتي جعانة؟ تحبي تقعدي تاكلي؟”
هزت الطفلة رأسها ببطء، وأشارت بإصبع مرتجف نحو الخاتم:
— “يا ست هانم.. الخاتم بتاعك ده حلو قوي.. ده شبه اللي عند ماما بالظبط.. هي دايماً بتخبيه تحت المخدة بتاعتها.”
سقطت الشوكة الفضية من يد إيزابيلا وارتطمت بالطبق بصوت رنّ في أرجاء المطعم.
هرب الهواء من رئتيها فجأة. طوال ١٣ عاماً، كانت تعيش بيقين واحد: هذا الخاتم لا يوجد له مثيل في العالم كله. لقد صممته بنفسها وطلبت من صائغ أوروبي تنفيذه يوم ولادة ابنتها ليكون إرثاً للعائلة.
— “مامتك اسمها إيه؟” — سألت إيزابيلا بصوت مبحوح وهي تحاول التمسك بهدوئها الذي ينهار.
رفعت الطفلة عينيها، وفي تلك اللحظة، توقف الكون بالنسبة لإيزابيلا. لم تكن تلك العينان مألوفتين فحسب؛ بل كانت مرآة لوجه بحثت عنه في الوجوه، وفي الحدائق، وفي الكوابيس طوال عقد من الزمان.
— “اسمها إيه؟” — كررت إيزابيلا بلهفة تقترب من الاستجداء.
ضمت الطفلة الورد الذابل لصدرها وقالت:
— “اسمها لوسيا.. لوسيا هيريرا.”
نزل الاسم عليها كالصاعقة. “لوسيا”.. هو نفس الاسم الذي اختارته لرضيعتها. ظنت في البداية أنها خدعة من القدر، فاسم لوسيا شائع، لكن تلك العيون.. هي ذاتها التي كانت تقبلها كل ليلة قبل أن يسرقها المــ,,ـــــوت.
— “مامتك ساكنة فين؟” — سألت إيزابيلا وهي ترتجف.
ترددت الطفلة، فخلعت إيزابيلا الخاتم ووضعته على الطاولة قائلة:
— “لو وديتيني عندها.. أوعدك بأغلى ما عندي إني هخليها تخف..
أوعدك.”
— “إحنا ساكنين قريب من سوق (سان خوان دي ديوس)” — همست الطفلة — “في بيوت الصفيح اللي ورا الكوبري القديم.”
انطلقت إيزابيلا بسيارتها الفاخرة خلف الطفلة، لتدخل في واقع منسي؛ شوارع ضيقة، ورائحة رطوبة، وبيوت متهالكة. توقفت الطفلة أمام باب من الصفيح الصدئ وطرقته: بقلم نورهان العشري
— “ماما! أنا جيت ومعايا ست طيبة.. الست صاحبة الخاتم.”