Uncategorized

لغز خاتم الياقوت حكايات نورهان العشري

خرجت امرأة وجهها محفور بعلامات الفقر والتعب، لكن عينيها.. كانت هي ذاتها. تجمدت المرأة حين رأت إيزابيلا، ونظرت فوراً ليدها.. رأت الخاتم والياقوتة الحمراء.
— “انتي جبتي الخاتم ده منين؟” — سألت المرأة برعب وهجوم.
— “عشان الخاتم ده بتاعي” — همست إيزابيلا والدموع تحــ,,ـــــرق وجنتيها — “وعشان أنا ما عملتش غير اتنين زيه بالظبط في حياتي كلها.. يوم ما بنتي اتولدت.”
انهارت المرأة المريضة وسقطت على الأرض وهي تبكي بحــ,,ـــــرقة:
— “والله ما كنت أعرف.. والله ما كنت أعرف اسمها الحقيقي.. أنا لقيتها.. لقيتها ليلة الدــ,,ـــــادثة.”
جثت إيزابيلا على ركبتيها أمامها في التراب:

— “لقيتيها فين؟”
— “لقيتها في الكرسي اللي ورا في العربية المهجورة.. كانت بتعيط وسط الإزاز المكسر. جوزي كان خايف وقالي نهرب عشان العصابات والشرطة، بس أنا ما قدرتش أسيبها في الضلمة لوحدها.. أخدتها وهربنا من المدينة وعشنا في الضل سنين عشان خايفين نتــ,,ـــــحبس.. أنا سميتها لوسيا عشان كانت النور الوحيد في حياتي.. والخاتم ده كان ملفوف في غطاها، هو ده الحاجة الوحيدة اللي شيلتها من ريحة أهلها.”
غطت إيزابيلا وجهها وانفجرت في بكاء حرر ١٣ عاماً من الوجع. اقتربت الطفلة منها وسألت بخوف:
— “انتم بتعيطوا ليه؟”
نظرت إيزابيلا في عينيها وقالت:

— “عشان أنا بقالي عمري كله بدور عليكي يا حبيبتي.”
قالت الأم المتبنية بكرامة موجعة:
— “أنا ربيتها كأنها حتة مني.. ادتها كل الحب اللي عندي رغم إني ما كانش معايا فلوس آكلها.. خديها معاكي.. بس أرجوكي ما تكرهينيش.”
نظرت إيزابيلا للمرأة المريضة، وأدركت حقيقة أكبر من الانتقام؛ هذه المرأة لم تخطف ابنتها، بل أنقذتها من مــ,,ـــــوت محقق في تلك الليلة المشؤومة. اقتربت منها واحتضنتها بقوة:
— “شكراً.. شكراً إنك كنتي أمها في الوقت اللي أنا ما قدرتش أكون فيه جنبها.”
تعانقت النساء الثلاث في مشهد أبكى الحجر.

وبعد أيام من الفحوصات والإجراءات القانونية، تأكد ما عرفته القلوب؛ الطفلة هي وريثة إمبراطورية “سيرفانتس”. لكن إيزابيلا اتخذت قراراً أدهش الجميع.
رفضت أن تفصل الطفلة عن الأم التي ربتها. اشترت منزلاً واسعاً وجميلاً، ودعت “لوسيا هيريرا” للعيش معهما كفرد من العائلة، وتكفلت بعلاجها في أفضل المستشفيات.
وفي إحدى الأيام، وبينما كانت الطفلة تذاكر دروسها، رفعت رأسها وقالت لإيزابيلا بعفوية:
— “ممكن أقولك (ماما) أنتي كمان؟”
في تلك اللحظة، شعرت إيزابيلا أنها وُلدت من جديد:

— “طبعاً يا روح قلبي.” بقلم نورهان العشري
مرت السنوات، وفي حفل تخرج “لوسيا” الصغيرة من الجامعة، وقفت لتلقي كلمتها أمام الجميع، بينما كانت إيزابيلا ولوسيا الأم المتبنية تجلسان في الصف الأول بقمة الفخر.
قالت الشابة:
— “أنا كان ليا الشرف إني أكبر وليا أُمين.. واحدة ادتني الحياة ودورت عليا لآخر العالم، والتانية أنقذتني من الضلمة وعلمتني إن الحب مش محتاج فلوس عشان يكون كبير.. والاتنين علموني إن الحب الحقيقي عمره ما بيقسم.. الحب دايماً بيجمع ويضاعف.”
نظرت إيزابيلا لخاتم الياقوت في إصبعها، ولم تعد ترى فيه ذكرى الفقد، بل رأت فيه “المفتاح” الذي أعاد لها روحها.

لغز خاتم الياقوت حكايات نورهان العشري

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى