
رحمة القدر بقلم نورهان العشري
كان الصمت يملأ غرفة الاجتماعات في قصر عائلة الراوي إلا من صوت قدرية هانم وهي تقول بلهجة آمرة محتقرة
ـ امضي يا شحاتة عشان تغوري من هنا ونخلص منك
كان ضوء النهار يدخل من النوافذ الطويلة، ويلامس الطاولة اللامعة التي وُضعت عليها أوراق الطلاق بعناية جلست ميرنا بهدوء و حزن، ويداها فوق الطاولة.
ثلاث سنوات قضتها داخل هذه العائلة كانت كافية لتتعلم درسًا مهمًا:
ـ أحيانًا يكون الصمت… أبلغ من أي دفاع.
تنحنح محامي العائلة، السيد صبحي ثم دفع الأوراق نحوها قليلًا وقال بنبرة رسمية هادئة:
— الموضوع بسيط يا مدام ميرنا هتمضي هنا، وتتنازلي عن أي نفقة أو أملاك أو حقوق مالية مع عيلة الراوي. توقّف لحظة، ثم أضاف وهو ينظر في الملف أمامه:
— وفي المقابل العيلة هتتفضل وما تنشرش الأدلة اللي عندها و تسوء سمعتك ساد صمت ثقيل. لمعت عينا ميرنا قليلًا، من هول الصدمة ثم وضعت القلم على الطاولة ببطء. الصوت الخفيف لاصطدامه بالخشب بدا في الغرفة كأنه طلقة. رفعت رأسها ببطء.
— تسوء سمعتي!
قالتها بصوت منخفض لكنه ثابت.
— أنا معملتش اي حاجة غلط يعني أيه تسوء سمعتي؟ تنهد عبد الحميد الراوي الأب القوي وصاحب الإمبراطورية المالية، وكأنه سمع شيئًا يضايقه. لوّح بيده بلا مبالاة وقال:
— بلاش الكلام ده… أحمد قال لنا كل حاجة. مال إلى الخلف في كرسيه بثقة وهو يتابع — وعندنا صور كمان. ابتسمت قدرية ابتسامة باردة وهي تنظر إلى ميرنا كأنها تنظر إلى شيء انتهى. حكايات نورهان العشري ليتابع تابع عبد الحميد بنبرة هادئة لكنها قاسية:
— لو ما مضتيش واختفيتي بهدوء… الصور دي هتنزل للناس كلها.
ثم ضاقت عيناه قليلًا.
— وساعتها… سمعتك هتبقى في الأرض و مش هتطولي قرش واحد مننا بردو و طبعا في الحالة دي مفيش حتى سوبر ماركت في حارتك هيرضى يشغّلك. شعرت ميرنا للحظة وكأن الجدران تقترب منها لكنها لم تبكِ بدلًا من ذلك نظرت إلى أحمد زوجها. أو الرجل الذي كان زوجها. قالت بهدوء و نبرة معاتبة:
— بصلي يا أحمد. تردد لحظة. ثم التفت إليها أخيرًا. كان فكه مشدودًا، وعيناه باردتين.
همست هي بخفوت:
— قولهم الحقيقة قول اني عمري ما خنتك أبدًا.
أطلق زفيرًا طويلًا، ثم قال ببرود:
— أنا شفت الصور بنفسي ومش هقدر أعيش مع واحدة خاينة. تكسّر شيء خفي في صدرها لكن ملامحها بقيت هادئة و هنا عرفت أن ما حدث قبل ثلاثة شهور كان تدبيرخفي من القدر ليجعلها في موضع قوة حتى لاتكون فريسة لهذه العائلة التي لا تعرف معنى للرحمة
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
— يبقى ده اختيارك. وفجأة قطع الصمت صوت محركات سيارات في الخارج التفت الجميع نحو النافذة توقفت ثلاث سيارات سوداء فاخرة أمام القصر و حدث ما لم يكن في الحسبان! حكايات نورهان العشري
قطّب عبد الحميد حاجبيه وقال بحدة:
— إيه ده؟ إنتِ مستنية حد؟ لم تجب ميرنا انما نصبت عودها الممشوق وهي تناظرهم باستخفاف.
بعد لحظات، فُتح الباب ودخل ثلاثة رجال ببدلات رسمية أنيقة.
تقدم أحدهم بخطوات واثقة، ثم انحنى قليلًا نحو ميرنا باحترام. وقال — مدام ميرنا إحنا وصلنا. ساد الصمت. قطب عبد الحميد حاجبيه وقال بحدة:
— وإنتوا مين؟ فتح الرجل حقيبة جلدية، وأخرج ملفًا رسميًا وضعه على الطاولة. — إحنا ممثلين شركة الراجحي القابضة الدولية… وجايين نتكلم بخصوص أصول السيدة ميرنا.
تغير لون وجه عبد الحميد وهو يقلب الأوراق بسرعة وبيقول بصدمة حكايات نورهان العشري — ده… مستحيل. رفع الرجل نظره إليه بهدوء وقال:
— السيدة ميرنا مش بس الزوجة السابقة لابن حضرتك… دي كمان الوريثة الوحيدة لمجموعة الراجحي المالية. ثم أضاف بهدوء:
— وقيمة المجموعة تتجاوز ملياري دولار. اتسعت عينا أحمد وتجمدت ابتسامة قدرية أما عبد الحميد فلم يجد كلمة يقولها.
في تلك اللحظة، أخذت ميرنا القلم. وقّعت أوراق الطلاق بهدوء، ثم دفعتها نحوهم. وقالت بابتسامة هادئة:
— ما تقلقوش… أنا مش هاخد حاجة من عيلتكم.
وقفت. ونظرت إلى أحمد للمرة الأخيرة. — بس افتكر حاجة واحدة… توقفت لحظة. وقالت — إنتوا اللي اخترتوا تخسروني. ثم استدارت وخرجت من الغرفة. بعد دقائق، انطلقت السيارات السوداء الثلاث مبتعدة عن القصر. حكايات نورهان العشري وفي الداخل… ظل أفراد عائلة الراوي واقفين في ذهول كيف حدث ذلك. لم يصلوا لإجابة ولكنهم أدركوا متأخرين جدًا… أنهم لم يطردوا امرأة ضعيفة. بل خسروا إنسانة… كانت أغنى منهم مالًا،
وأقوى منهم كرامة.
ليس كل من يلتزم الصمت ضعيفًا…
فبعض الناس يختارون الصمت فقط حتى يأتي الوقت المناسب ليتكلم القدر بدلًا منهم.
مرّت ستة أشهر منذ تلك الليلة التي غادرت فيها ميرنا قصر عائلة الراوي. القصر نفسه… الذي كان يومًا يعجّ بالضيوف والسيارات الفاخرة… أصبح هادئًا أكثر مما ينبغي.
فالصفقات بدأت تفشل، والبنوك صارت أكثر حذرًا، والشركات التي كانت تتسابق للتعامل مع اسم الراوي بدأت تنسحب واحدة تلو الأخرى. وفي وسط المدينة، كان مبنى زجاجي شاهق يحمل لافتة جديدة لامعة: مجموعة الراجحي الدولية.
وفي الطابق الأخير، خلف جدار كامل من الزجاج يطل على المدينة، كانت ميرنا تقف بهدوء، تنظر إلى الأفق.
لم تعد المرأة نفسها التي خرجت من القصر ذلك اليوم.
في عينيها الآن هدوء بارد… وثقة لا تهتز.
رنّ الهاتف على مكتبها. دخلت سكرتيرتها وقالت بصوت خافت:
— في حد برّه طالب يقابلك يا فندم… بيقول اسمه أحمد الراوي. توقفت ميرنا لحظة. لم يتغير تعبير وجهها. قالت بهدوء:
— خليه يدخل. بعد لحظات، فُتح الباب ببطء. دخل أحمد. لم يكن الرجل نفسه الذي كان يجلس متكبرًا في جلسة الطلاق.
بدلته لم تعد فاخرة كما كانت، وعيناه تحملان إرهاقًا واضحًا. وقف أمام مكتبها للحظة… وكأنه لا يعرف من أين يبدأ. رفعت ميرنا عينيها إليه بهدوء. حكايات نورهان العشري
— خير؟ تقدم خطوة وقال بصوت مكسور قليلًا:
— ميرنا أنا… كنت محتاج أكلمك. أشارت بيدها إلى الكرسي أمامها. — اتفضل. جلس ببطء، ثم نظر حوله في المكتب الواسع. — واضح إنك… نجحتي. ابتسمت ابتسامة خفيفة. — كنت ناجحة من قبل… بس إنتوا ما كنتوش شايفين. سكت قليلًا، ثم قال بصوت منخفض:
— أنا غلطت. لم ترد. تابع وهو يمرر يده في شعره بتوتر:
— اللي حصل وقت الطلاق… أنا كنت مضغوط… وأبويا… قاطعته بهدوء:
— أحمد.
رفع عينيه إليها. — ما تحاولش تلاقي أعذار. ساد الصمت. ثم قال بصوت متعب:
— الشركة عندنا بتنهار… البنوك سحبت تمويلها… والصفقة اللي كانت هتنقذنا… حكايات نورهان العشري توقف قليلًا. — شركة الراجحي اشترتها قبلنا. نظرت إليه ميرنا بهدوء. — أيوه… أنا اللي اشتريتها. اتسعت عيناه قليلًا. — يعني… إنتِ اللي… — وقفت توسع شركتكم؟
قالتها بهدوء. لم تجب. لكن الصمت كان كافيًا. خفض أحمد رأسه. ثم قال بصوت خافت:
— أنا استاهل ده. رفع عينيه مرة أخرى… وكانت فيهما لمعة حزن واضحة.
— بس أنا ما استاهلش أخسرك. تجمدت ملامحها لحظة. قال ببطء:
— أنا ندمان يا ميرنا ندمان إني ما صدقتكش… ندمان إني سبتهم يهينوكي… ندمان إني خسرتك. ثم وقف فجأة. — أنا لسه بحبك. ظل الصمت في الغرفة للحظات. ثم وقفت ميرنا ببطء من خلف مكتبها. مشت نحوه بضع خطوات… حتى أصبحت أمامه مباشرة. نظر إليها أحمد وكأن بصيص أمل عاد إلى عينيه. لكن صوتها كان هادئًا جدًا… وباردًا. — عارف إيه الفرق بيني وبينك يا أحمد؟ حكايات نورهان العشري
لم يجب. قالت:
— أنا خسرتك يوم الطلاق… بس اتعلمت أعيش من غيرك. ثم نظرت مباشرة في عينيه. — إنت خسرتني… ومتعلّمتش تعيش من غيري. خفض رأسه. أضافت بهدوء: — لما وقفت قدامك يومها وقلت لك بصلي كنت بديلك فرصة أخيرة. صمتت لحظة. — وإنت اخترت تصدق الصور اللي بتقول وروهالك… بدل ما تصدقني. ارتعش صوته قليلًا. — اديني فرصة تانية… هزت رأسها ببطء. — في قانون الحياة الفرص اللي لتضيع من شخص بتروح لغيره يستاهلها.
تقدمت نحو الباب وفتحته. — مرام ظهرت السكرتيرة فورًا. قالت إيزابيلا بهدوء:
— وصّلي الأستاذ أحمد للخروج. حكايات نورهان العشري ثم التفتت إليه مرة أخيرة. كانت نظرتها هادئة… لكن حاسمة. — أحمد أنا سامحتك. توقف قلبه للحظة وكأنه تمسّك بالأمل. لكنها أكملت: — بس مابقتش عايزاك في حياتي. ثم استدارت وعادت إلى مكتبها. وبقي أحمد واقفًا للحظة… عاجزًا عن الكلام. ثم خرج ببطء من المكتب. وخلف الباب الزجاجي، جلس للحظة على المقعد في الممر ودفن وجهه بين يديه. لأول مرة في حياته .بكى. أما في الداخل كانت ميرنا تنظر إلى المدينة من النافذة الواسعة. لم تكن منتصرة فقط.
كانت أخيرًا… حرة. فقد انصفها القدر حين اعترف بوجودها جدها رفيق الراجحي بعدما أصبح وحيدة لا ولد ولا حفيد بعد أن سقطت بهم الطائرة ذات يوم وهم عائدين من أوروبا ليتذكر ابنة الخادمة التي تزوجها ولده رشيد ذات يوم ليرسل إليها قبل ثلاثة أشهر حتى يعتذر منها وهو على فراش الم.وت ليمو.ت ويترك لها ثروته بالكامل بعض الناس لا يدركون قيمة ما يملكون. إلا بعد أن يفقدوه إلى الأبد. و آخرين لا يدركون المغزى وراء ما يحدث معهم و يظنون بأن القدر قد يظلمهم ولكن على العكس قد يأتي الإنصاف بطريقة مؤلمة ولكنه في النهاية رحمة من القدر