Uncategorized

بعد طـ ـلاقى حكايات رومانى مكرم

* “ها يا ست ريم؟ الفجر شقشق.. العفش هينزل بالذوق ولا نقلبها “ملاحة” زي ما قلتي؟” قربت منه بكل ثبات، وطلعت من جيبي “فلاشة” صغيرة وورقة متصورة “كربون”. ضحكت وقلت له بصوت واثق سمعه كل اللي في الشارع: * “يا معلم برعي، إنت راجل سوق وعارف إن “كمال فؤاد” مالوش أمان. الورقة اللي في جيبك دي “فخ” ليك قبل ما تكون ليا.. كمال بايع لك الشقة بعقد “ابتدائي” وتاريخ قديم، بس الحقيقة إن الشقة دي عليها “حجز تحفظي” من النيابة العامة من ساعة البلاغ اللي قدمته الصبح في قضية غسيل الأموال!”

وش برعي اتغير، والسيجارة وقعت من بقه. كملت وأنا بضغط على الكلام: * “يعني لو حطيت إيدك عليها، هتبقى “حامي مال مجمّد”، والنيابة هتسحبك مع كمال في نفس القضية.. واسأل المحامي بتاعك، قوله يعني إيه “شراء مال متنازع عليه مع الدولة”؟” برعي بص للرجالة بتاعته وبدأ يقلق، بس حاول يداري: “وإنتي إيش عرفك بكل ده؟” طلعت الموبايل ووريت له صورة من “محضر النيابة” اللي أستاذ عادل المحامي لسه بعته لي “واتساب”:

* “أنا مش بس سواقة تاكسي يا معلم.. أنا اللي فاتحة الدفاتر القديمة. والفلاشة دي عليها تسجيل بصوت كمال وهو بيتفق مع داليا إنه “يلبسك” في الحيطة عشان يخرج هو بكفالة بفلوسك إنت! كمال بيبيعك يا برعي عشان ينقذ رقبته.” برعي ضرب كف بكف وزعق في رجالته: “هاتوا لي الواد “حمادة” المحامي حالاً!” وفي لحظة، اتحول الهجوم اللي كان عليا لغضب ناحية كمال. برعي بص لي وقال بنبرة فيها احترام غريب: * “والله وطلعتي “برنسيسة” يا ريم.. كمال كان فاكرك صيد سهل، بس الظاهر إن سواقة الليل علمتك تقرئي الطريق صح.”

قلت له وأنا بفتح باب العمارة عشان أدخل: * “اللي يسوق في شوارع مصر بالليل يا معلم، مبيخافش من “خيال” الضلمة.. الورق اللي معاك بله واشرب ميته، والشقة دي “حرم” ريم ناصر، واللي يقرب لها يتحرق.” انسحب برعي ورجالته وهما بيشتموا في كمال وداليا، وأنا وقفت في مدخل العمارة، ساندة ضهري على الحيطة ونفست الصعداء. بس وأنا بطلع السلم، لمحت “خيال” حد مستنيني فوق قدام باب الشقة.. حد مكنتش أتوقعه أبداً في اللحظة دي.

طلعت السلم وإيدي على قلبي، والخيال اللي واقف قدام الباب بدأ يوضح مع نور السلم الضعيف. مكنش حد من رجالة برعي، ولا كان محامي كمال.. كانت “والدة داليا”! ست غلبانة وشها مطفي من الحزن، أول ما شافتني رمت نفسها على رجلي وهي بتعيط: * “بوس إيدك يا بنتي.. داليا ضاعت، وكمال لبسها كل المصايب وخرج هو بكفالة النهاردة الصبح! باعها يا ريم.. باع بنتي عشان ينفد بجلده، وهي دلوقتي لوحدها في الحجز بتواجه تهم تزوير وغسيل أموال توديها ورا الشمس.”

اتصدمت.. كمال خرج؟ الثعبان عرف يهرب من الجحر تاني؟ ساندت الست ودخلتها الشقة، وقالت لي بصوت مرعوش: * “داليا بعتت لي رسالة مع عسكري.. بتقولك كمال معاه “نسخة تانية” من العقود الأصلية، ومخبيها في مكان مبيخطرش على بال حد.. في “العربية التاكسي” اللي إنتي بتسوقيها يا ريم! هو زرعها في “فرش السقف” من زمان كأمان ليه لو البيت اتفتش، وهو دلوقتي جاي ياخدها ويهرب بره البلد.” الدم اتجمد في عروقي.. التاكسي! التاكسي اللي كان سندي وستري، كمال محولّه لـ “خزنة” لمصايبه وأنا مش دريانة. نزلت السلم زي المجنونة، والأسطى عبده كان لسه واقف بيشرب شاي قدام الورشة.

زعقت فيه: “فك سقف التاكسي يا عبده! حالاً!” عبده بص لي باستغراب بس نفذ فوراً. وبمجرد ما شد طرف الجلد بتاع السقف، وقعت رزمة ورق ملفوفة بلاستيك.. العقود الأصلية، وتحويلات بنكية بأسماء وهمية، وجواز سفر كمال وعليه “تأشيرة” خروج لتاني يوم الصبح! وفي اللحظة اللي مسكت فيها الورق، سمعت صوت فرملة عربية سوداء وقفت ورا التاكسي مباشرة. نزل منها كمال، بس وشه كان شيطاني، وفي إيده “طبنجة” وصوبها ناحيتي ببرود: * “لحد هنا واللعبة خلصت يا ريم.. هاتي الورق، وإلا المشوار ده هيكون “آخر توصيلة” في عمرك.”

بصيت للورق اللي في إيدي، وبصيت لكمال اللي خان العشرة والملح، وقلت له بصوت طالع من قاع جرحي: * “كنت عارفة إنك واطي، بس مكنتش متخيلة إنك “رخيص” لدرجة إنك تل عشان شوية ورق.. التاكسي ده يا كمال شال ناس كتير، بس النهاردة هيشيل “جثتك” أو “خيبتك”!” كمال ضغط على الزناد، بس قبل ما الرصاصة تطلع، الأسطى عبده حدف “مفتاح فرنساوي” تقيل جه في إيد كمال، والطلقة طلعت في الهوا.. وفي ثانية كانت رجالة الحارة والأسطى عبده فوقه، وريم واقفة ماسكة “طرف الخيط” الأخير اللي هيقضي عليه للأبد.

حكايات رومانى مكرم انتهى كل شيء في لحظة صمت رهيبة، الرصاصة اللي طاشت في الهوا كانت هي “صافرة النهاية” لظلم كمال فؤاد. وقع الطبنجة من إيده وهو بيصرخ من خبطة المفتاح الفرنساوي، وفي ثواني كانت حارة “سد” كلها فوقه.. مش بس رجالة الورشة، ده الجيران اللي عرفوا الحكاية، والناس اللي شافت “ريم” وهي بتشقى في ورديات الليل عشان لقمة العيش. مسكت الورق اللي وقع من سقف التاكسي، الورق اللي فيه ريحة غدره وشقاي، وبصيت له وهو متكتف على الأرض ووشه في التراب وقلت له بمنتهى القوة:

* “شوفت يا كمال؟ السقف اللي كنت مخبي فيه قذارتك، هو نفسه اللي سترني وفتح لي باب رزق.. والتاكسي اللي كنت بتركبه وبتضحك عليا فيه، هو اللي جاب رقبتك لحد عندي.” وصلت البوكسات، والمرة دي كمال مخرجش بكفالة.. المرة دي الورق اللي كان في سقف التاكسي كان فيه “أصل العقود” و”تحويلات بنكية” بأسماء وهمية، أدلة مابترمش صاحبها غير ورا الشمس. داليا لما عرفت إن كمال باعها، اعترفت بكل حاجة من الألف للياء، ولبسته قضية تزوير رسمية وشهادة زور ورشوة.

بعد شهر: وقفت قدام المحكمة، بس المرة دي مكنتش “ريم” المكسورة اللي بتعيط على حقها الضايع. كنت لابسة بدلة شيك، وشعري بدأ يطول تاني، وعيني فيها لمعة نصر ماب تنطفيش. القاضي نطق بالحكم: * “حبس كمال فؤاد 15 سنة مع الشغل والنفاذ، ومصادرة جميع أمواله ورد الشقة والحسابات المنهوبة للسيدة ريم ناصر مع التعويض.” خرجت من باب المحكمة، لقيت “التاكسي الأبيض” واقف قدامي.. الأسطى عبده كان غسله وملمعه ومخليه زي الفل. ركبت ورا المقود، وخلعت “الكاب والنضارة” ورميتهم في الكنبة اللي ورا، الكنبة اللي شهدت أصعب ليلة في حياتي.

بصيت في المراية الأمامية، وقلت لنفسي: * “المشوار كان طويل يا ريم.. والوجع كان تقيل، بس الطريق دايماً بيبان للي قلبه صاحي.” دورت المكنة، وطلعت على الكورنيش والمطر بدأ ينزل خفيف.. بس المرة دي المطر مكنش بيغسل “وساخة”، كان بيغسل “قلبي” وبيروي بكرة اللي جاي. فتحت الشباك، وخدت نفس طويل، وقولت بأعلى صوتي للدنيا كلها: “أنا ريم ناصر.. والعداد المرة دي، بيعد لي أنا!” تمت. الحكمه من حكاية “ريم ناصر والتاكسي الأبيض”: “إن الحق قد ينام، لكنه لا يمو.ت.. والظلم مهما علا بنيانه، ينهار أمام ثبات المظلوم وصبره.”

لقد تعلمنا من رحلة ريم أن: * الستر في العمل: العمل الشريف—مهما كان شاقاً أو بسيطاً—هو الدرع الذي يحمي الإنسان في أوقات المحن، و”التاكسي” الذي كان وسيلة نجاة ريم، أصبح هو نفسه القفص الذي حاصر الظالم. * خيانة الأمانة دين مُعجل: من يظن أن ذكاءه في “التزوير” و”التلاعب” سينجيه، ينسى أن الله يضع الدليل تحت قدم المظلوم في اللحظة التي يظن فيها الظالم أنه انتصر. * الثقة العمياء درس قاسٍ: ريم تعلمت أن الثقة لا تُعطى بالكامل حتى لأقرب الناس إلا باليقظة، لكن كسرها لم يكسرها، بل صنع منها امرأة “قوية” قادرة على قراءة وجوه البشر في مراية الواقع.

* المعدن الأصيل: ولاد البلد (مثل الأسطى عبده) هم السند الحقيقي وقت الشدة، والمال الحرام (مثل مال كمال وداليا) يذهب ويذهب معه أصحابه خلف القضبان. “في نهاية المشوار، لا يصح إلا الصحيح.. والمطر الذي يغسل الشوارع، يغسل القلوب الصابرة ويغرق النفوس الواطية.” حكايات رومانى مكرم

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى