فتحت موبايلي وإيدي لسه بتترعش، بس المرة دي من الحماس مش من الخوف. التسجيل اللي سجلته ليهم في التاكسي كان “قنبلة موقوتة”. كمال وداليا اعترفوا بكل حاجة: التزوير، الحسابات اللي بره، وحتى رشوة الموظفين. كان لازم أتحرك بسرعة قبل ما “كمال” يراجع نفسه ويشك في الجملة اللي قلتها له قبل ما ينزل. روحت لـ “أستاذ عادل”، محامي قديم كان زميل والدي الله يرحمه، الوحيد اللي كنت عارفة إنه مش هيتباع بفلوس كمال. لما سمع التسجيل، قلع نضارته وبص لي بذهول:
* “يا ريم.. إنتي معاكي حبل المشنقة بتاعهم، بس التسجيل لوحده في القانون المصري “دليل غير مشروع” لأنه تم بدون إذن.. لكنه الخيط اللي هيوصلنا للأدلة المشروعة!” الخطة بدأت: كمال ذكر “الحسابات الخارجية” و”الورق القديم”. عرفت إن كمال لسه شايل العقود الأصلية في “خزنة المكتب” القديم، لأنه بيخاف من داليا نفسها ومبيثقش في حد. المواجهة الصامتة: تاني يوم، قلعت الكاب والنضارة، ورجعت “ريم ناصر” اللي كمال يعرفها، بس بوش ميت، مابيرمش. رحت له المكتب. لما شافني، وشه جاب ألوان، وضحك ببرود:
* “أهلاً يا ست ريم.. جاية تشحتي لقمة تانية ولا جاية تطلبي سماح؟” قعدت وحطيت رجلي على رجل، وطلعت الموبايل وشغلت مقطع صغير من صوته وهو بيقول: “الحركة دي كلفتني أقل من مرتب شهر من اللي نهبناه منها”. الضحكة اتجمدت على شفايفه، وعروق رقبته ظهرت. داليا دخلت المكتب في اللحظة دي، وأول ما سمعت صوتها في التسجيل وهي بتقول “إحنا مصيرنا السجن”، وقعت الشنطة من إيدها. قلت بجمود: * “الوساخة مابتطلعش بالساهل يا كمال بيه.. والتاكسي اللي ركبته امبارح مكنش مجرد توصيلة، كان “عزرائيل” وهو جاي يلم الحساب.”
كمال حاول يهجم على الموبايل، بس وقفته بكلمة واحدة: * “التسجيل ده مبعوت لـ 3 أشخاص دلوقتي.. لو جرالي حاجة، أو لو الورق الأصلي اللي في الخزنة “اتحرق”، التسجيل ده هينزل “لايف” على كل صفحات السوشيال ميديا، والنيابة العامة هتتحرك بلاغ للرأي العام قبل ما تتحرك بلاغ قانوني.” داليا بدأت تنهار وتصرخ فيه: “قلت لك بلاش غرور! قلت لك الست دي مش سهلة!” بصيت ليهم باحتقار وقلت: * “قدامك 24 ساعة.. الشقة ترجع، والديون تتسدد، والحسابات اللي بره تتنازل عنها.. يا إما المشوار الجاي للتاكسي هيكون لـ “ليمان طرة”..”
خرجت من المكتب والمطر لسه بينزل، بس المرة دي كنت حاسة إن المطر بيغسل روحي أنا من قهر السنين. تفتكر يا ريم: حكايات رومانى مكرم مرت الـ 24 ساعة وكأنها دهر. كمال ماكنش من النوع اللي بيسلم رقبته بسهولة، وداليا كانت زي الحية، بتلف وتدور عشان تلاقي مخرج. وفي ليلة الجمعة، جالي اتصال من رقم غريب.. كان صوت كمال، بس المرة دي مخنوق وواطي: “تعالي يا ريم.. الشقة والورق والتنازلات جاهزة، بس هاتي الموبايل معاكي، ونقفل الصفحة دي للأبد.”
روحت المكتب، بس المرة دي مكنتش لوحدي.. كان “أستاذ عادل” المحامي مأمن الخطوات من بعيد، ومعايا “تسجيل حي” مفتوح مع حد من طرفه. دخلت لقيت كمال قاعد وشه أصفر، وداليا واقفه في ركن المكتب بتعيط بتمثيل رخيص. رمى كمال الدوسيه على المكتب وقال بغل: * “كل حاجة أهي.. الشقة، التنازل عن الديون، وشيك بمبلغ الحساب اللي بره.. امضي إنك استلمتي وكل الصور اللي معاكي تتمسح قدامي.” مسكت الورق، راجعته بدقة، وعيني كانت بتلمع بنصر مكنتش حلمت بيه. مضيت، وبصيت له وقلت:
* “الصور اتمسحت يا كمال.. بس اللي زيك مبيتعلمش بالساهل.” قربت داليا وقالت بخبث: “خلاص يا ريم، خدتي اللي عايزاه، غوري بقى من حياتنا.” ضحكت ضحكة عالية رنت في المكتب كله وقلت: * “أنا فعلًا مسحت التسجيل اللي سجلته في التاكسي.. بس نسيت أقولكم إني بلغت مصلحة الضرائب والرقابة الإدارية عن “غسيل الأموال” في شركتك.. والبلاغ ده ملوش علاقة بخلافي الشخصي معاكم، ده حق الدولة اللي كنتوا بتسرقوها زي ما سرقتوني.”
في اللحظة دي، خبط جامد على الباب.. ودخلت قوة من المباحث ومعاهم إذن تفتيش وتحقيق بناءً على بلاغ “مواطنة شريفة” مدعوم بمستندات كانت ريم مصوراها من مكتبه في زيارتها الأولى. كمال وقع على الكرسي مش مصدق، وداليا كانت بتصرخ وهي بتتحط في “الكلبشات”. بصيت ليهم لآخر مرة قبل ما أخرج من باب المكتب، وقلت ببرود: * “أنا دلوقتي هروح أغسل التاكسي.. عشان المرة دي المطر فعلًا غسل كل حاجة.”
نزلت الشارع، ركبت التاكسي الأبيض بتاعي، وخلعت الكاب والنضارة. بصيت لنفسي في المراية، وابتسمت لأول مرة من سنين. الطريق لسه طويل، بس المرة دي أنا اللي سايقة، وأنا اللي بحدد المحطة الجاية. خرج كمال وداليا في “بوكس” الشرطة، والشركات اتختمت بالشمع الأحمر، والكل افتكر إن الحكاية خلصت عند باب المكتب.. بس اللي زي كمال فؤاد بيبقى عامل زي “الديب الجريح”، مبيقعش من أول طلقة، خصوصاً لو لسه معاه “كارت” أخير مخبيه للزمن.
رجعت شقتي القديمة، الشقة اللي شهدت ذلي وقهرتي. قعدت على الكنبة وبصيت للمفاتيح في إيدي، كنت حاسة بنصر، بس كان فيه “غصة” في قلبي مش فاهمة سببها. قطعت حبل تفكيري رنة موبايلي.. رقم كمال! فتحت الخط وأنا مستغربة، هو مش المفروض في الحجز؟ جالي صوته من ورا القضبان، بس المرة دي مكنش مهزوم، كان بيضحك ضحكة فحيح الأفاعي: * “مبروك يا ريم.. مبروك الشقة والورق. بس افتكري إن كمال فؤاد مبيسيبش حقه، وإنتي نسيتي أهم ورقة في الدوسيه اللي خدتيه.. ورقة “التمكين” اللي داليا مضت عليها قبل ما تتقبض عليها بساعة لواحد من “حيتان” السوق.”
جسمي قشعر.. طلعت الورق بسرعة ونفضته قدامي. فعلاً، فيه عقد بيع ابتدائي للشقة بتاريخ قديم، وممضي من داليا بصفتها “مالكة” (بالتزوير اللي عمله كمال) لشخص اسمه “المعلم برعي”.. وده مش مجرد تاجر، ده “بلطجي” قانوني، بياخد الشقق بوضع اليد ومحدش بيقدر عليه. مرستش ليلتها، وفجأة سمعت خبط رزع على الباب.. خبط مش بتاع شرطة، ده خبط “هدم”. فتحت العين السحرية، لقيت 4 رجالة زي الحيطان، وفي وسطهم واحد لابس جلابية وعقله صباعه عليها خاتم ذهب كبير.. المعلم برعي!
زعق بصوت هز العمارة: * “يا أهل البيت.. الشقة دي اتباعت، ومعايا ورقها المختوم. قدامكم لحد الفجر، تلموا الهدوم وتطلعوا بالذوق، بدل ما تطلعوا “عفش” من الشباك!” عرفت إن كمال رمى لي “طعم” عشان يخرجني من السجن بالاتفاق مع برعي، وإن المعركة لسه مخلصتش. كمال كان عايز يكسر فرحتي ويوريني إن القانون اللي جبته بيدي، هو نفسه اللي هيطردني بسببه “بالورق المزيف” اللي لسه شغال. مسكت موبايلي، وكلمت “الأسطى عبده” ميكانيكي المنطقة وصاحب عمري في وردية الليل. قلت له بكلمتين: “جهز لي التاكسي يا عبده، وهات لي الرجالة.. المشوار الجاي مش محتاج محامي، ده محتاج “ولاد بلد”.”
لبست الكاب والنضارة من تاني، ونزلت السلم وأنا شايفة برعي ورجالته مستنيين تحت العمارة. وقفت قدامه وبصيت في عينه بكل جبروت وقلت له: * “الشقة دي تمنها “دم” يا معلم برعي.. والورق اللي معاك ده “ورق تواليت”. الفجر لسه مجاش، واللي أوله “تاكسي”.. آخره “ملاحة”!” ركبت التاكسي ودورت المكنة، وبدأت أجمع “خيوط” تانية عن المعلم برعي وكمال.. خيوط كانت مستخبية في “كابينة التاكسي” من زباين ركبوا معايا زمان ومحكوش غير للظلمة.
طلعت الفجرية والهدوء ساد الحارة، بس هدوء ما قبل العاصفة. المعلم برعي ورجالته كانوا فارشين كراسي قدام باب العمارة، وسجائرهم دخانها مالي الجو، مستنيين اللحظة اللي يقتحموا فيها شقتي “بالقانون” المزيف اللي في جيبهم. فتحت باب التاكسي ونزلت، ومعايا “الأسطى عبده” الميكانيكي وتلاتة من رجالة الورشة اللي بكلمة واحدة مني وقفوا ضهر لي. برعي بص لي بسخرية وهو بيعدل الخاتم في إيده وقال:
