نور ابتسمت بمرارة وقالت: “ربنا مبيسيبش يا تارة.. اللي حرق قلبي بالقهوة وهو صايم، دلوقتي بيفطر بمرارة الندم ورا القضبان. المهم، جهزتي شنطتك؟” تارة ضحكت: “جاهزة طبعاً! أول مرة هنقضي العيد بعيد عن الغل والوجع.. الغردقة مستنيانا يا بطلة.” المواجهة الصامتة قبل السفر بساعة، راحت نور “سجـ .ـن القناطر” لآخر مرة. كانت عايزة تقفل الكتاب ده للأبد. سيد وقف ورا السلك، شعره شاب في شهر واحد، وعينه كانت مكسورة لدرجة تخليه ميبصش في عينها. سيد همس بصوت مبحوح: “انتقمتي خلاص؟ بقيتي (نور) اللي الكل بيحكي عنها وأنا (سيد) اللي الكل بيبص له بقرف؟”
نور بصت له بهدوء غريب: “أنا منتقمتش يا سيد.. أنا بس سيبتك لإيد العدالة اللي إنت استهونت بيها. إنت كنت فاكر إن (الفيزا) والفلوس هما الأمان، ونسيت إن الستر والرحمة هما اللي بيوقفوا البيت.” سيد بكى: “نور.. أنا لسه بحبك، والله الشيـ,ـطان…” قاطعته نور وهي بتقوم: “الشيـ . ـطان مبيعرفش يدخل بيت فيه أصول يا سيد. إنت اللي فتحت له الباب بالغل. مبروك عليك الوحدة، ومبروك عليا “نفسي” اللي رجعتلي.” بداية وليست نهاية
خرجت نور من السجـ .ـن، لقت “نجلاء” مستنياها بره ومعاها ابنها. نجلاء مدت إيدها بوردة بلدي ريحتها ترد الروح: “أنا مسافرة الصعيد الصبح يا نور.. بس كنت لازم أقولك إنك علمتيني يعني إيه (ست بجد). ابني لما يكبر، هحكي له عنك.. هقوله إن في ست نـ .ـار القهوة محرقتهوش، دي نورته.” حضـ,ـنت نور الطفل وبسته، وركبت عربيتها. وفي الطريق، شافت يافطة كبيرة لجمعية “نور الحياة” لعلاج ضحايا الحروق، والصورة اللي عليها كانت مرسومة لوش ست قوية، ملامحها بتشبه نور، بس من غير جروح.
فتحت نور “تابلوه” العربية، طلعت (ساعة أمها الغالية) ولبستها في إيدها، وبصت للساعة.. كانت بتعلن بداية حياة جديدة، خالية من “سيد” وسمومه. الساعة 12 بالليل.. ليلة العيد بدأت تهل، ونور كانت ماشية في طريقها السريع، بتغني مع الراديو “يا ليلة العيد آنستينا”، وهي عارفة إن الحكاية مخلصتش هنا.. الحكاية “بدأت” دلوقتي، كست حرة، قوية، وصاحبة قرارها. ومع دقات طبول العيد، كانت “نور” تقف على شاطئ البحر، بعيداً عن زحام القاهرة وضجيج المحاكم. نظرت إلى انعكاس صورتها على صفحة الماء؛ لم تعد ترى ذلك الحرق كتشويه، بل رأته كخريطة طريق عبرت منها من الانكسار إلى الانتصار.
“سيد” الآن خلف القضبان، يذوق مرارة الأيام التي ظن أنه يملك فيها كل شيء، و”نجلاء” رحلت تبحث عن توبة في صعيد مصر، و”بركات” غرق في بئر أعماله السوداء. أما “نور”، فقد استعادت أثمن ما تملك: نفسها. الدرس الأخير لم تكن الحكاية عن “فيزا بنك” أو “لاب توب” أو “شقة في مصر الجديدة”، كانت عن الكرامة التي إذا هُدرت، سقط معها كل شيء. القهوة التي سكبها سيد ليحرق بها وجه زوجته، كانت هي ذاتها “الصحوة” التي أنقذت حياتها من مستنقع الغدر.
> الحكمة: > “الظلـ .ـم نـ .ـار تأكل صاحبها قبل أن تمس المظلوم، والحق لا يضيع ما دام وراءه قلب لا يعرف الخوف، ويد لا ترتعش وهي تسترد شرفها.” > كلمة الختام طويت صفحة “القهوة المرة”، وخرجت “نور” من المعركة ليس فقط بمالها وحريتها، بل برسالة لكل امرأة: “أنتِ لستِ مجرد ظل في بيت، أنتِ عمود البيت.. ومن يحاول كسر العمود، ينهدم البيت فوق رأسه وحده.” انتهت فصول هذه الحكاية، وتركت خلفها عبقاً من القوة والإصرار، لتبدأ “نور” رحلة جديدة، بقلب نقي، ووجه مرفوع، وروح لم تعد تخشى النيران.
تأتي الحكمة دائماً من قلب الوجع، لتكون النبراس الذي يضيء للعابرين في دروب الظلـ .ـم. إليك “الحكمة” من رواية “القهوة المرة”: الحكمة الأولى: “عزة النفس أغلى من شقا العمر” المال يُعوض، والبيوت تُبنى من جديد، والأثاث يُشترى بالتقسيط.. لكن الكرامة إذا خُدشت، لا يرممها ذهب العالم. “نور” لم ترحل لأنها خسرت مالها، بل رحلت لأنها رفضت أن تكون “سلعة” تُباع وتُشترى في سوق الأقارب. الحكمة الثانية: “البيت الذي يُبنى على الظلـ .ـم.. ينهار من أول نفخة ريح”
“سيد” ظن أن جدران شقته في “مصر الجديدة” ستحميه، ميعرفش إن البيوت بتتسند على “الأصول” مش على “الخرسانة”. النـ .ـار اللي ولعها في وش مراته، هي اللي حرقت البيت من أساسه وخلفته رماد. الحكمة الثالثة: “اتقِ شر الحليم إذا غضب” المظلوم مش دايمًا ضعيف، هو بس “صبور”. وصبر “نور” على “سيد” و”نجلاء” مكنش غباء، كان “مخزون” من القوة انفجر في اللحظة الصح، ليتحول من ضحية محروقة الوجه إلى “قاضي” يحكم بالعدل ويسترد الحق بالذكاء والقانون.
الحكمة الرابعة: “القهوة المرة بتفوق” قد تأتيك الضـ,ـربة ممن تحب، لتكون هي “الصحوة” التي تحتاجها. أحياناً نحتاج لصدمة قـ,ـاسية -مثل كنكة القهوة الغالية- لنرى الوجوه الحقيقية لمن حولنا، ولنعرف أن “الدم” أحياناً يكون ملوثاً بالغدر، وأن “الغريب” قد يكون أرحم من “القريب”. الخلاصة: “الحق لا يضيع ما دام وراءه قلب لا يعرف الخوف، ويدٌ قوية لا ترتعش وهي تسترد شـ,ـرفها.” حكايات روماني مكرم