انهارده اول ايام العيد اهل خطيبى جايين يعيدو عليا وجايبين زياره معاهم فاكها ولحمه وفراخ وكلهم ادونى عديه ماما قالت ليه كل ده احنا اهل ليه كل ده ترد حماتى قالت ما كلها ايام وتتجوز وتبقا فى بيتنا وانتو هعملو كده واكتر علشان تشرفو بنتكم أول يوم في العيد… اليوم اللي كنت مستنياه من شهور.
صحيت بدري على صوت التكبيرات جاية من الشارع، والريحة الحلوة بتاعة الكحك طالعة من المطبخ. ماما كانت واقفة بتجهز آخر حاجة قبل ما أهل خطيبي يوصلوا، وأنا واقفة قدام المراية مش عارفة ألبس إيه… قلبي بيدق بسرعة غريبة، مش بس عشان العيد… لأ، عشان الإحساس اللي جوايا إن اليوم ده هيبقى مختلف. “يلا يا بنتي خلصي، زمانهم على وصول!” صوت ماما رجعني للواقع. لبست الفستان اللي كنت مخبياه للمناسبة دي، وبصيت لنفسي… ابتسامة صغيرة ظهرت، بس وراها قلق مش مفهوم.
بعدها بدقايق… الجرس رن. قلبي وقع. باب الشقة اتفتح، ودخلوا أهل خطيبي بابتسامات واسعة وصوتهم مالي المكان. حماتي كانت شايلة شنط كتير، ووراها أخته، وباباه شايل كرتونة كبيرة. “كل سنة وانتوا طيبين!” الصوت كان دافي، بس فيه حاجة تقيلة مستخبية. قعدوا، وبدأت الزيارات تتفتح… فاكهة، لحمة، فراخ، علب حلويات… كمية مش طبيعية. أنا اتصدمت. ماما بصتلهم باستغراب وقالت بابتسامة مهذبة: “ليه كل ده؟ احنا أهل… مالوش لازمة كل التعب ده.” ساعتها… حماتي ابتسمت ابتسامة غريبة، مش عارفة ليه حسيت إنها مش بريئة.
وقالت بهدوء: “ما كلها أيام وتتجوز وتبقى في بيتنا… وانتوا هتعملوا كده وأكتر علشان تشرفوا بنتكم.” الكلام كان عادي… بس طريقته لا. في لحظة، حسيت إن في رسالة مستخبية ورا الجملة. بصيت لخطيبي… كان ساكت، بيبص في الأرض، وكأنه متفق مع الكلام ده أو مش عايز يتكلم. قلبي اتقبض. عدى الوقت، والضحك مالي القعدة، بس أنا كنت تايهة في حاجة تانية خالص… نظرات حماتي، سكوت خطيبي، والجملة اللي فضلت ترن في وداني. بعد شوية، أخته قامت وقالت:
“تعالي يا عروسة، عايزاكي دقيقة في الأوضة.” دخلت معاها، وأنا مش مرتاحة. قفلت الباب وراها… ولفتلي بسرعة، وقالت بصوت واطي: “بصي بقى… أنا هتكلم معاكي بصراحة، عشان بعد كده ما تقوليش محدش قالك.” اتجمدت مكاني. “ماما مش بتهزر… احنا عندنا عادات لازم تمشي عليها، خصوصًا بعد الجواز. كل حاجة ليها حساب… الزيارات، الهدايا، حتى العيديات.” حكايات رومانى مكرم بلعت ريقي: “يعني إيه؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت: “يعني اللي شوفتيه النهارده… ده مش كرم، ده ترتيب.”
ساعتها… قلبي دق جامد. “ترتيب لإيه؟” قربت مني خطوة، وقالت الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيا: “ترتيب للي جاي… ولللي مطلوب منكم.” في اللحظة دي… حسيت إن العيد فجأة بقى تقيل، وإن الفرحة اللي كنت مستنياها… بدأت تتحول لحاجة تانية خالص. بس قبل ما أسأل أو أفهم أكتر… سمعنا صوت خناقة بره في الصالة. صوت ماما عالي لأول مرة: “لا… الكلام ده مايتقالش عندي!” فتحت الباب بسرعة، وخرجت أجري… لقيت حماتي واقفة، وشها متغير، وخطيبي بيحاول يهدي الموقف… بس واضح إن الموضوع كبر.
أول ما دخلت، الكل سكت. بصيت لماما… عينيها كانت مليانة دموع وغضب. #الكاتب_رومانى_مكرم وقالت وهي باصة ليّ: “اسأليهم يا بنتي… اسأليهم هم جايين يعيدوا… ولا جايين يحددوا تمنك؟!” ساعتها… حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. وبصيت وقفت مذهولة والكلمة بترن في وداني “تمنك؟!”.. بصيت لخطيبي مستنية منه رد، مستنية ينطق، لكنه كان لسه باصص في الأرض، وكأن الكلمة مكسرتش جواه حاجة. في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل بابا.. كان لسه راجع من صلاة العيد مع رجالة العيلة، وشاف المنظر.. حماتي واقفة بحدة، وماما بتغلي من جواها، والشنط والزيارات مفروشة في الصالة كأنها بضاعة مش هدايا.
بابا بصلهم بهدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، وقال بصوته الرزين: “خير يا جماعة؟ صوتكم واصل لآخر الشارع في يوم عيد.. ده إحنا لسه بنقول يا هادي.” حماتي حاولت تلطف الجو بسرعة بس بنبرة فيها تعالٍ: “يا حاج إحنا بنقول الأصول.. إحنا داخلين بالواجب وأكتر، وبنقول إن بنتكم غالية عندنا، وبكرة لما تروح بيتنا هتشيل اسمنا، فلازم تبقى عارفة اللي ليها واللي عليها.. والزيارة دي عربون محبة عشان لما تردوها تبقوا عارفين مقام بنتنا عندكم.” بابا رسم ابتسامة خفيفة، بس عينيه كانت حادة جداً.. قرب من التربيزة اللي عليها اللحمة والفاكهة، وبص لخطيبي وقال:
“نورت يا ابني.. ونورتوا يا جماعة. بس إحنا في بلدنا يا أم فلان، الزيارة دي اسمها ‘هدية’.. والهدية مابينطلبش قصادها تمن، ولا بيتحسب لها فاتورة.” وبعدين نادى بصوت عالي: “يا واد يا حمادة! انزل هات الرجالة بسرعة، وقول للمطعم يجهز صواني الغدا الكبيرة.. النهاردة عيد، وأهل النسيب لازم يدوقوا كرمنا قبل ما يتكلموا عن كرمهم.” حماتي اتفاجئت: “تعب إيه يا حاج، إحنا ماشيين..” بابا قاطعها بكلمة واحدة: “مايصحش.. البيت ده مابيدخلوش حد ويطلع من غير واجب، خصوصاً لو كان جاي ‘يحدد مقامات’.”
قعدنا كلنا، والتوتر كان بيقطع النفس.. بابا فضل يتكلم في الدين والأصول، وحماتي كل شوية تحاول تلمح لمصاريف الجواز والالتزامات، وبابا يسكتها بضحكة ذكية ويقول: “البيوت بتتبني بالستر يا ست الكل، مش بدفاتر الحسابات.” لحد ما الأكل وصل.. صواني أشكال وألوان، كأنها وليمة ملكية.. بابا عزم عليهم بقلب ميت، وخلى الكل ياكل، وهو باصص لخطيبي طول الوقت بنظرات خلت الواد مش عارف يبلع لقمة. بعد ما خلصوا، بابا شرب الشاي وقال ببرود قـ,ـاتل:
“الزيارة اللي جبتوها دي، مقبولة ومنصورة.. بس يا أم فلان، بنتي مالهاش تمن، والقرش اللي إحنا بنصرفه على كرامتها، أغلى من أي شبكة وأي قايمة. والزيارة اللي انتي مستنياها تترد ‘أكتر’، اعتبريها وصلت من دلوقتي بزيادة.. بس في بيتي، مابنحبش حد يملي علينا شروطه تحت مسمى الأصول.” حماتي وشها جاب ألوان، وقامت وقفت وهي بتعدل طرحتها بضيق: “ماشي يا حاج.. كتر خيرك على الغدا، وإحنا برضه لينا كلام تاني لما نهدى.” وهما خارجين، أخت خطيبي بصت لي بصه فيها وعيد، وكأن اللعبة لسه بتبدأ.
أول ما الباب اتقفل، بابا بص لي وقال: “امسحي دموعك يا بنتي.. اللي يحسب ليكي بالورقة والقلم من أول يوم، مايؤتمنش عليكي في يوم صعب.. اطلعي ارتاحي، والحديت لسه ما خلصش.” دخلت أوضتي، ومسكت الموبايل لقيت رسالة من خطيبي كاتب فيها: “أبوكي كبر الموضوع يا سمر، وأمي مش هتعدي اللي حصل النهاردة ده على خير..” وو حكايات رومانى مكرم