حكايات رومانى مكرم بصيت لمحمود وهو واقف ورا أمه زي “خيال المآتة”، وكلمة “رجعي اللي طلبته” بتتردد في وداني زي الإهانة. بابا كان واقف والشرار بيطلع من عينيه، بس ثباته كان يخوف. نادى بابا بصوت جهوري: “يا محمود! هات أمك وتعالوا اقعدوا.. الكلام ده ميتلمش في تليفونات.” جم البيت وشهم “ناشف”، وقعدوا وحماتي لسه بتبص للشنط اللي جابتها بنظرة “حسرة” كأنها دافعة فيها دم قلبها. بابا سكت شوية، وشرب بقة قهوة، وبص لحماتي وقال بنبرة هادية بس تقيلة:
“سمعت إنك عايزة ‘زيارتك’ ترجع يا ست أم محمود؟ وسمعت إن ابنك بيقول لخطيبته قلعي الدهب ورجعيه عشان يرضيكي؟” محمود لسه هيفتح بقه، بابا شاوره بإيده: “استنى يا ابني.. الكبار بيتكلموا.” بابا كمل: “الأصول اللي أنتي بتتكلمي عنها يا ست الكل، بتقول إن الزيارة دي ‘هدية’.. والهدية في شرعنا وعاداتنا مابتتردش ولا بتنطلب تمنها.. اللي يخرج من الإيد مايرجعش للعين تاني. لكن الظاهر إنكم فاهمين ‘الزيارة’ غلط.. أنتوا فاكرينها ‘عربون’ شراء، وإحنا بنتنا مش للبيع.”
حماتي ردت بحدة: “يا حاج إحنا جبنا وجبنا، والظروف صعبة، ومن حقنا نعرف مقامنا إيه!” هنا بابا ضحك ضحكة قوية هزت المكان وقام وقف: “مقامكم؟ مقامكم هو مقام ‘الضيف’ اللي أكرمناه. لكن لو على بنتي.. فبنتي غالية أوي. أنتوا جايبين كام كيلو لحمة وفراخ وشوية فاكهة وفاكرين إنكم عملتوا اللي محدش عمله؟” دخل بابا الأوضة وطلع بشنطة كبيرة، فتحها قدامهم وطلع منها “رزم” فلوس (العدية اللي كان مجهزها ليا) وقال:
“بصي يا أم محمود.. أنا كنت مجهز لبنتي في ‘طلعة العيد’ دي، زيارة تشيلها عربيات، وتغرق بيتكم خير.. كنت هودي لها خروف صاحي، وشوال دقيق، وسمنة بلدي، وفاكهة تكفي الحتة كلها.. مش عشان ‘أشرفها’ قدامكم، لأ.. عشان ده كرمي لصلب طولي، وعشان أعرفكم إن اللي هي داخلة عليه ده ‘قليل’ من اللي هي طالعة منه!” بص لمحمود وقال بكسرة عين: “لكن الراجل اللي يسمح لأمه تعاير خطيبته بلقمة، وتطلب ‘تمنها’ في أول يوم عيد.. يبقى لسه ‘ابن أمه’ ومبقاش راجل يفتح بيت.”
حماتي وشها بقى أحمر من الكسوف، وبابا كمل: “خدي حاجتك يا ست أم محمود.. مش بس اللحمة والفاكهة، خدي ‘ابنك’ كمان في إيدك.. الزيارة اللي بتنطلب تمنها، صاحبها ملوش مكان في بيوت الأحرار.” محمود وقف مخضوض: “يا حاج صلي على النبي، مش للدرجة دي!” بابا رد بصوت زي الرعد: “عليه الصلاة والسلام.. الدرجة دي وأكتر يا محمود.. اللي يخلي بنتي تحس إنها ‘حمل’ أو ‘حساب بنكي’ في أول فرحتها، ملوش عندي غير الباب.. والدهب اللي طلبتيه يا ست أم محمود؟”
بابا بص لي وقال: “قلعي يا بنتي الدهب ده.. الدهب اللي يذل صاحبته يبقى ‘نحاس’.. وأنا هلبسك دهب يغطي كتافك من مالي الحلال، والناس كلها تشهد مين اللي بيعرف الأصول ومين اللي بيعد الكيلو والجرام!” حماتي وقفت مذهولة، والكلمات وقفت في زورها.. وبابا شاور للباب بكل كبرياء: “اتفضلوا.. زيارتكم مردودة، وكرامة بنتي هي اللي باقية.” أول ما خرجوا، بابا بص لي ولقى دموعي نازلة، طبطب على كتفي وقال: “المر اللي تشربيه النهاردة يا بنتي، أحسن من العلقم اللي كنتِ هتشريه العمر كله مع واحد كلمته مش من راسه.”
وقبل ما اليوم يخلص، لقيت رسالة غريبة واصلة على موبايلي من رقم أخت خطيبي.. بس المرة دي الكلام كان مختلف خالص! حكايات رومانى مكرم خرجوا من البيت والكسرة باينة في عينيهم، وبابا قفل الباب وراهم وهو بيقول: “الباب اللي يجيلك منه ريح سدّه واستريح يا بنتي، والكرامة مابتتشريش بمال الدنيا.” قعدت في أوضتي وأنا جسمي كله بيرتعش.. مش زعل على خطيبي، لأ، زعل على الشهور اللي ضاعت مع واحد طلع في الآخر “ابن أمه” وكلمته مالهاش وزن. فجأة، موبايلي نور برسالة من أخت خطيبي، فتحتها وأنا قلبي مقبوض، لقيتها كاتبة:
“مبروك عليكي يا عروسة.. باباكي فاكر إنه كده كسب، بس صدقيني أخويا مش هيسكت، وأمي حلفت ماهتعدي اللي حصل ده بالساهل.. الزيارة اللي رجعتوها دي ‘فص ملح وداب’، وأخويا كتب بوست دلوقتي على صفحته بيلمح فيه إنكم أنتوا اللي طماعين وخدتوا ‘العيدية’ والزيارة ورفضتوا ترجعوا الأمانات.. الناس كلها بدأت تتكلم!” دمي غلي في عروقي، فتحت الفيسبوك ولقيت خطيبي كاتب كلام “سم” من غير ما يسميني، بس الكل فاهم.. كاتب عن “بيوت بتبان من بره كرم وهي من جوه دفاتر حسابات”، وأمه داخلة في التعليقات تدعي عليه وتظهر “مظلوميتها” قدام القرايب والجيران.
جريت على بابا وروريته الموبايل.. بابا بص للبوست وضحك ضحكة سخرية وقال: “الناقص دايماً بيكمل نقصه بالكلام.. سيبيهم يهوهو يا بنتي، الحقيقة زي الشمس مابتتغطاش بغربال، والناس اللي عارفة أصلنا هتعرف مين الكداب.” لكن الموضوع مكبرش بس على السوشيال ميديا.. فجأة الجرس رن بالليل، فتحت ماما ولقت “خال خطيبي” ومعاه اتنين من كبار المنطقة.. دخلوا وشهم ميتفسرش، وقعدوا مع بابا. خاله بدأ الكلام: “يا حاج، إحنا جينا نصفي النفوس.. اللي حصل في العيد ده ميصحش، والناس مابتبطلش كلام.. والولد بيقول إنه دفع مهر وشبكة، وعايز حقه تالت ومتلت دلوقتي، وإلا الموضوع هيوصل للمحاكم وقضايا!”
هنا بابا قام وقف بكل شموخ، وفتح الدرج وطلع “دفتر” كان كاتبه من أول يوم الخطوبة، فيه كل مليم اتصرف وكل حاجة دخلت البيت.. وقال بصوت زي الرعد: “المحاكم؟ ده أنا اللي مستني المحاكم بفارغ الصبر! أنتوا فاكرين إن بنتي ‘لحم رخيص’؟ ابن أختك اللي باعتكم ده، نسي إن فيه ‘قايمة’ وأجهزة أنا شاريها بمالي وضعف اللي هو جابه، ونسي إن ‘الزيارة’ اللي عايرنا بيها أنا رديتها له قدام الناس بزيادة.. وبالنسبة للمهر والشبكة، فحق بنتي في ‘العطلة’ دي وكسرة الخاطر في أيام العيد، يوزن دهبكم كله!”
وبعدين بابا بص لخال خطيبي وقال جملة خلت القعدة كلها تتكهرب: “قول لابن أختك.. لو راجل يجي يواجهني وش لوش، مش يبعت ‘مناديب’ ويهدد بالبوستات.. وأنا من النهاردة مش بس فسخت الخطوبة، أنا هرفع عليه قضية ‘تشهير’ باللي كتبه، وهخليه يدفع تمن كل دمعة نزلت من عين بنتي بسبب طمع أمه!” خاله اتصدم وقال: “يا حاج، دي بيوت مستورة، بلاش قضايا..” بابا رد: “الستر للي يصون، مش للي يخون العهد عشان كيلو لحمة.” خرجوا والوشوش “سودة”، وخطيبي بدأ يبعت رسايل اعتذار “خوفاً” من بابا والمحاكم، بس أنا كنت قفلت قلبي بالضبة والمفتاح.
وفي وسط الهيصة دي، تليفون بابا رن.. كان عمي اللي مسافر، وقاله جملة خلتنا كلنا نبرق عينينا: “يا أخويا.. أنا عرفت اللي حصل، وجبت لك ‘الرد’ اللي هيخلي الولد ده وأمه يتمنوا الأرض تنشق وتبلعهم.. أنا جاي بكره ومعايا مفاجأة تقلب الترابيزة على الكل!”
