رجعت من شغلي بدري تلات أيام ورا بعض، من غير ما أقول لحد، ولا حتى ألمّح مكنتش راجع عشان مفاجأة حلوة ولا شوق، بالعكس كان فيه إحساس تقيل جوايا بيشدني للبيت شد، إحساس ملوش تفسير. الشارع هو هو، نفس الزحمة، نفس البياعين، نفس صوت الكلاكسات، بس قلبي كان تقيل كأني راجع على حاجة مش هتعجبني حاجة هتكسرني.
وقفت قدام باب الشقة، وإيدي على المفتاح، بس ما فتحتش على طول فضلت ساكن، بسمع. مفيش صوت غير خبط معلقة خفيفة في طبق، الصوت كان بطيء، تعبان، كأن اللي بياكل بيستأذن الأكل إنه يعدي.
فتحت الباب بهدوء ودخلت المطبخ منور بنور أصفر باهت، والمشهد قدامي كان كفيل يهد جبل.
أمي قاعدة على طرف الترابيزة، ضهرها محني شوية، قدامها طبق صغير فيه رز أبيض بايت، ناشف، وعليه شوية صويا صوص أو ماجي لا خضار، لا لحمة، لا حتى نقطة زيت تلمعه. بتاكل بهدوء شديد، كأنها خايفة حد يسمعها. وعلى الناحية التانية لورا، مراتي، قاعدة مرتاحة، قدامها طبق مليان كباب حلة، اللحمة بتلمع والبخار طالع
منها، وريحة الأكل مالية المكان وهي ماسكة الموبايل، بتقلب فيه، ولا في دماغها أي حاجة.
وقفت مكاني، مش قادر أتكلم قلبي كان بيدق بعنف، بس صوتي مخنوق. لورا رفعت عينها، شافتني، اتفاجئت لحظة، وبعدها ابتسمت الابتسامة الباردة
إيه ده؟ رجعت بدري؟
هزيت راسي بس، وقعدت من غير كلمة. عيني على أمي مش قادرة تبصلي. صوت المعلقة في طبقها كان بيوجع أكتر من أي كلمة.
خلصت أمي أكلها بسرعة، قامت تغسل طبقها كأنها بتستخبى، ولورا كملت أكلها عادي جدًا، وبعد ما خلصت سابت طبقها ومشيت تقول داخلة آخد دش. كأن اللي حصل ده عادي طبيعي يومي.
أمي بدأت تلم وتغسل وتلمع الرخامة كعادتها، وأنا قاعد متجمد. ندهت عليها
يا أمي
لفت بسرعة نعم يا حبيبي؟
إنتي اتعشيتي كده؟
ابتسمت الابتسامة اللي كلها كدب وحنية آه يا ابني الحمد لله، شبعت.
بصيت للطبق وبصيت لها وفهمت. هي بتكدب عشان خاطري.
دخلت أوضتي، والليل كله ما نمتش. فتحت حساب البنك، شفت المصاريف كل حاجة وضحت. فلوس المطاعم برا زادت، والبيت مصاريفه قلت المعادلة بسيطة أكل برة لورا ورز بملح لأمي.
تاني يوم صحيت بدري، قعدت أراقب من بعيد. أمي دخلت المطبخ، بعدها لورا دخلت تقول لها
اعمليلي بيض بالبسطرمة.
من غير صباح الخير من غير كلمة حلوة كأنها بتأمر شغالة.
في اللحظة دي، القرار اتاخد.
نزلت عليهم صباح الخير.
وبصيت لأمي تعالي يا أمي عايزك.
دخلنا الصالة، سألتها بهدوء
بقالنا قد إيه على الحال ده؟
سكتت وبعدها قالت مش دايمًا يا ابني.
بس أنا فهمت مش دايمًا يعني كتير.
قلت لها وأنا عيني بتدمع قومي لمي هدومك.
اتخضت ليه؟
عشان إنتي هتمشي معايا.
في اللحظة دي، لورا ظهرت، بتقول في إيه؟
بصيت لها لأول مرة من غير حب من غير غشاوة.
في تغييرات هتحصل النهارده.
ضحكت بسخرية تغييرات إيه يعني؟
قلت بهدوء مرعب أنا وأمي ماشيين وانتي كمان، بس في طريق تاني.
وشها اتغير إنت بتهزر؟
لأ أنا بقرر.
بدأت تعلى صوتها أنا مراتك!
ومين قال إن مراتك تذل أمي؟
سكتت لحظة وبعدين قالت بتوتر هي اللي اختارت كده!
ضحكت ضحكة مرة أمي اختارت تاكل رز بايت وإنتي تاكلي لحمة؟ بجد؟
مقدرتش ترد وده كان كفاية.
خدت أمي، ونزلت بيها، وهي طول الطريق بتحاول تقنعني نرجع وأنا ساكت. وصلتها شقة صغيرة مفروشة، نظيفة، دافئة، وقلت لها
من النهارده، مفيش حد يذلك.
رجعت البيت لورا كانت قاعدة مستنية، متوترة. قلت لها بهدوء
جهزي نفسك المحامي جاي.
اتصدمت إنت هتطلقني؟ عشان الأكل؟!
بصيت في عينيها مش عشان الأكل عشان القلب اللي مات.
بدأت تعيط وتترجى تقول إنها غلطت، إنها كانت تعبانة، إنها هتتغير بس الحقيقة كانت واضحة اللي يهين مرة، يهين ألف.
خلال أسبوع، كل حاجة انتهت. الطلاق تم الحسابات اتقفلت والبيت بقى فاضي.
أما أنا بقيت بروح لأمي كل يوم. باكل معاها، نضحك، وأشوفها بتاكل وهي مرتاحة وده كان كفيل يرجعلي نفسي.
وفي يوم، وهي بتضحك وبتقولي ربنا يعوضك يا ابني، ابتسمت وقلت
أنا اتعوضت يا أمي يوم ما خرجتك من الذل.
وساعتها بس حسيت إن بيتي ما اتهدش
بيتي اتبنى من جديد.
بعد ما الأيام عدّت، والهدوء رجع لحياتي بشكل غريب، كنت فاكر إن كل حاجة خلصت إن الصفحة اتقفلت خلاص، وإن اللي حصل اتحط
ورا ضهري. بس الحقيقة إن بعض الحكايات مبتنتهيش بسهولة وخصوصًا لما يكون فيها كرامة مكسورة ووجع متراكم.
بدأت أتعوّد على الروتين الجديد كل يوم بعد الشغل أروح لأمي، أقعد معاها، ناكل سوا، نضحك على حاجات بسيطة حاجات يمكن كانت عادية زمان، بس بقت بالنسبة لي كنز. أمي بدأت ترجع لطبيعتها واحدة واحدة، وشها نور، وضحكتها بقت طالعة من قلبها مش مجاملة. حتى صوتها بقى فيه راحة مش الصوت المكسور اللي كنت بسمعه.
وفي يوم وأنا قاعد معاها، لقيتها بتبصلي كده وساكتة، وبعدين قالت
هو إنت زعلان مني يا ابني؟
اتصدمت زعلان منك ليه يا أمي؟!
قالت بهدوء عشان أنا كنت السبب إن بيتك يخرب.
ضحكت بس المرارة كانت باينة بيتي كان خربان من زمان يا أمي أنا بس كنت أعمى.
مسكت إيدي وقالت بس أنا كان لازم أتكلم.
بصيت في عينيها وقلت ولو كنتي اتكلمتي، كنتي هتقولي إيه؟ إنك بتتاكلي رز بايت؟ كنتي هتقوليها إزاي؟
سكتت وعرفت إني فهمت كل حاجة من غير ما تقول.
عدّى أسبوعين كده، وفي يوم وأنا خارج من الشغل، موبايلي رن رقم غريب. رديت، وجالي صوت مألوف بس مكسور
أنا لورا.
وقفت مكاني، قلبي مدقش ولا حتى اتوترت. بالعكس، حسيت ببرود غريب.
خير؟
قالت بصوت واطي ممكن أشوفك؟ محتاجة أتكلم معاك.
سكت شوية وبعدين قلت مفيش حاجة تتقال.
ردت بسرعة عشان خاطري آخر مرة.
وافقت مش عشانها، بس عشان أقفل الباب ده للأبد.
قابلتها في كافيه هادي دخلت لقيتها قاعدة، شكلها اتغير. مش نفس اللبس، مش نفس الثقة، حتى عينيها فيها خوف. أول ما شافتني قامت بسرعة
إزيك؟
قعدت وقلت ادخلي في الموضوع.
سكتت شوية، وبعدين قالت أنا غلطت.
بصيت لها من غير رد.
أنا مكنتش متخيلة إن الموضوع كبير كده كنت فاكرة إن عادي.
ابتسمت بسخرية عادي؟ إن أمي تتذل في بيتي؟
دموعها نزلت أنا اتعودت إني أهم حد محدش قبل كده وقفني.
وأنا أول واحد؟
هزت راسها آه وأكتر واحد خسّرته.
سكتنا لحظة وبعدين قالت أنا حاولت أعيش لوحدي مش عارفة. كل حاجة وقفت. حتى الفلوس
قاطعتها أنا قفلت كل حاجة باسمي طبيعي.
قالت بصوت مكسور أنا مش جاية عشان الفلوس أنا جاية عشان فرصة.
ضحكت ضحكة قصيرة فرصة؟ لورا، الفرص بتتاخد قبل ما الكرامة تتكسر مش بعدها.
قربت مني وقالت أنا ممكن أتغير أقسم لك.
بصيت لها بهدوء اللي ميتغيرش وهو مرتاح مش هيتغير وهو مكسور.
الكلام ده وجعها وشفت في عينيها إنها فهمت.
قامت ببطء، وقالت أنا خسرتك صح؟
وقفت أنا كمان إنتي خسرتي نفسك الأول وأنا كنت جزء من الخسارة دي.
مشيت وسايبها ورايا. المرة دي، مفيش وجع مفيش تردد. بس إحساس غريب بالراحة.
رجعت لأمي تاني يوم، وجبت معاها أكل من بره بس المرة دي، مش عشان أعوضها عشان نحتفل. قعدنا ناكل ونضحك، وأمي قالت لي
ربنا هيعوضك باللي أحسن.
ابتسمت وقلت أنا مش مستني حد أنا مرتاح كده.
وبعد شهور بدأت حياتي تمشي في طريق جديد.
شغل أفضل، نفس أهدى، وبيت صغير دافي مليان احترام يمكن مش فيه ناس كتير، بس فيه أهم حاجة راحة البال.
وفي يوم، وأنا قاعد جنب أمي بنشرب شاي، قالت لي
فاكر اليوم اللي رجعت فيه بدري؟
ضحكت أنساه إزاي؟
قالت وهي مبتسمة ده كان أصعب يوم بس كان بداية كل حاجة حلوة.
بصيت لها وفهمت إن بعض الكسرات، رغم وجعها، هي اللي بتبنينا من جديد.
ومن ساعتها، بقيت مؤمن بحاجة واحدة بس
البيت مش أكل ولا فلوس
البيت هو المكان اللي محدش فيه بيحس إنه تقيل.