ضحك ضحكة قوية رنت في القاعة يا مستر شاذلي، فكك من الكلام ده.
قام المدير المالي بتاعنا وصرخ دي شركة مساهمة وليها مجلس إدارة، مش مسموحلك تتكلم كده!
شارلز بص له بقرف يا حاج عبد الله، أنا فاكرك.. أنت اللي كنت بتقولي الشركة العائلية ليها روح.
ضحك بسخـ ـ ـرية أقولك سر؟ في وول ستريت، الروح دي مابتجيبش فلوس، الروح دي مكانها التربة! اللي بيستخدم مشاعره في الشغل، بيبقى خسران!
المدير المالي وشه احمر من الغيظ، ومقدرش ير
القاعة اتلخبطت.. أبويا ضـ ـرب بإيده على الترابيزة خلاص بقى!
شارلز سكت، بس نظرة الاستعلاء لسه في عينه، وقال ببرود
مجلس إدارتي قرر.. أسهم الشاذلي مش هتعدي السنة دي.
دلوقتي أقدر أشتريها ب 30 مليار.. لما نوقعها، مش هتاخدوا فيها حتى 10!
وكمل والأرض اللي في التجمع، احنا حاطين عيننا عليها.. والمهندسين بتوعكم.. احنا هنصفيهم واحد واحد.
الكلمتين دول كانوا كفيلة تولع القاعة.
ليّ ذراع.
نهب أصول.
تطفيش موظفين.
ده مش استحواذ.. ده بيقطعوا في لحم الشركة!
ده قمة الظلـ ـم..وفجأه نطقت اول جمله ليا من سنين وقلبت القاعه رأسا على عقب
ده قمة الظلـ ـم..
وعشان كده مش مسموحلك تمد إيدك على بيت مبني بعرق سنين.. وخصوصاً لو البيت ده صاحبه لسه فيه نفس.
صوتِي.. صوتي كان غريب عليا، خشن شوية من قلة الاستعمال، بس كان طالع قوي وواثق، رن في أركان القاعة زي جرس إنذار. القاعة سكتت.. سكون تام، حتى النفس مش مسموع.
أبويا اتجمد في مكانه، عيونه وسعت ووشه بقى شاحب، كأنه شايف عفريت. حمزة وليلى اللي كانوا لسه بيتمسخـ ـ ـروا عليا، بوقهم مفتوح وعينيهم طالعة لبره، مش مستوعبين إن الخرسة نطقت، وفوق ده كله.. نطقت بالفرنساوي وبلهجة ولاد الذوات اللي ميعرفهاش غير اللي تربى في قصور زيهم.
شارلز كينج، اللي كان قاعد واثق في نفسه، اتعدل في قعدته وبصلي بذهول، نضارته الدهب نزلت حبة على مناخيره.
مشيت ببطء، بخطوات هادية، لغاية ما وصلت لوسط القاعة. بصيت في عين شارلز مباشرة، مفيش خوف، مفيش ارتباك، فيه بس فريدة اللي الناس مش عارفاها.
قلت ببرود
مستر شارلز.. أنت جاي هنا بتهددنا بالأرقام؟ طب تعالى نلعب بالأرقام اللي بجد.
طلعت من جيبي تابلت كنت ماسكاه، ورميته قدامه على الترابيزة.
الصفحة التالتة، بند الاستثمارات غير المباشرة في أسهم شركتك اللي في نيويورك.. عارف ده معناه إيه؟
معناه إن لو مجموعة الشاذلي وقعت، أسهمك أنت هتتبخر في أول جلسة بورصة الصبح.
سكت ثانية، وابتسمت ابتسامة باردة أنت جاي تشتري غرقان، بس نسيت إن الغرقان ده ماسك في رقبتك.. ولو وقعنا، هنشدك معانا للقاع، وصدقني.. قاعنا سحيق.
القاعة كانت ميتة، بس المرة دي السكوت مش خيبة أمل.. ده كان سكوت الصدمة والذهول. أبويا كان بيحاول يستوعب، عيونه كانت متعلقة بيا كأني طوق نجاة، أو كأني لغز اتحل أخيراً.
شارلز كينج مسح العرق اللي بدأ يظهر على جبينه، وقال بصوت مهزوز أنتِ.. أنتِ مين؟
بصيت لأبويا، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، وبعدها رجعت بصيت لشارلز
أنا الخرسة اللي هتدفعك تمن الغرور ده غالي.. والاجتماع خلص، والشركة دي مش للبيع، لا النهاردة، ولا بعد مية سنة.
طلعت من القاعة وأنا سامعة ورايا دبة رجلين أبويا وهو بيقوم، يمكن بيجري ورايا، يمكن عايز يعرف هي البنت دي كانت فين كل السنين دي؟
مش فارق معايا.. اللي فارق إني رديت اعتباري، ولقبتي الحقيقي اللي كنت مخبياه، طلع في اللحظة اللي العيلة كانت محتاجة فيه ل أسد مش ل هانم.
خرجت من القاعة بخطوات واثقة، مسمعتش ورايا غير صوت كراسي بتتحرك بعنـ ـف وأصوات هامسة مذهولة.
مكنتش عايزة ألتفت، مش عشان خايفة، بس عشان اللحظة دي كانت ملكي لوحدي. أخيراً، قفص الصمت اتكسر، والوحش اللي جوه الخرسة طلع عشان ينهي اللعبة اللي بقالهم سنين بيلعبوها على قفاي.
أبويا كان ورايا على طول، خطواته سريعة ومرتبكة، لدرجة إني سمعت نفسه عالي وهو بينادي فريدة! استني يا فريدة!
وقفت في طرقة المكتب الطويلة، الحيطان هنا مليانة صور أجدادي، المؤسسين اللي بنوا الإمبراطورية دي بدمهم. التفت له، وشفت في عينيه خليط غريب من الانكسار، والفرحة، والذهول. كان بيدور على الكلمات، زي طفل تاه منه أبوه، ولما لقاه، مش عارف يعاتبه ولا يحـ ـ ـضنه.
قرب مني ووقف قدامي، مد إيده المرتعشة عشان يلمس كتفي، بس اتراجع في آخر لحظة، كأنه خايف أختفي أو أرجع أخرس تاني.
فريدة.. أنتي.. أنتي اتكلمتي؟ من امتى؟ ليه؟ صوته كان مبحوح، مليان تساؤلات سنين من السكوت المريب.
بصيت في عينيه مباشرة، لأول مرة، من غير ما أهرب بوشي أو أعمل دور البنت الهبلة. قلت بصوت هادي وعميق كنت بتعلم يا بابا.. بتعلم إزاي الغابة بتشتغل، وإزاي الذئاب بتتربص بالضعيف. كنت مستنية اللحظة اللي يفتكروني فيها أخيراً لقمة سهلة عشان أوريكم مين فينا فعلاً اللي بيحرك الخيوط.
حاول يتكلم، بس الكلمات خانته.
كملت أنا ببرود شارلز كينج مش هيمشي دلوقتي، ده لسه هيقعد يراجع الحسابات اللي رميتها في وشه، وهيتأكد إن كل حرف قلته حقيقي. والنهارده، بدل ما يشترينا، هو اللي هيترجى مجلس الإدارة عشان نفتح معاه مفاوضات شراكة بشروطنا إحنا.
سبته واقف في مكانه، زي ما سابني سنين واقفة أتفرج على خيبته. دخلت مكتبي الخاص، اللي محدش كان بيدخله غيري، وفتحت اللاب توب. الدنيا كانت بتغلي بره، الموظفين كلهم عرفوا الخبر، الوريثة اتكلمت ووقفت شارلز كينج عند حده. التليفونات مبطلتش رن، والكل عايز يفهم الحكاية، بس كان فيه حاجة واحدة أهم من كل ده.
فتحت ملف سري كنت بحضر له من شهور، ملف بيضم كل التجاوزات المالية لولاد عمي، حمزة وليلى، اللي كانوا بيحاولوا يبيعوا الشركة من ورانا لشركات تانية عشان يضمنوا لنفسهم عمولات. طول السنين اللي فاتت، مكنتش مبلمة، كنت مراقبة. كنت بسجل كل حركة، كل غلطة، وكل خـ ـيانة.
الباب خبط، دخل حمزة، وشه كان أصفر ومحتقن، وشكله بجد كان مرعوب. دخل وقفل الباب وراه، وقال بصوت مهزوز فريدة.. إيه اللي عملتيه ده؟ إحنا اتفقنا.. يعني.. قصدي.. إحنا كنا بنهزر!
بصيت له بابتسامة صفراء، زي ابتسامات المـ ـوت. بتهزروا؟ طب إيه رأيك بقى في الهزار اللي في الملف ده؟
وشورت له على الشاشة. قرب وشاف الأرقام، والأسماء، والتحويلات البنكية اللي تثبت تورطه في اختلاسات مالية وتسهيل صفقات مشبوهة.
وقفت، واتحركت ناحيته ببطء، لحد ما وقفت قدامه مباشرة. الخرسة مش بس بتعرف تتكلم يا حمزة.. الخرسة بتعرف تشوف اللي أنت مفكر إنك مخبيه في الضلمة. من النهارده، مفيش أخت كبيرة بتسمع تريقة، فيه رئيسة تنفيذية بتفصل موظفين خاينين.
خرج وهو بيجر رجله، مش قادر ينطق حرف، عارف إن كارت اللعبة بتاعه اتحـ ـرق. قعدت على كرسي المكتب، وغمضت عيني لحظة. أخيراً، بدأت أعيش حياتي الحقيقية، بعيداً عن القفص الذهبي، وبعيداً عن دور الضحيـ ـة.
دلوقتي، الكل هيعرف إن فريدة الشاذلي مش بس وريثة، دي هي اللي هتقود العاصفة، وبإيديها الاتنين.