
جبروت من رحم القهر بقلم نورهان العشري ج٢ ” أخيراً امنيتي اتحققت! ألف مبروك يا عريس، مبروك يا قلب أمك، عقبال ما أشوف عيالك من ولاء يارب.” سعد رد عليها بصوت واطي ومكتوم، وفيه نبرة ندم هزتني: “الله يبارك فيكي يا أما.. بس.. بس أنا متضايق أوي، حاسس إني كده بغدر بماجدة، وماجدة بنت حلال وقيدالي صوابعها العشرة شمع، وعمرها ما قصرت معايا في حاجة، دي حطت كل قرش من معاش أبوها في إيدي و معزتش عليا حاجة.. لو عرفت هتتقهر
حماتي صرخت فيه بنبرة كلها غل وقساوة وقالتله: ” تتقهر دا أيه؟ دا احنا اللي فكينا عنسها، و جوزنهالك بعد ما أخوك مات، دانا محسورة لحد دلوقتي قال تتقهر قال! مش كفاية من همه اتجوز واحدة قد أمه! و بعدين فلوسها دي تعويض عن سنين عمرك اللي راحت معاها. فوق لنفسك كدا أنا عايزة أفرح بيك زي بقية الناس، وأجوزك اللي تليق بيك وبعلامك.. ولاء دي زينة العرايس، حلوة، ومتعلمة، وأصغر منك بـ 7 سنين، يعني لما تمشي جنبها ترفع راسك، مش زي العجوزة التانية اللي جار عليها الزمن.”
سعد سكت شوية وقال بتردد: “يا أما بس ماجدة وقفت معايا، والفلوس اللي جيبنا بيها العربية وشطبنا بيها الشقة دي فلوسها وفلوس أبوها لولاها مكنش زماني عرفت اعمل كل ده.” حماتي ردت بصوت كفحيح أفاعي:
“فلوس إيه يا واد يا خايب! دا حقك وحق عيالك، وهي لولا إنها عارفة إنك كتير عليها مكنتش رمت فلوسها تحت رجليك! وبعدين ما إنت طلقتها رسمي خلاص، يعني متبكيش على الأطلال.. أنا هفرشلك بيتك الجديد ده بمزاجي وبأحلى فرش و من حظنا أن في زيادات على المعاشات. نفسي افرح المرة دي. مش كفاية من وقت ما اتجوزت الحرباية دي أنا مفرحتش. غمتني من يوم ما دخلت بيتي، وكانت دايماً كاسرة عيني بإنها متعلمة وأبوها رتبة..
أهو جه اليوم اللي ن.ك.سر فيه مناخيرها ونعرفها مقامها، وتعيش هنا خدامة تحت رجلك ورجل عروستك الجديدة عشان تربي عيالها، والقرشين اللي بيجوا تاخدهم منها أول بأول لحد ما نشتري الأرض، وساعتها ارميها رمية الكلاب ومحدش هيلومك، دي غريبة عنك قدام القانون يا مغفل!” سعد اتنهد بصوت عالي وقال: “معاكي حق يا أما.. الزمان ده عايز كده، وولاء فعلاً تستاهل، وأنا هعرف أسايس ماجدة وأكل بعقلها حلاوة لحد ما كل حاجة تبقا باسمي.” أنا كنت واقفة ورا الباب، الدموع جفت في عيني جسمي كله كان بيرعش من الصدمة، بس الرعشة دي مكنتش ضعف، دي كانت نيران بتو.لع في قلبي..
بصيت للتليفون اللي سجل كل كلمة، كل غدر، وكل خطة قذرة دبروها ليا سعد جوزي اللي كنت بمو.ت فيه و أبو ولادي بايعني بدم بارد، وحماتي اللي أكلت معاها في طبق واحد بتخطط ترميني رمية الكلاب.. قفلت التسجيل وبصيت لباب الشقة وعقلي شغال زي الآلة. وقولت في سري: “بقيت غريبة عنك قدام القانون يا سعد؟ والورقة العرفي ملهاش لزمة؟ طب وحياة دموعي وقهرتي، لأخلي القانون ده يفرمك إنت وأمك، والمعاش اللي عيونكم طلعت عليه، هيبقا الحبل اللي هيتلف حوالين رقابكم.. واللعبة أنتوا اللي بدأتوها و البادي أظلم!”
دخلت شقتي وأنا حاسة إن فيه جمر نار قايد في صدري، بس مسكت نفسي، ورسمت على وشي نفس الضحكة اللي كلها طيبة و هبل اللي كانوا متعود عليها مني. دخل عليا الصالة و قعد جنبي وبكل هدوء وبرود قولت: “بقولك إيه يا سعد يا حبيبي.. أنا كنت قاعدة مع نفسي كده بفكر في اللي حصل لأم هند جارتنا اللي في الشارع اللي ورا.” سعد بصلي وقال: “كلام إيه يا ماجدة؟” قولت بنعومة:
“احنا حساباتنا عايمة يا سعد، والزمان غدار يا حبيبي، وإحنا مطلقين على الورق قدام الحكومة، يعني لو جرالك حاجة ولا جرالي حاجة، العيال ممكن يبهدل مع العيلة، و أنت عارف اخواتك و جوازاتهم صعبين ازاي. لا ياكلوا العيال احنا عيالنا لسه قطط، فأنا فكرت إيه رأيك نكتب العربية والشقة اللي فوق باسم الولاد؟ وأنا هبقى الوصية عليهم، عشان نأمن مصلحتهم ومحدش يقدر يطمع في حقهم بعدين” سعد بصلي بشك لكن أنا كنت راسمة الطيبة اللي هو واخدها عني، فلقيته بيقولي :
” أمي عمرها ما تسيب ولادي يتبهدلوا ياماجدة دي روحها فيهم… قولتله بلهفة: ” حماتي دي غلبانه تروح فين فيهم؟ و دا تعبك و شقاك أنت اللي بنيت البيت و انت اللي كبرت المحل و سددت ورث اخواتك بزيادة و بردو معجبهمش. تفتكر لو لا قدر الله جرالنا حاجة هيعملوا ايه في عيالنا؟ حسيت انه اقتنع بس مش اوي فقولت اض.رب على الحديد وهو سخن روحت قايلة بمكر:
” عموما براحتك. بس أنا لازم أامن مستقبل ولادي، و من هنا ورايح هقبض أنا المعاش وهدخل بيه جمعية، واللي هقبضه هعمل بيه دفتر توفير لكل عيل منهم، و كمان في قرشين حلوين جايين في السكة من أرض بابا الله يرحمه، لما ييجوا هشتري بيهم حتة الأرض واكتبها باسمهم. أه اهي العيال لو اطردوا في يوم من هنا يلاقوا حاجة يتسندوا عليها.. سعد أول ما سمع سيرة الأرض والفلوس اللي هتجيلي”، عينه لمعت بالطمع وفكر إنهم كده هيسبكوا اللعبة أكتر ويسحبوا مني باقي ورثي.
لقيته قرب مني ومسك إيدي وباسها وقال: “يااااه يا ماجدة! طول عمرك جدعة وبتفكري في مصلحتنا، بكره الصبح نروح عند المحامي ونعمل عقود التنازل للعيال وتكوني إنتي الوصية عليهم يا ستي، والقرشين اللي جايين دول تسبيهملي بقى أنا هشتريلك حتة أرض إنما ايه في أحسن مكان في البلد أنا عيني عليها من زمان.. ضحكت في سري ازاي أن الطمع بيعمي الإنسان للدرجادي حكايات نورهان العشري
تاني يوم، نفذنا كل حاجة.. سعد كتب الشقة والعربية باسم العيال وبقيت أنا الواصية عليهم قانونًا و المسؤولة عن كل حاجة. وفي نفس اليوم، بعد ما رجعوا هما البيت وناموا في العسل، أخدت أختي مروة ورحت لمحامي كبير في المحافظة التانية، محامي ملوش علاقة بالبلد عندنا. دخلت مكتب المحامي، حطيت ورقة الطلاق الرسمي، والورقة العرفي، وشغلت كارت الميموري اللي عليه تسجيل صوت سعد وأمه وهما بيخططوا وبيعترفوا إن الطلاق صوري وعشان ياخدوا المعاش ويرموني. المحامي أول ما سمع التسجيل، سقف بإيديه وقال:
“يخرب بيت غبائهم! دول قدمولك رقبتهم على طبق من دهب يا مدام ماجدة! دا تزوير واستيلاء على أموال عامة اللي هي أموال الدولة، والتسجيل ده مع الورقة العرفي يوديهم في داهية.” بصيت للمحامي وقولت: “أنا مش عايزاهم يروحوا في داهية بس.. أنا عايزة أعلمهم الأدب.. قولي هنعمل إيه؟” المحامي قال:
“إحنا هنمشي في سكتين في نفس الوقت.. هتقدم بلاغ رسمي في النيابة الإدارية والتأمينات بإن الطلاق صوري ومعانا الإثبات، وبكده الدولة هتطالب سعد برد كل مليم خده من المعاش السنة اللي فاتت دي فوراً وإلا السجن.. وفي نفس الوقت، هنرفع قضية تبديد منقولات وجنحة عدم تسليم منقولات الزوجية بما إنكم مطلقين رسمي بقالكم سنة ومن حقك تاخدي حاجتك بقوة القانون!” وقفت وقولتله: “امشي في الإجراءات يا متر، مرت الأيام، وأنا عايشة معاهم في البيت كأني مش عارفة حاجة.. حماتي تنزل تقولي
“يا ست الستات” أقولها “تسلمي يا أمي” وأنا من جوايا ببص لها وبقول: “اصبري عاللي هتشوفيه مني هعرفك اني ست الستات صح” وسعد نازل حب وحنية، ويومياً كان يروح يوضب في شقته الجديدة مع عروسته اللي جاب شبكتها ومهرها من الفلوس اللي كان محوشها من المعاش بتاع أبويا لحد ما جه يوم الفرح وكتب الكتاب.. سعد صحي الصبح لابس البدلة، ومطلع حجة إنه رايح مشوار تبع الشغل مع أمه وهيغيبوا يومين. حماتي جاتلي وهي لابسة العباية الجديدة وبتقولي بلؤم:
“خلي بالك من الولاد يا ماجدة يا بنتي، سعد رايح مشوار مهم د هيقضي مصلحة ومنه يوصلني عند الحاجة تهاني أختي.” قولتلها بابتسامة عريضة: “تروحوا وتيجوا بالسلامة يا غاليين.. طريق السلامة.” أول ما قفلوا باب الشقة ونزلوا، لبست أحلى طقم عندي، وكلمت مروة أختي وقولتلها: “أنا جيالك دلوقتي. المحامي كلمني بلغني أن التنفيذ النهاردة