
قيدٌ من جمر بقلم نورهان العشري ج١ ـ أوقف المهزلة دي فورًا. مفيش حد هيتجوز هنا.. هكذا صرخ زياد النعماني بصوت اهتزت له جدران المكان، و عينيه تطلقان أعيرة نـ,ـارية بدلًا عن النظرات، وهو يرى فريدة حبيبته، و طليقته تجلس على طاولة واحدة مع ذلك الرجل عمرو، الذي ينتظر عقد قرانه عليها، تلك الجملة التي وقعت على قلبه كالجمر حالما أخبره الرجل المُكلف بحراستها، ليهرول إليها كالمجنون ليمنع حدوث تلك الكارثة، لتنهض فريدة من مكانها وهي تناظره بغضب لا يقل عن غضبه مما جعلها تهتف بحدة:
ـ أنت ايه اللي جابك هنا؟ صاح زياد بصوتٍ جهوري: ـ جاي اهد الدنيا فوق دماغك… هب عمرو من مكانه، وهو يصيح بانفعال: ـ أنت ازاي تسمح لنفسك تكلمها كدا؟ غلت الدماء في عروقه زياد، و أحـ,ـرقه جمر الغيرة ليندفع تجاهه وهو يزأر بوحشية: ـ دي مراتي يا روح أمك… ما أن انهي جملته حتى هتفت فريدة في وجهه بانفعال لا يخلو من الألم: حكايات نورهان العشري ـ كنت… كنت مراتك و طلقتني خلاص… ـ كفاية كدا بقى. ادخلي يا فريدة جوا…
هكذا صاحت فردوس والدة فريدة، ثم التفتت ناظره إلى زياد وهي تقول بعتب قاس: ـ خير يا زياد؟ فريدة كانت مراتك و أنت طلقتها و شوفت حياتك. عايز منها ايه؟ هي كمان من حقها تشوف حياتها…
احتدت نظراته، و برزت عروق رقبته بقوة من فرط الغضب ليكز على أسنانه بغيظ، وعينيه تتفرقان ما بينهم وبين باب الغرفة ليلتفت الى الحرس خلفه وهو يشير إليهم بعينيه قبل أن يتجاهل الجميع، و يندفع إلى غرفتها ثم اغلق الباب خلفه، ليجد فريدة ترتمي باكية فوق مخدعها، ففزعت حين رأت ذلك الوحش الضخم يقف خلفها بملامحه الغاضبة و عينيه الملتهبة، وصدره الذي كان يعلو و يهبط بقوة، مما جعلها تهب من مكانها، وهي تتراجع إلى الخلف، لتصرخ في وجهه من بين عبراتها الغزيرة:
ـ أنت ايه اللي دخلك أوضتي؟ اخرج بره. تجاهل حديثها و أخذ يقترب منها بخطوات سُلحفية، وهو يهتف بحروف أحـ,ـرقتها نيـ,ـران غيرته الهوجاء: ـ بقى عايزة تتجوزي راجل غيري يا فريدة! ترى مقدار الجحيم المنبعث من نظراته، وتعرف كم هو يغار بجنون، لذا أرادت إحراقه أكثر كما أحرقها في السابق فصاحت بتشفي: ـ أيوا هتجوز غيرك، وهنام في فرشته الليلة كمان… كلماتها أخرجت الوحش الكامن بداخله فانفلتت الأمور عن سيطرته، ليقوم بحمل أحد المقاعد وإلقائها فوق طاولة الزينة وهو يصرخ كمن طاله مسٍ من الجنون:حكايات نورهان العشري
ـ اخرسي.. تناثرت الأشياء هنا وهناك، ومن فرط قوة إلقائه للمقعد، سقطت حقيبة ملابسها، و تناثرت أشيائها الخاصة، لتتوقف عيني زياد على اغراضها الخاصة، والملابس النسائية الخاصة بالعرائس، فبرقت عينيه وعقله يكاد يُجن وهو يتخيل أنها سوف ترتدي هذه الأشياء لرجلٍ غيره، ليندفع تجاهها و يجذبها من خصلات شعرها ليقرب وجهها من وجهه، وهو يقول بهسيس مرعب: ـ دي العروسة جهزت نفسها كمان! أنتِ جايبة الحاجات دي لمين؟ انطقي…. صرخ في وجهها، فأخذ جسدها يرتجف ذُعرًا بين يديه، لكنها قاومته بضراوة، فأخذت تضـ,ـربه على صدره، وهي تصرخ بألم:
ـ اوعى ايدك، سيبني. اجيب اللي أجيبه ملكش دعوه بيا… دفعها إلى الحائط خلفها، وهو يكبل كلتا يديها بيد، وبالآخرى أمسك بها وجهها لتكون على مقربة كبيرة منه، لينظر إلى داخل عينيها بقهرٍ لم تخطيء في فهمه، و من ثم عاتبها بقسوة: ـ جايبة الحاجات دي لعريس الغبرة اللي بره؟ فكراني هسيبك تكوني لراجل تاني غيري؟ دانا هقـ,ـتلك و أشرب من دمك، ولا أن راجل غيري يلمح شعرة منك.. سامعه؟ كانت ضلوعها تتفتت بداخلها من شدة الألم الذي شاب نبرتها حين قالت:
ـ وانا مشربتش من دمك ليه لما روحت اتجوزت أرملة أخوك الحرباية عليا؟ مشربتش من دـ,ـمك ليه لما صدقت كلامها هي و أمك و طلقتني؟ ليك عين تعاتبني؟ زياد بانفعال: ـ طلقتك عشان عمايلك السودا… جه جنونها من تصديقه لكذبهم، فحررت يدها من قبضته، وقامت بدفعه في صدره وهي تصرخ بقهر: ـ ولما أنا عمايلي سودا جايلي ليه؟ مش عايزني اشوف حياتي زي ما أنت شوفت حياتك ليه؟ هتف بوحشية: ـ ملكيش حياة مع غيري….
فريدة بانفعال:حكايات نورهان العشري ـ يا بجاحتك. قد كدا أنت أناني؟ طيب أيه رأيك بقى والله لهتجوز، و المأذون اللي بره دا هيكتب كتابي النهاردة، ووريني هتعمل أيه؟ كور زياد قبضته بغضب، وهو يطالعها لثوان، قبل أن يقول بهسيس مُخيف: ـ وأنا مش هوقع يمينك… ناظرته بشك ليتراجع عنها إلى الباب الذي على الناحية الآخرى منه كانت فردوس تصرخ في الحرس الذين كانوا يقفون كحدًا منيع أمامها: ـ اوعى يا حيوان منك له. خلوني ادخل اوضة بنتي.
صرخ عمرو من خلفها بانفعال: ـ شايفة اللي بيحصل يا عمتي؟ لما اخلص عليه دلوقتي؟؟حكايات نورهان العشري في هذه الأثناء خرج زياد من الغرفة لتهتف فيروز بغضب: ـ كدا بردو يا زياد؟ هي دي وصية عمك الله يرحمه ليك على بنته الوحيدة؟ تبهدل فريدة و تطلقها، و جاي بعد كدا تخرب حياتها.. زياد بنبرة مُتجهمة: ـ وانا هنفذ وصية عمي الله يرحمه، و هرد فريدة لعصمتي من تاني، و المأذون موجود هيكتب كتابنا…
اتسعت حدقتا فريدة صدمةً وذهولاً، واستحالت ملامحها المستكينة إلى بركانٍ من الرفض العارم، لتخطو نحو الباب بخطواتٍ متثاقلة أثقلها القهر، و هدر صوتها المخنوق بالعبرات مُعترضًا في هستيريا: ـ ترد مين! أنت اتجننت؟! على جـ,ـثتي أني أرجعلك تاني. أرجعلك بعد ما طلقتني وصدقت فيا العيبة؟ أرجعلك بعد ما كسرتني ورمتني، بعد ما اتجوزت عليا أرملة أخوك الحرباية؟ استحالة هرجعلك أنت سامع استحالة اقترب زياد منها بثباتٍ مخيف، وعيناه تسكبان الغضب فوق ملامحها يرمقها بنظراتٍ تحمل مزيجًا مركبًا من الملكية المطلقة والشغف المفترس، ثم التفت بخطواتٍ حاسمة نحو فردوس، ليقول بنبرةٍ هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، نبرةٍ تجمد الدـ,ـماء في العروق:
ـ مشي ابن أخوكي من هنا يا مرات عمي.. مشيه بالحسنى أحسن ورب العزة هدفـ,ـنه مكانه، ومحدش هيقدر يمنعني.. فريدة ليا، وعمرها ما كانت ولا هتكون لغيري، وكفاية لحد كده. ثار عمرو محاولاً الاندفاع نحوه وهو يصيح بتهور: ـ أنت تطلع مين عشان تهددني في بيت عمتي؟! أنا مش هسيب فريدة ليك يا زياد حتى لو.. إشارة صامتة وقاطعة من يد زياد جعلت حراسه يتكاتلون كالجدار الفولاذي، يحاصرون عمرو ويمنعونه من التقدم خطوة واحدة، ليظل يصارعهم دون جدوى.
في تلك اللحظة، لمعت في عيني فردوس شرارة غامضة، دافعها طوفان من المرارة والرغبة الشديدة في الانتقام.. و زياد هو السـ,ـلاح القـ,ـاتل الذي سيتكفل برد الصاع صاعين لكن ظلموها في الماضي و ظلموا ابنتها اليوم. كانت تعلم أن عودة فريدة لزياد كرأس مرفوعة ستكون بداية النهاية التي ستكسر كبرياء فاطمة وتضرم النيران في قلب بيت النعماني اقتربت فردوس من فريدة، وجذبتها برفق من ذراعها داخل الغرفة، لتهتف فريدة بألم: ـ أنتِ ساكتة ليه يا أمي؟! قولي له يخرج بره! مش عايزة أشوف وشه..
قبضت فردوس على يدي ابنتها بقوة، ونظرت في عينيها وهي تقول بنبرةٍ حادة ملؤها الإصرار والدهاء: ـ اسمعيني كويس يا فريدة، وافهمي أنا بفكر في ايه! رجوعك لزياد مش ضعف منك ولا تقليل من كبريائك دا أقوى انتقام تقدري تاخديه لنفسك ول كرامتك! أن زياد بيجي ويعمل اللي عمله دي كبيرة أوي، و فرصة متتعوصش عشان تعلميهم الأدب، لو كانت نرمين دي فرقتله مكنش بص في وشك. زياد بيحبك، و زياد دا كبير النعمانية، ولا نسيتي الهنا اللي كان معيشك فيه؟ وحبه اللي كان مغرقك
فريدة بقهر: ـ لا منستش. بس في الآخر سمع كلامهم وصدقهم و اتجوز نرمين، و طلقني. فردوس بتقريع: ـ طلقك عشان هبلة سبتيهم يلعبوا بيكِ الكورة، و يلبسوكي العمة صح، وأنتِ زي الغبية وقعتي في الفخ اللي نصبوهولك. لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت، وانا معاكي، و هاخد حقي وحقك من عنيهم.. ارتجفت شفاة فريدة، والدموع تتساقط كاللؤلؤ على وجنتيها المشتعلتين، لتهتف بنبرةٍ يمزقها الوجع: ـ قلبي مش هيسامحه أبدًا على اللي عمله ياماما. زياد كسرني.