
احتوت فردوس وجه ابنتها بين كفيها، وقالت بنبرةٍ دافئة لكنها مشحونة بالتحدي: ـ قلبك هيرتاح لما تشوفي اللي ظلموكي بيبكوا بدل الدموع دم. زياد بيحبك ومجنون بيكي، وغيرته دي أكبر دليل إنه ما قدرش ينساكي ولا يملأ عينيه غيرك.. ارجعيله يا فريدة، وهو هيداوي الجـ,ـرح اللي اتسبب فيه أنا واثقة. فريدة بألم: ـ بس يا ماما.. قاطعتها فيروز بقوة: ـ من غير بس. أنتِ هترجعي وأنتِ قوية. راجعة بعد ما هو جري وراكي وهد الدنيا عشان يرجعك ودا هيخليكِ تدوسي على كل اللي داس عليكي، وهتخلي زياد نفسه يدفع ثمن كل لحظة شك فيها فيكي!
صمتت فريدة، وصوت أنفاسها المتهدجة يملأ أركان المكان، بين نار كبريائها الجريح، ونار الانتقام التي أضرمتها والدتها في صدرها، بينما كان زياد يقف على مقربة منهما، يرقبها بنظراتٍ ثاقبة كنسرٍ ينتظر لحظة انقضاضه الأخيرة ليحسم الأمر.
ساد الصمت أرجاء الصالة بعد انسحاب عمرو مجبرًا تحت وطأة حرس زياد، لتتحول الساحة إلى معركةٍ صامتة أبطالها كبرياءٍ شامخ وعشقٍ ضاري. ليخيم على المكان صمتٍ خانق للجميع، جلس زياد قبالة المأذون، وعيناه لا تزيغان عن الباب المغلق على فريدة. كان يمسك بالقلم بقبضةٍ قوية كأنما يقبض على جمر الهوى قلمٌ لم يكن يخط أسماءً وحسب، بل كان يسترّد به روحه المسلوبة، ويغرس خنجر ملكيته في قلب كل من تجرأ على التفكير فيها. بينما كانت عيناه تلمعان بشررٍ متناقض فيهما لهيب عشقٍ يذوب بكل إنش بها وحنق رجلٍ أوشكت أنفاسه على الاختناق حين تخيلها لغيره.
حين نطق المأذون كلماته الشهيرة. تنفس الصعداء في زفيرٍ حار كأنما أزاح جبلًا عن صدره، واكتملت الجـ,ـريمة المشـ,ـروعة بأمر العشق وعادت فريدة النعماني إلى حوزته رسميًا، زوجةً وأميرةً وملكًا حصريًا لا يشاركه فيه إنس ولا جان. ليأمر الحرس بتوصيل المأذون، ثم توجه بأمرٍ من قلبه ليخطو نحو الغرفة، ولكن فردوس اعترضت طريقه، وهي تنظر في عينيه بصلابةٍ مشوبة بتحدٍ حاسم، وقالت بصوتٍ واثق لا يقبل الفصال: ـ رجلي على رجل بتي يا زياد. مش هسيبها لأمك ولا لمراتك الحرباية تاني لوحدها، وأظن البيت الكبير كلنا لينا حق فيه، يعني مش هقعد ضيفة عند حد
سكنت ملامح زياد المتجهمة لثوانٍ، واستقرت نظراته على عينَي فردوس. ثم أومأ برأسه في هدوءٍ يكتنفه الغموض، وقال بصوتٍ رخيم بثبات: ـ موافق يا مرات عمي.. البيت بيتكم، لكن خلي بالك أن جو الحروب والمؤامرات بتاع زمان مش هسمح بيه يحصل تاني فردوس بمكر: ـ أوامرك يا جوز بنتي..
دفَع باب الغرفة ببطءٍ مهيب، ليلتقط مشهد حبيبته وهي تقف بجانب الطاولة، ترتب أفكارها ودموعها، وحينما شعرت به التفتت إليه كالمهرة الثائرة يلفها كبرياءٌ جريح وجمالٌ يسـ,ـرق العقول بعينين يحيط بهم كحلًا فاحمًا يحرس سواد عينيها الذي يقطر تحديًا، فدنا منها بخطواتٍ موزونة تحاكي خطوات الفهد وهو يحاصر فريسته الأحب إلى قلبه، يلتهم تفاصيلها بنظراتٍ تجتمع فيها الغيرة الهوجاء بالشغف المحتـ,ـرق. لتحين منه نظرة إلى تلك الملابس النسائية التي تناثرت على الأرض، ثم ابتسم ابتسامةً عابثة، تحمل بين طياتها تهكمًا حادًا ونبرة تملّك تذيب الصخر، ليقول بنبرةٍ خفيضة ملؤها الخبث والولَه:
ـ جهزي شنطتك يا عروسة.. ومتنسيش تجيبي الحاجات الحلوة دي معاكي، الليلة دخلتك! برقت عينا فريدة بلهيبٍ استعرت فيه النيران، واستجمعت كل ما في روحها من عزة وشموخ. لم تتراجع خطوة واحدة، بل تقدمت نحوه حتى أوشكت أنفاسها المشتعلة أن تلفح صدره العريض، ورفعت سبابتها في وجهه، لتصيح بصوتٍ كالرعد، يقطر كبرياءً وشموخًا يأبى الانكسار: ـ بعينك يا ابن عمي تلمس شعرة واحدة مني! مش فريدة النعماني اللي يتعمل معاها كدا ولا اللي تتاخد غصب.. لو فاكر إنك عشان رجعتني لعصمتك غصب هتقدر تطولني، تبقى بتحلم، و خلي بالك رجوعي ليك دا بداية الحرب!
ارتسمت على شفتي زياد ابتسامةٌ عريضة أشد خطورة؛ ابتسامة عاشقٍ يعشـ,ـق جموح مهرته الصعبة، يعرف تمامًا أن الطريق إلى قلبها معبأ بالنار، لكنه مستعدٌ لخوض الجحيم ألف مرة كي يظفر بابتسامة واحدة منها. ـ مفتكرش أني ولا مرة خدتك غصب يا بنت عمي، و إن كان عالحرب، فأنا عندي استعداد أقوم مليون حـ,ـرب، لح د ما اوصل للي أنا عايزه، دانا زياد النعماني. تراجع عنها وهو يقول بنبرة خشنة: ـ جهزي نفسك راجعين البيت الكبير دلوقتي..
