منوعات

قيد من جـ,ـمر بقلم نورهان العشري ج٢

دلف زياد إلى البهو العتيق كالموج الهادر، يتبعه فريدة بخطواتها المتهادية كالمهرة الأبية، وفردوس التي تتأبط كبرياء ابنتها كدرعٍ من فولاذ. وقد كان هناك صمتٍ ثقيل يخيّم على جنبات البيت الكبير، صمتٌ يشبه الهنيهة التي تسبق انفجار الصاعقة. وعلى المقاعد الجلدية الفاخرة، كانت تجلس فاطمة بكامل هيبتها المتسلطة، وبجوارها “نيرمين” زوجة زياد الحالية وأرملة أخيه المتوفى التي كانت تلتف برداء المسكنة المصنوع بعناية. ما إن وقعت عيونهم على هذا الثنائي، حتى تجمدت أجسادهما. سكنت الحركة في البهو، وشخصت الأبصار في ذهولٍ صامت نظراتُ صدمة حارقة حاولتا جاهديْن مواراتها خلف أقنعة الهدوء لكن اضطراب الأنفاس وجحوظ الأعين اوشى بهم

وقفت نيرمين ببطء، وهي تحاول ابتلاع غصتها، وتصنّعت نبرة شائكة تتوشح بالهدوء المزيف، موجهة حديثها لزياد بصوتٍ يرتجف رغماً عنها: ـ ايه اللي جايب فريدة و مرات عمي معاك يا زياد! مش الموضوع دا اتقفل خلاص؟ رمقها زياد بنظرةٍ باردة كالجليد وعيناه الشهلاوان تفيضان بقسوةٍ هددت بتهشيم كل ما حوله، ثم قال بنبرةٍ خفيضة، لكنها شقت صمت القصر كحد السيف: ـ أنا رجعت فريدة لعصمتي النهاردة، و جبتها عشان تعيش في بيتنا.

سقطت الكلمات كقطعٍ من الجـ,ـمر المغلي فوق رؤوسهن. انتفضت فاطمة من مضجعها كأنما لدغتها أفعى، وانحل قناع الدهاء لتظهر الصدمةعلى ملامحها ، ولطمت على صدرها وهي تصيح بنبرةٍ يختنق فيها الغضب: ـ إيه اللي بتقوله دا يا زياد؟! ردتها لعصمتك! بعد كل اللي عملته فينا؟! بعد ما شوفت عمايلها السودا بعينك بترجعها لعصمتك تاني؟! نسيت عملت أيه في أمك؟!

في تلك اللحظة، انهار تماسك نيرمين الصوري، واشتعل في صدرها غلٌ حارق، غلّ امرأةٍ استنزفت كل مكائدها لتستحوذ على زياد بعد رحيل أخيه، لتجد نفسها تُدهس في لحظة تحت أقدام غريمتها الأزليّة. تقدمت بخطواتٍ متثاقلة، وعيناها تفيضان بالدموع المزيفة التي أتقنت ذرفها، لتهتف بنبرة يمزقها التمسكن والانكسار المُصنع: ـ كدا يا زياد؟ هان عليك وجعي؟ هان عليك كل اللي عملته فيا وعشان تخليك تطلقني. تروح ترجعها لعصمتك تاني.. بعد ما كسرت قلبي وهانت كرامتي؟! و كانت عايزة تأذيني؟

كان زياد يغلي داخلياً، مشتتاً بين عشـ,ـقٍ كالنـ,ـار يلتهم أحشاءه لفريدة، وغيرته الهوجاء التي تأكل الأخضر واليابس، وبين حنقه من هذا المشهد. لكن قبل أن ينطق بكلمة، خطت فريدة للأمام ترمق نيرمين بنظرةٍ تحتقر طيبتها الزائفة ثم ارتسمت على شفتيها الكرزيتين ابتسامةٌ تهكمية لاذعة، تقطر سمًا وشـ,ـماتةً أحـ,ـرقت قلب نيرمين، وقالت بصوتٍ رخيم، ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر:

ـ والله يا نيرمين يا حبيبتي أنا قولتله نفس الكلام بالظبط! قولتله إزاي ترجعني بعد كل عمايلي السودا اللي ألفتوها عليا؟ بس هنعمل إيه بقى؟ الحب و عمايله! أصل شكلك كدا مش مالية مركزك وهو يا حرام مش عارف يعيش من غيري، لدرجة أنه جه وانا بكتب كتابي و بهدل الدنيا، و حلف مكونش لحد تاني غيره. صح يا زياد؟ قالت جملتها وهي تمسك بذراعه بطريقة حميمية جعلت الدماء تهدر في عروقه، ليعض على شفتيه متوعدًا قبل أن يقول بنبرة خشنة:

ـ اسبقيني على فوق.. فريدة ببراءة: ـ حاضر.. اشتعلت فاطمة من شدة الغيظ، واستحالت دواخلها إلى جمرٍ يتقاد، لتصرخ في فريدة بصوتٍ جش: ـ استني عندك ياللي عايزة قطع لسانك أنتِ! بقى ليكي عين تتكلمي وتتبجحي في بيتي؟! والله ما أنتِ بايتة فيها الليلة لو على رقبتي! هبت فردوس ورفعت سبابتها بوجه فاطمة وهي تزأر بحدة: ـ قطع لسان اللي يغلط في بتي! البيت دا بيت النعمانية، وبنتي بنت العيلة دي و ست القصر دا غصب عنك وعن اللي جنبك دي! وأعلى ما في خيلك اركبيه يا فاطمة، حق بنتي هجيبه من عيونكم كلكم! فريدة مبقتش لوحدها.

اختلطت الأصوات، وتصاعدت حدة الصراخ بين النساء، وتحول البهو إلى ساحة حربٍ تغلي بالحقد والغـ,ـل والإهـ,ـانة. هنا، خرج الوحش الكامن في صدر زياد عن السيطرة. برزت عروق رقبته بغلظة، واستحالت عيناه إلى كتلتين من اللهب الصافي، ليصرخ بصوتٍ جهوري مرعب، كالرعد الذي شق السماء، اخرس الجميع: ـ بس! ولا كلمة! مش عايز اسمع صوت أي واحدة! ثم التفت إلى فاطمة والدته قائلًا بنبرة صارمة لا تقبل الجدال: ـ فريدة مراتي، و دا بيتها، و الموضوع دا انتهى الكلام فيه

استدار ببطء نحو فريدة، وكانت نظراته النارية تلتهمها بشغفٍ ممسوس وغضبٍ مكتوم، تحدٍ يتأجج بين عـ,ـاشقٍ متمرد ومهرةٍ تأبى الخضوع، ليعلم الجميع أن البيت الكبير قد دخل للتو في جحـ,ـيمٍ جديد. ★★★★★★★★ صعدت فريدة درجات السلم بخطواتٍ متثاقلة، تتبعها نظرات زياد التي كانت تثقب ظهرها كشعاعٍ من نـ,ـار. كان الهوى بينهما عبئًا ثقيلًا، نسيجًا معقدًا من عشقٍ يخنق الأنفاس، وغيرةٍ تأكل القلوب، وكبرياءٍ جريح يأبى أن ينحني. ما إن وطئت أقدامهما أعتاب الغرفة حتى أغلق زياد الباب خلفهما، ودار القفل بصوتٍ حاسمٍ أعلن انقطاعهما عن العالم الخارجي، وبداية معركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركة صامتة تُخاض بالأعين وتُحسم بالأنفاس.

التفتت فريدة إليه سريعةً، وقد تحفزت كل ذرة في جسدها للدفاع، وعيناها تلمعان بتحدٍ كحلي ثائر. رمقته بنظرةٍ شائكة وقالت بنبرةٍ يملؤها السخط: ـ أظن المسرحية اللي اتعملت تحت خلصت خلاص.. جاي ورايا ليه؟ و مين سمحلك تقفل علينا الباب بالمفتاح؟ ولا فاكر عشان سكتهم تحت هتيجي تكسرني هنا؟ خطى زياد نحوها ببطءٍ مهيب، كفهدٍ يتربص بصيده الأحب إلى روحه. لم يكن يرى فيها مجرد امرأة عاد إليها، بل كانت جرحه النازف وعشقه الأبدي، سر عذابه وسبب جنونه. اقترب حتى لم تعد تفصل بينهما سوى مسافة أنفاسٍ متهدجة، واشتعلت عينيه برغبةٍ عارمة في تملكها وحمايتها حتى من نفسها.

قال بصوتٍ رخيم تحدر من أعماق صدره، يقطر هيبةً وشغفًا محرقًا: ـ أنا سكتهم تحت عشان محدش يتجرأ عليكِ كلمة لكن هنا و في الأوضة دي، الحساب بيني وبينك أنتِ يا فريدة.. بقى عايزه تتجوزي غيري؟ كنتِ هتقبلي راجل تاني يلمسك؟ كنتِ هتديه الحق اللي مفيش مخلوق على وش الأرض يستحقه غيري؟! تراجعت فريدة خطوة إلى الخلف، لكن ظهرها اصـ,ـطدم بجدار الغرفة الصلب، ليلحق بها زياد ويحاصرها بيديه الممدودتين على جانبيها، مطوقًا إياها بهالته المخيفة. لكنها رفعت رأسها بشموخٍ رغم خفقات قلبها المتسارعة التي كادت تختـ,ـرق أضلعها، وقالت بصوتٍ متهدج من فرط المشاعر المتضـ,ـاربة:

ـ ما أنت سمحت لنفسك تتجوز غيري، سمحت لواحدة تانية تبقى على اسمك غيري، واحدة تلمسك غيري، و هانت عليك أيامنا سوى، دوست على حبنا وصدقت كذبهم عليا و طلقتني. جايلك عين تحاسبني على رد فعلي وأنت اللي بدأت بالحـ,ـرب؟!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى