منوعات

قيد من جـ,ـمر بقلم نورهان العشري ج٢

التمعت عينا زياد ببريقٍ كاسر، وانخفض رأسه قليلاً لتلفح أنفاسه الحارة وجنتها المشتعلة. كان شذاها يسكره، يذكره بكل لحظة حب عاشها معها قبل أن تعصف بهما المكائد. غرس سبابته ببطء تحت ذقنها يرفع وجهها إليه غصبًا، وقال بهسيسٍ يفيض بالوجع والعشق الضاري: ـ اتجوزتها عشان كنت احمي ولاد أخويا.. و حلفتلك برب العزة ما حد هيسكن قلبي ولا يملك روحي غيرك! و حلفتلك أن اليوم اللي هلمس ست غيرك فيه هتبقي طالق مني. دكنت نظراته و احتدت أنفاسه وهو يقول بهسيس خطر:

ـ أنتِ كنتِ النفس اللي بتنفسه، و عمايلك اللي زي الزفت هي اللي خلتني طلقتك عشان تتعلمي الأدب. لكن تبقي لراجل غيري؟ دانا أمـ,ـوتك و أمـ,ـوت نفسي قبلها ارتجفت شفتا فريدة، واختنقت العبرات في حلقها. كان عشـ,ـقه يطوقها كالسلاسل، تقاومه بكبريائها المكسور، وتشتهيه روحها المعذبة. رفعت يديها ودفعته في صدره العريض بكل ما أوتيت من قوة، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، لتهتف بنبرةٍ يمتزج فيها القهر بالشموخ:

ـ ابعد عني يا زياد! جوازك ليا من تاني مش هتغير حاجة.. أنت هتفضل بعيد عني، ومش هطول مني شعرة واحدة برضايا، والبيت دا أنا دخلته عشان آخد حقي وحق أمي، و دا سبب رجوعي ليك مش حبًا فيك يعني.. ابتسم زياد ابتسامةً عابثة، تحمل بين طياتها عشـ,ـقًا مجنونًا وتحديًا أشد ضراوة. يدرك أن مهرته الأبية تحتاج إلى وقتٍ كي تطمئن، وأن الطريق إلى قلبها سيمر عبر نار غيرته وصبره. مد يده ببطء ليرفع خصلة من شعرها المتمرد وأعادها خلف أذنها بلمسةٍ حانية تناقضت تمامًا مع قسوته قبل قليل، ثم قال بنبرةٍ خفيضة أذابت الصخر:

ـ خدي وقتك يا فريدة عشان تنسي اللي حصل حاربي، وعاندي، وقولي اللي أنتِ عايزاه.. بس أنتِ عارفة أن زياد النعماني لما بيحط عينه على حاجة بياخدها، وأنتِ أصلًا من البداية ملكي وأنا مش هسيبك تضيعي مني تاني، والحروب اللي بتقوميها بينّا؟ أنا موافق عليها، وجاهز لكل جولاتها. ابتعد عنها خطواتٍ قليلة ليمنحها مساحتها، بينما ظلت هي واقفة مكانها، تتنفس بصعوبة، وعيناها تتبعانه بتحدٍ واستسلامٍ خفي، معلنةً بدء أطول ليلة لها في البيت الكبير، بيت النعمانية

★★★★★★★★★ أغلقت الحاجة فاطمة باب غرفتها بقوةٍ كادت تخلع مقبضه، وأخذت تذرع الأوضة جيئةً وذهابًا كوحشٍ كاسر أُحيط بأسوارٍ من النار. كان وجهها مسودًا من أثر الغل، وأنفاسها المتلاحقة تصدر صريرًا ينم عن غضبٍ أعمى، بينما كانت نيرمين تجلس على طرف الفراش، تعتصر وسادة بين يديها والدموع تتساقط من عينيها كقطرات من السم الحـ,ـارق. التفتت فاطمة نحو نيرمين وصرخت بصوتٍ مكتوم مخنوق بالغيظ: ـ الحية رجعت تاني هي و أمها يا نيرمين! البت رجعت بيتي عينها في عيني و مش هاممها حد، وبدل ما نخلص منها جت و جايبة الحرباية أمها معاها! فردوس رجعت توقف قصادي في بيتي تاني؟!

نهضت نيرمين بسرعة، وعيناها تلمعان بشرار الغيرة والغل، وقالت بصوتٍ يقطر حقدًا: ـ أنا هتجنن يا ماما فاطمة! زياد اللي كان مش طايق يسمع اسمها، متحملش أنها تكون لغيره و راح هو كتب كتابه عليها! دا رماني ورا ظهره وكأن اللي خططناله و طلع عيننا فيه محصلش. دانا عملت المستحيل عشان أقرب منه كان بيصدني، و يقولي أنتٍ مرات زين الله يرحمه. فريدة دي أكيد سحراله.. ومش بعيد تكون أمها هي اللي ممشياه بالأعمال دي!

عادت خاطرة القديم تعصف برأس فاطمة؛ تلك الغيرة الدفينة التي أكلت قلبها لسنوات طويلة من فردوس. فردوس التي كانت دائمًا أبهى منها حضورًا، وأكثر دلالاً عند زوجها الراحل والتي طالما حسدتها فاطمة على حظها ورزقها. طردها لفريدة وفردوس سابقًا كان انتصارها الوحيد والأكبر في هذه العائلة، وعودتهما الآن تعني سحق كل ما بنته من سلطة. ضربت فاطمة بكفها على الطاولة المجاورة وهتفت بضغينة تشيب لها الولدان:

ـ فردوس طول عمرها حية وعينيها كانت على العز دا كله! يوم ما طردت بنتها قولت خلاص.. البيت فضالي ونضف منهم لكن دي بتها مشيت و رجعت و معاها الحية الكبيرة من تاني لكن لا بيت النعمانية مالوش غير ست واحدة بس. أنا! اقتربت نيرمين منها، وغرست وقالت بهسيسٍ شيطاني:

ـ مش هنسمح ب دا يا ماما فاطمة! لو فضلت فريدة هنا زياد هيتعلق بيها أكتر، وفريدة وأمها مش هيسيبونا في حالنا.. هيسحبوا السجاد من تحت رجلينا لحد ما نلاقي نفسنا بره القصر دا! لازم نفكر في حاجة.. حاجة تخلي زياد هو اللي يرميها زي ما رماها قبل كدا بس المرة دي مش هيكون ليها راجعة تاني استقرت فاطمة في مكانها، وعيناها تتسعان ببريقٍ خبيث، بينما راحت تتنفس ببطء وهي تستحضر كل ذرة مكر في عقلهما. مسحت على وجه نيرمين وقالت بنبرةٍ تشبه فحيح الأفاعي:

ـ زياد ما يكسـ,ـروش ولا يجننه غير حاجة واحدة يا نيرمين.. شرفه! هو رجعها عشان النـ,ـار ولعت فيه لما عرف إنها كانت هتكون لراجل تاني.. يبقى النـ,ـار دي هي اللي لازم تحرقها! التمعت عين نيرمين بفهمٍ مفاجئ، وابتسمت ابتسامة صفراء مليئة بالشر، لتهتف بخفوت: ـ المرة اللي فاتت مظبطتش معانا. بس المرة دي لازم نظبطها صح. بحيث ميكونش ليها راجعة عنده ردت فاطمة بابتسامةٍ باردة تقطر سمًا:

ـ المرة دي اللعبة هتبقى أشد، و الحبل هيلف حوالين رقبتها هي وأمها.. هنحفرلها حفرة تنزل فيها وماتطلعش منها أبدًا، و زياد بنفسه هو اللي يطردها بره البيت دا.. وقريب قوي يا نيرمين، قريب قوي!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى