ظل يخطو خطى واثقة وهو يمر على اقسام مصنعه يتفقده بنفسه ويرى سير العمل فهو لا يتهاون في كل ما يخص العمل فمصنعه أصبح له صيت في أرجاء العالم نظرًا لجودة انتاجه وحرصه الدائم بتطويره حتى تظل تلك السمعة الطيبة التي اكتسبها من أبيه
تنهد بارتياح بعد ما انهى معاينته للانتاج وتحدث بامتنان للعاملين:
-براڤوعليكم يارجالة الشغل ممتاز رد أحد العاملين:
-البركة في حضرتك يا صقر بيه لولآ تشجيعك لينا وتقديرك لمجهودنا مكناش عرفنا نوصل لكده
رد صقر بود:
-المصنع ده انتو ليكوا فيه زي بالظبط وانتم اهلي اللي كبرت بيهم
هتف أحد العمال بامتنان حقيقي:
– أنت خيرك مغرقنا كفاية يا بيه انك بتساعدنا ومبتتأخرش على حد أقر صقر ببسمة هادئة:
-ده حقكم عليا انا مكنتش هكبر غير بيكم ليتنهد براحة وهو يتلقى الدعوات الصادقة من العاملين ليؤمن على دعواتهم ويخطو الى مكتبه ليلقى اكرم ينتظره ويصيح قائلًا:
-خلاص اطمنت على كل حاجة بنفسك وارتحت جلس خلف مكتبه واستند على مقعده بأريحية وقال:
-اه ما انت عارف ده طبعي ومش هغيره ومبرتحش غير وانا وسط العمال
-يا بني انت عاملهم مصلح اجتماعي ده اللي عنده مشكلة بتحلها واللي عايز يتجوز بتساعده ده حتى اللي بيدلعوا بتقعدهم في بيوتهم وتبعتلهم مرتب -حرام عليك دول ناس غلابة وميعرفوش الدلع وبعدين انت مالك ده مصنعي ودول عمالي وأنا حر -يا عم انا غلطان قولي اعمل ايه؟اطبع دعاوي للحفلة -دعاوي ايه انا مش هعزم حد غير موظفين وعمال بس.. ده حقهم وتقدير ليهم على تعبهم معانا طوال السنة -يا صقر لازم نعزم رجال أعمال وصحافة واعلام تغطي الحفلة كده هيبقى ملهاش لازمة ومصاريف على الفاضي
هز رأسه وقال بإصرار وبقرار قاطع:
-لأ انا عايز كده ويلا من هنا شوف شغلك رد اكرم بخفة وهو ينهض من مقعده:
– ياعم انت بتكسفني ليه كده ده انا زي صحبك برضو وبعدين احنا بنتناقش زفر هو بنفاذ صبر ورد بكل مهابة:
– اكرم في حاجات مبقبلش فيها نقاش وانت عارف -خلاص ياعم براحتك انا ماشي احسن تكرشني وتبقى كملت اغمض صقر عينه بندم واستأنف بعد ما لانت نبرته قليلًا:
-متزعلش يازفت انا مبحبش الاڤورة
أبتسم اكرم بلا فائدة فصديقه حاد الطباع ولا يعرف صياغة الأعتذار ولكن لديه قلب يضاهي لون الثلج بنصاعته، لذلك رد بمحبة خالصة:
– اللي يعرفك ويعاشرك مستحيل يزعل منك يا صقر انا هروح اشوف الشغل عن اذنك وإن هم بفتح الباب فاجأهم دلوف رجل بأوائل العقد السادس من عمره وتبدو البشاشة على وجهه، نهض من خلف مكتبه وتقدم منه فمنذ قدومه من السفر وعلمه بزيجة من والدته لم يتسنى له ملاقاته نظرًا لانشغاله الدائم
رحب به بحفاوة فبرغم كل شيء يظل في منزلة والده:
-ازيك يا عمي نورت رد محمد العزازي ببسمة مريحة هادئة:
-ده نورك يا صقر انا قولت اجيلك هنا علشان مش بشوفك في القصر
أجابه صقر وهو يدعوه للجلوس وإن فعل جلس هو من جديد خلف مكتبه:
-مشغول ياعمي والله والشغل كله على كتافي وخصوصًا ان انت مش عايز تيجي تشتغل معايا – ربنا يقويك يابني بس انا خلاص مفيش عمر ولاصحة للشغل البركة فيك بقى نهض صقر من مقعدة وجلس مقابل لعمه بعد ما شعر بأنكسار نبرته ليربت على ساقه بود:
-بعد الشر عليك ياعمي ربنا يخليك لينا غمغم محمد بنبرة حزينة:
-انا عارف انك واخد على خاطرك مني بس يا ابني انت كنت مسافر وهند هي اللي صممت وانا مرضيتش ازعلها
تنهد وأجابه بنبرة هادئة فهو على دراية تامة أن والدته هي من أصرت لأهداف بعقلها:
-خلاص يا عمي انا مليش حق اعتب عليك دي حياتكم وأنتم أحرار رد محمد بنبرة صادقة متأثرة:
-صدقني يا ابني انا عملت كده علشان افضل وسطيكم الكام يوم اللي فضليلي في الدنيا انت عارف ان المرض اللي عندي استجابته للعلاج ضعيفة وانا زهقت بقالي سنين على الحال ده ومفيش فايدة لتغيم عين صقر تأثرًا به ويتحدث:
-خلي املك في ربنا كبير يا عمي ايه رأيك لو اخدك ونسافر بره اكيد هناك عندهم حل
– لا يا بني انا خلاص مش هحاول تاني انا مفيش في الدنيا حد يخليني اتمسك بيها -واحنا يا عمي نسيتنا -ربنا يباركلي فيك يا حبيبي عارف يا صقر كان نفسي يبقى ليا بنت واجوزهالك لو كانت مراتي عاشت كان زمان دلوقتي عندي ولاد كتير
-الله يرحمها اكيد كانت ست عظيمة اللي تخليك مخلص ليها السنين دي كلها من وانا صغير وانا بسمع من بابا وجدي الله يرحمهم بس انت عمرك ما حكيتلي عنها هز رأسه بحزن وأردف محمد وعينه تغيم بالذكريات:
-كانت طيبة وحنينة فوق الوصف وكان حبنا مقوي قلوبنا أبتسم بحنين لتلك الأيام واستأنف:
– عارضنا اهلينا علشان نتجوز هي كانت من أسرة بسيطة بس كانوا متشددين جدًا وكانوا عايزين يجوزوها راجل قد ابوها غصب، هربت انا وهي واتجوزنا ومهمنيش غضــ .
ــب ابويا عليا مهمنيش حاجة غير اني ابقى معاها لغاية ما في يوم جدك عرف طريقنا وغصب عليا اطلقها وفعلًا طلقتها بعد ما هددني انه هيسلمها لأهلها يقــ . ـــتلوها، بعدها عملت حـ .ــادثة وقعدت في غيبوبة شهرين وبعد ما فوقت قلبت الدنيا عليها مكنش ليها أثر لغاية مجالي مكالمة وبلغوني انها ماتت من غير ما يقولولي أي تفاصيل تانية
شهق بحــر . ــقة وترك العنان لعبراته الحارقة بالهطول لينظر له صقر بمواساة ويهمهم بأسف:
– أنا آسف يا عمي اني فكرتك
رفع عمه نظراته بحزن وهدر بتحسر:
– انا عمري ما نسيت يا ابني انا بس كان نفسي اعرف طريق قبـ . ـرها علشان ادفــ . ــن جنبها -بعد الشر عليك سلم امرك لله وبلاش تشائم وان شاء الله قريب اوي انا وفدوة هنملالك القصر عيال ليستأنف قاصدًا بث به الأمل من جديد:
-وربنا هيديك العمر وهتعيش وتربيهملي وتجوزهم كمان معايا ليبتسم عمه وقد التمعت عينه بالحياة، ليستأنف صقر وهو يبادله الابتسامة الهادئة:
-طب يلا بقى نروح احسن هند هانم العزازي تغضــ . ــب علينا لو اتأخرنا على الغدا
أومأ له بود وهو يمسح عبراته وتبسم له بطيبة:
– ربنا يباركلي فيك يا ابني ليربت صقر على ساقه بحنان ويرد عليه:
– ولا يحرمنا منك يا عمي.
——————-
ظلت منكمشة داخل المقعد الخلفي لسيارته تطالعه بتوجس خيفه منه فملامحه لا تبشر بالخير بتاتًا، فكانت مرتعبة تتسأل مع عقلها ترى ما الذي يريده منها قطع شرودها صوته الآمر:
-انزلي من العربية تمسكت بحقيبتها بقوة وجالت محيط المكان بعد أن انتبهت أن السيارة توقفت ثم شددت على حقيبتها أكثر وكأنها تستمد منها الثبات وتدلت تنظر حولها تحاول معرفة المكان لكن دون جدوى
-يلا يا روح أمك انا هفضل مستني سعاتك كتير
هدر بجملته بنفاذ صبر لتعلو أنفاسها من الخوف وهي تتوجه نحوه وتسير خلفه بخطى مهزوزة إلى المصعد، ابتلعت ريقها بتوتر وهو يفتح باب الشقة و يقبـ . ــض على رسغها بقوة يدفعها أمامه هادرًا بحدة أجفلتها:
-خايفة يا روح امك ايه اول مرة تروحي مع واحد شقة لوحدكم ردت فتون بنبرة مرتجفة رغم تصنعها للثبات:
-مش خايفة… وانت عندك حق مش اول مرة قولي عايز ايه مني؟ ضحك أكمل ساخرًا من جرأتها فهي اثارت اهتمامه دون ان تشعر ويستطرد قائلاً وهو يشملها بنظرات متفحصة ذات مغزى:
-عايزك تعملي حاجة انتِ متعودة عليها
تسألت فتون بترقب وقلبها يهوي بين ضلوعها:
-قصدك ايه؟ التمعت عينه وهدر بنبرة كارهة:
-عايزك تغوي…صقر العزازي وتوقعيه فيكِ…
زاغت نظراتها بوجل وهي تستمع لنبرة الحقد الواضحة بصوته وهذا الأسم الذي نطق به ليس غريب على مسامعها
لتهمهم بعدم استيعاب:
-اغويه ازاي! انا مش زي ما انت فاكر انا مش رخيصة ولو كنت عملت كده معاك فعلشان انا كنت مغصوبة لاح على ثغره نفس البسمة الساخرة وقال متهكمًا:
-لا واللهِ… صدقتك انا كده الشوية دول تعمليهم على حد غيري
لتتسأل هي بعد ما فقدت الأمل بإقناعه:
– طب وانت ايه مصلحتك في كده رد اكمل بنفاذ صبر:
– انتِ تنفذي الأمر من غير اسئلة انتِ فاهمة ليفرك وجهه بعنــ . ــف واستأنف:
-عايزه يتعلق بيكِ بأي شكل اتصرفي وعايزه يثق فيكِ لازم احــر . ــق قلبه زي ما حــر . ــق قلبي ولسه بيحــر . ــقه ومتخافيش هو مش هيجبرك على حاجة علشان بأختصار ملوش في الشمال لتضع فتون يدها على خافقها محاولة منها تهدئة روعها وتتحدث بنبرة متوجسة:
– وافرض معرفتش!
اندفع إليها والشرر يتطاير من عينه وقبـ . ــض على خصلاتها بقوة،
لتشهق هي بألم في حين هدر هو بغضــ . ــب قاتل:
-مفيش حاجة اسمها مش هتعرفي انتِ عرفتي تضحكي عليا انا…اكمل الصرفي…بجلالة قدره مش هتعرفي تضحكي عليه هزت رأسها بقلة حيلة لعله يرحمها فهو كاد أن يقــ . ـــتلع خصلاتها
بينما ابتسم هو برضا وهو ينفضها بعيد عنه باشمئزاز وتحدث مفسرًا:
– هظبطلك ورق علشان هبعتك تشتغلي عنده وكمان الشقة دي هتفضلي فيها وفي عربية صغيرة تحت هتبقى معاكِ تقدري تستخدميها وقام بوضع مفتاح السيارة على الطاولة واستأنف بتحذير:
– وأياكِ تغلطي واظن انتِ عارفة انا اقدر على ايه همهمت فتون بنبرة يشوبها الضياع:
– عارفة… بس محتاجة افهم اكتر…
-بكرة هجيلك افهمك بالتفصيل وهجيب معايا حد من شركتي يفهمك طبيعة الشغل، انتِ درستي ولا تور لاهي في برسيمه
لتتحمحم هي:
– انا كنت في كلية تجارة بس مكملتش وكنت باخد كورسات في اجازة الصيف وبعرف اتكلم انجليزي كويس
ليرد ساخرًا:
-اول مرة اشوف واحدة شمال متعلمة خفضت رأسها بخزي وطفرت بما يجول برأسها:
-اختي مش عايزاها بعيد عني وابويا هيفضل مسجون -اختك هقدملها في مدرسة داخلي لغاية ما مهمتك تخلص وإذا كان على ابوكِ هطلعولك بس مش دلوقتي هسيبه يتربي شوية وخصوصًا انه قرر يشيل الليلة لوحده وميعترفش على اللي كان معاه، وبفكرك يا فتون لأخر مرة انا اقدر اوديكي ورا الشمس وكفاية اني مجبتش سيرتك في البلاغ فأحسنلك متفكريش تغلطي اومأت له فتون بطاعة وهي تحاول الثبات
وتمتمت محاولة منها استعطافه:
-حاضر هنفذلك كل اوامرك بس ليا رجاء عندك
اومأ لها مستفهم لتسترسل حديثها:
– ممكن تخلي فرحة معايا -لأ
اتاها رده كصاعقة هدمت كل آمالها لتنظر له والحزن يسيطر عليها ليستأنف هو:
-ممكن تجيلك في اجازتها غير كده لأ بس الأول لازم اغير أوراقكم علشان لو سأل عنك اكيد هيعرف أن ابوكِ سوابق أومأت له بطاعة ليهم بالأنصراف تاركها ترتمي على الأريكة بهوان وتضم نفسها وتجهش بالبكاء وهي تلعن حظها العسر الذي أوقعها في طريقه.
————–