بعد مرور عدة ايام في ذلك القصر المهيب الخاص بعائلة العزازي تلألأت في السماء تلك الالعاب النــ ــارية عاكسة أنوارها في الأرجاء فقد توافد على الحفل كل العاملين الذين قد بذلوا جهد كبير ليتأنقوا لذلك الحفل الخير الذي يهديهم إياه رب عملهم كل عام… كانوا يتبادلون الهمهمات المنبهرة بفخامة القصر وكرم صاحبه الى أن تدلت هي من اعلى الدرج ترمق كل من حولها بنظرة مستنفرة فقد رفعت رأسها بتعالي وهي تؤشر للمسؤول عن الخدم الذي حضر لها وهو مطرق الرأس:
– تحت امرك يا هند هانم
أمرته هند بإزدراء:
-خلي بالك كويس منهم واوعي حاجة تتسرق انت اكيد شايف اشكالهم عاملة أزاي رد عليها وهو مازال مطرق رأسه بطاعة:
-تحت امرك يا هانم متقلقيش لتؤشر له أن ينصرف ثم جالت المكان حولها قاصدة البحث عنه لتتوقف عيناها وتطالعه بغيظ وهو يقف وسط عماله ويتبادل أطراف الحديث برحابة وابتسامته واسعة تزين وجهه خطت نحوه بخطوات غاضبة وأشارت له ليأتي إليها وإن اتى تسائل بريبة:
-ايه يا امي في حاجة؟ اجابته هند مستنفرة:
– انت اكيد اتجننت يا صقر فاتح بيتي لشوية رعاع وواقف تهزر وتضحك وتقولي في حاجة
تنهد بحنق ورد بعدم رضا:
-متقوليش عليهم رعاع دول اللي بيهم كبرت شركتنا ولولآ تفانيهم ووقفهم جنبي مكنتش عرفت أنجح وأكبر الشركة -دول موظفين عندك ومبيشتغلوش ببلاش رد صقر وهو يربت على يدها بحنو:
-امي علشان خاطري بلاش نتناقش في الموضوع ده علشان انا مش هغير معتقداتي وياريت يا حبيبتي تعدي الليلة من غير خناق ختم حديثه برفع يدها وتقبيلها لتهمهم هند:
– ماشي يا صقر علشان خاطرك
ليقول صقر وهو يمدح جمالها:
-بس ايه القمر ده انتِ مالك بتحلوي كده ده حتى الناس مفكراكِ خطيبتي مش امي
ابتسمت بغرور وهي ترفع حاجبها بتباهي وهمست:
-طول عمري حلوة مفيش حاجة اتغيرت
ثم تنهدت واستأنفت بغيظ :
-فكرتني…خطيبتك دي اللي هتشلني مش عايزة تلبس الفستان اللي اخترتهولها سايرها صقر بلين:
-سيبيها براحتها يا امي بلاش تضغطي عليها هدرت هي بتسلط كعادتها:
– لأ كفاية اني سمعت كلامك مرة وسيبتها برحتها وكانت النتيجة اننا اتفضحنا قدام الناس وسيرتنا كانت على كل لسان
اغمض عينه بنفاذ صبر فوالدته تتقصد أن تؤنبه في كل مرة وتحمله مسؤولية تهرب صديقه وفعله الأرعن الذي نتج عنه مقاطعته لسنوات ليهتف بترجي:
-امي علشان خاطري بلاش نقلب في القديم مش وقته وهي ملهاش ذنب تخنقيها ردت هند بإصرار:
-لازم تسمع الكلام و لازم شكلها يليق بيك لم يقنعه حديث والدته، وكاد أن يخوض نقاش معها لولآ انه لمح فدوة تتقدم نحوهم وهي تفرك يدها بخجل بسبب ذلك الثوب المكشوف التي اصرت خالتها عليه
بأرتدائه فكان يكشف اكثر ما يستر وهي لا تحبذ ذلك رمقتها هند برضا وابتسمت بإعجاب:
-اخيرًا شرفتي يا فدوة
-آسفة على التأخير طالعها صقر بعدم رضا وتحدث بحدة:
– ايه ده إن شاء الله ده فستان ولا قميص نوم روحي غيريه شهقت فدوة بخجل وقد احتلت الحمرة وجنتيها ورفعت الشال على ذراعيها وهي تؤشر بعيناها نحو خالتها لملاحقة الأمر
لتهدر هند:
-لأ مش هتغيره وبعدين ماله الفستان ده تحفة عليها وبعدين لازم يبقى في تناسق مبينكم علشان الصور
-صور…صور ايه؟ردد أخر ما تفوهت به والدته بغير استيعاب لتهدر هي:
– انا كلمت كذا مجلة هيغطوا الحفلة لازم الناس كلها تعرف انك بتعطف على عمالك وبتقدرهم
لتنسحب دون انتظار رده فهي تعلم أنها خالفت اوامره لكن لن تكون هند العزازي إن لم تستغل الفرصة لتفخيم نفسها والتباهي أمام الإعلام، تطلع لآثارها بحنق وفرك ذقنه محاولًا كبح نوبات غضــ . ــبه، أقتربت فدوة وتعلقت بذراعه وتحدثت مواسية اياه:
-متزعلش علشان خاطري وبعدين الناس بتبص علينا
ضحك بهدوء وجذبها من خصرها هامسًا بأذنها:
-والله انتِ جبانة وبتخافي منها وقولتك ألف مرة متخليهاش تتحكم فيكِ كده وخليكِ مستقلة
تنهدت واخبرته بمسالمة:
-مش بحب ازعلها هي برضو خالتو يا صقر هز رأسه لتستأنف هي:
-خلاص بقى متزعلش منها وسيب اليوم يمشي زي ما هي عايزة علشان خاطري من غير مشاكل زفر انفاسه واخبرها بضيق:
-هعمل كده مضطر بس اكيد ليا كلام معاها بعد ما اليوم يخلص لتسترسل هي بخفوت:
-خلاص نبقى نعلن عليها الحد بعد الحفلة
ابتسم بسمة هادئة وشاكسها:
-حد إيه بس ده أنتِ جبانة ومبتعرفيش تتكلمي قصادها كلمتين على بعض مطت فمها و عقبت بثقة وهي تستند على صدره بكفوفها:
-انا هبقي اتحامى فيك زي ما بعمل علطول وأنت هتقويني اتسعت بسمته الودودة ثم مال وقبلها بخفه من جبينها غافلين عن من يتربص بهم والغيرة تنهش قلبه
ابتعدت فدوة بخجل وأردفت متهربة:
– انا هروح Toilet أومأ لها بتفهم وهدر:
-وانا هطلع اشرب سيجارة بره هزت رأسها وانصرفت بتعجل نحو المرحاض لتشهق بذعر وأحد يجذبها بقوة داخله ويغلق الباب بعدها…
الفصل الخامس
دلفت الى قصره وهي تطالع المكان برهبة قوية فقلبها اللعين يكاد يسقط من الذعر
لما هي مقبلة عليه لتسير ببطء تقدم ساق وتأخر الأخرى بتردد وهي تلملم ذيل فستانها الذي يعيق حركتها… استندت على الحائط في زاوية منعزلة بعيد عن الزحام ووضعت يدها على خافقها محاولة تهدئة روعها ليلفت نظرها الأنوار المنطلقة في السماء ووهجها المعكوس على بركة السباحة الخاصة بالقصر لتبتسم بانبهار و تخطو نحو البركة لكي تستمتع بذلك المنظر الخلاب عن قرب، ظلت شاردة في السماء بضع دقائق حتى تذكرت ما أتت من أجله لينتابها التوتر من جديد وتهمهم لنفسها:
-اففف بقى انا مالي خايفة كده ليه! لترد مستنكرة على ذاتها:
– ومخافش ليه ده اسمه لوحده يرعب صقر العزازي يعني من قلة الأسامي يسموه صقر… ايه صقر ده ولا كمان انا ناقصة لاخمه…الزفت أكمل جايبلي فستان بذيل مش عارفة اتحرك بيه، لتزفر بسأم وتستدير كي تدخل وتلقى مصيرها ولكن دون أن تتنبه خطت على ذيل فستانها وتعلق بكعب حذائها وفي لمح البصر انزلقت قدمها وسقطت داخل بركة السباحة لتصرخ مستغيثة وهي تحاول تلتقط أنفاسها من تحت الماء فهي لاتجيد السباحة بتاتًا
أما عنه
كان ينفث دخان سيجاره بتريث قاصدًا استرجاع موده من جديد الذي أفسدته والدته بتحكماتها الصارمة، فقد تنهد بضيق وهو يدهس سيجاره الملتهم بطرف حذائه حين لفت
نظره تلك الحسناء بردائها الأسود اللامع، ابتسم بتعجب وهو يطالعها تحدث الفراغ، ثم فضوله دفعه يستمع لها ويطالعها عن قرب وكاد أن يخطو نحوها ولكنها انزلقت أمام عينه كدفشة ثقيلة داخل البركة ليركض إليها بعد ما نزع سترته وألقاها ارضًا وقفز داخل الماء ينتشلها بين أحضانه هاتفًا:
-متخافيش…متخافيش
ظلت تدفش المياه بوجهه وتصرخ دون انقطاع ليفلت يد من حولها ويثبت رأسها أمام وجهه ويده الآخرى ممسكة بها ويقول بنبرة مطمئنة:
-قولتلك متخافيش هطلعك بس اهدي…اهدي
هزت رأسها عدت مرات متتالية وتعلقت بعنقه بخوف ليسبح بها الى حافة المسبح ويحملها ويصعد بها وهي مازالت متشبثة به جلس بها على ركبتيه بالأرض دون أن ينبت ببنت شفه و ظلت أنفاسها متلاحقة بين أحضانه لوقت قليل إلى أن استعادة توازنها وهدأت و لكن شعور غريب احتلها وقشعريرة دبت بكافة جسدها حين استمعت
لصوته الهادئ الرخيم يسألها بهدوء:
-بقيتي احسن!
رفعت عيناها إليه تزامنًا مع إطلاق الألعاب النــ ــارية التي انعكس بريقها على لآلئها الساحرة لتتسع عينه بغير تصديق هل من الممكن انه يهيئ له!
ظلت نظراته جامدة عليها دون وعي وكأن عقله مغيب بها لا يصدق وجودها، إلى أن شهقت هي بفزع بعد ما أدركت جلوسها بأحضانه ونفضته عنها بقوة حتى أنها سقطت على الأرض متألمة، ولكنها تحاملت على نفسها ونهضت تتمسك بظهرها و تطالعه بشراسة هادرة: – أنت أزاي تمسكني كده يا بني آدم أنت
قال هو بهدوء:
-اهدي محصلش حاجة انتِ كنتِ بتغرقي ردت فتون بتلقائية:
– برضو ده ميدكش الحق تعفس فيا كده انتابه صدمة عارمة من لفظها الفج لينهض بعصبية و يشهر إصبعه بوجهها هادرًا:
– انا معرفش انتِ بتتكلمي عن ايه وبعدين انتِ اللي فضلتي مكلـ. .بشة فيا لتقول فتون ساخرة:
-وانا هكلـ. .بش فيك ليه يا بتاع انت انا بس كنت خايفة اقع رفع صقر حاجبه بغيظ فهي تجاوزت حدودها معه وهو لا يقبل بالتجاوزات لذلك قال بصوت منفعل:
-انا غلطان…كنت سيبتك… وقعدت اتفرجت عليكِ بتغرقي انتِ ولسانك ده اللي عايز قصه
ليلتفت ويغادر ويتركها تتطلع لأثره بغيظ
وبعد أن تداركت الموقف
شهقت بالبكاء وهي تتطلع لثوبها المبتل وشعرها الذي تهدل أثر الماء ثم لعنت حظها العسر الذي يوقعها دائمًا في المتاعب، انتابتها رجفة قوية نخرت عظامها وهي تتذكر وعيد أكمل فهو لن يتهاون عن عدم حضورها وسيعاقبها بشدة احتضنت نفسها وحاولت لم اطراف ثوبها بتخاذل حتى شعرت بشيء دافئ يضع على منكبيها رفعت عيناها له مستغربة وهو يحاول وضع سترته عليها فقد عاد أدراجه عندما استمع لنحيبها ليتسائل بصوت مازال يحمل بقايا حنقه منها:
– تحبي ابعت حد يوصلك
هزت رأسها بنفي واجابت:
– لا معايا عربية لتضم سترته حولها بقوة وهي تعض على شفتيها السفلية بحرج من ما تفوهت به سابقًا ليلعن هو تحت انفاسه بخفوت وعينه تنحصر على شفتاها فماذا حدث له فهذه المرة الاولى الذي ينتابه شعور كهذا وتلك ليست طبيعته بالمرة، نفض افكاره العابثة بعيدًا و تصنع اللامبالاة واستدار قاصد المغادرة ليستوقفه قولها بخفوت وهي مطرقة الرأس:
– شكرًا دون أن يلتفت رفع كفه ولوح لها بلا مبالاة وابتعد في طريقه إلى السلم الخلفي الذي يؤدي الى غرفته مباشرةً لتتطلع لآثاره بغيظ وتهتف:
-مغرور اوي مستكتر يرد عليا وانا اللي شكرته واديته أهمية…غبية تنهدت بضيق وهي تخطو خارج القصر قاصدة سيارتها الصغيرة التي أعطاها لها أكمل وهي تتحسر على خطته التي افسدتها عليه غافلة أنها قد حققت غايته دون قصد فيبدو أن تخطيط القدر فاق كل مخططتهم.
————-