ظلت ملازمة تلك السيارة المتهالكة وهي تلعن قلبها الذي يرتجف من الخوف حاوطت جسدها بذراعيها وهي تتذكر كل المرات اللعينة التي خضعت لهذا الشعور في كل مرة ينتابها الندم ولكن ليس بيدها فهي مجبرة برغم كل شيء فمن يدفعها لهذا الآثم الملطخ بالعار هو أبيها…
مهلًا لا يصح نعته بأبيها فهو قاسي مستبد عديم الرحمة أكثر شيء يجيده هو جمع المال وإنفاقه على المراهنات والخمور وملاذاته المحرمة فمنذ نعومة اظافرها كان يقسو عليها هي دون شقيقتها حتى أنها تتذكر أنه فمرة احتجزها دون طعام لعدة أيام عندما عارضته ورفضت الانصياع له ومرة أخرى أجلسها في صقيع الشتاء على الأرض مكبلة
ولم يشفق عليها حتى أنها
تتذكر نظراته هو يطالعها ترتجف لحين ازرق وجهها و انقطعت انفاسها من البرودة فمنذ ذلك الوقت وهي تكره الصقيع ودائمًا ما ترتدي أكثر من قطعة ملابس لتشعر بدفء حتى وإن كان الطقس لا يستحق فهي لديها دوافعها النفسية؛ فبعد مــ .
ــوت والدتها منعها من استكمال جامعتها ودفعها للعمل لجلب المال عملت في كل شيء مباح ولكن كان دائمًا لا يكتفي ويطالب بالمزيد الى أن اقترح عليه المسمى جمال الأمر فهو رفيق السوء الذي يشاركه دنائته، ليسيطر على أبيها الطمع والجشع وهو يستساغ الأمر باستغلالها فهو غير عابئ بها وبشرفها وسمعتها فأهم شيء لديه هو المال الذي يجنيه من سرقة الرجال التي تتم هي بإغوائهم،
تنهدت هي بضيق وخرجت من افكارها وهي تشعر أنها استنفذت صبرها فقد مر أزيد من نصف ساعة، وبعد عدة دقائق مرت كالدهر عليها همت بإشعال المحرك وهي تلمحهم يتقدمون من السيارة ويقومون بالصعود إليها بتعجل لتنطلق
هي بهم بسرعة فائقة .
————
بعد وقت قليل توقفت بجانب الطريق ووضعت يدها على خافقها بإرتياح الى أن تحدث ابيها بحدة:
-ايه يا سنيورة هي أول مرة ولا ايه مالك خايفه كده..
اجابته فتون بتوتر:
– انا فكل مرة ببقى مرعوبة انا اعصابي مبقتش مستحملة رد ابيها المدعو عزت بسماجة:
– سلامة اعصابك ياروح امك اجمدي كده يابت مالك ده أنتِ حتى تربيتي ليقاطعهم جمال ساخرًا:
-ايوة يا ست البنات انتي تربية عزت العايق يعني لازم قلبك يبقى حديد
عقب عزت بتباهي وهو يربت على صدره:
-قول للسنيورة باين عليها نسيت مين عزت العايق…ليوجه حديثه لها وهو يجذب ذراعها من موقعه:
-ولا تحبي افكرك انا يا بت؟ ردت فتون وهي تحاول التماسك بعدما جذبت ذراعها من قبـ . ــضته:
-لأ عارفة وفاكرة وعمري ما نسيت ضحكوا الاثنين بسخرية
لترمقهم فتون باستحقار وتتحسر على قلة حيلتها وهي تشرع في القيادة من جديد.
———————-
بعد أن اوصلتهم الى تلك الباحة الخلفية لمنزلهم التي يحتفظون بمسروقاتهم بها توجهت إلى منزل صديقتها المقربة القابع بعد مسكنها بقليل، فهي ايضًا تعمل معها في ذلك المصنع القريب فاصديقتها مأمن اسرارها و كثيرًا ما تلجئ لها نظرًا لجلوسها بمفردها فزوج صديقاتها يعمل بأحدى دول الخليج سعياً وراء لقمة العيش وترك صديقتها دون أنيس لوحدتها سواها
تسللت داخل البناية بحذر فهي تعلم أن طلتها تلك ستجلب لها القيل والقال وستجعل عيون الرجال تنهشها بطمع تنهدت بارتياح عندما وجدت صديقتها سبقت طرقاتها وفتحت باب الشقة وتدعوها للدخول قائلة:
– خشي يا أختي قبل محد يشوفك بالشكل
ده انصاعت لها ودخلت الى الداخل لتغلق باب الشقة وهي تتفحصها بنظراتها الغاضبة :
-مش هترتاحي الا لما تمــ . ــوتيني من قلقي عليكي
-وانا عملت ايه يا كوثر؟ لوت كوثر فمها وتهكمت:
-بصي لنفسك في المراية وانتي تعرفي! نكست فتون رأسها وتنهدت بقلة حيلة لتعاتبها كوثر:
– ليه كده يا فتون كل مرة توعديني أنها أخر مرة ومفيش فايدة تنهدت فتون بضيق وهي تنزع شعرها المستعار وتخلع ذلك الحذاء اللعين عن قدمها ثم فركت شعرها الحريري بفوضوية و تحدثت بنبرة يائسة:
– انتي عارفة انه غصب عني مش كل مرة هقعد ابررلك
-يا حبيبتي انا خايفة عليكي افرضي في مرة معرفتيش تحطي الحبوب هتعملي ايه لو حد اتهجم عليكي -متقلقيش عليا ربنا بيسطرها
ثم أشارت إلى فستانها بحنق واستأنفت:
-انا هدخل اغير الزفت ده علشان طابق على نفسي
هزت كوثر رأسها بتفهم وهي تتوجه للشرفة بتوجس تستطلع إذا كان أحد يتتبع صديقتها.
——————
دلفت الى الغرفة تغير ملابسها لتنسلت تلك الدمعة الخائنة من عيناها دون وعي فهي جاهدت للحفاظ على ثباتها المزعوم أمام صديقتها تعلم أن ما تفعله خاطئ ولا يوجد له مبرر؛ ولكن ماذا تفعل إذا جادلت او امتنعت يهددها بشقيقتها التي تصغرها ويهددها انه سيأخذها بدل عنها تنهدت بحــر .
ــقة و هي تتذكر محاولاتها العدة للهروب ولكن في كل مرة يرجعها له بالإجبار بفضل علاقته الكثيرة في مجال الإجرام فمن لا يريد أن يؤدي خدمة ل عزت العايق ربيب السوء
فبسببه مر عليها الكثير من الأمور البشعة التي افقدتها برائتها وطفولتها
أما الأن فالأمر اختلف فلم تعد تقوى على الهرب من جديد فهي تتراجع بسبب شقيقتها وتعلقها بها فهي ماتبقت لها بهذه الحياه و وصية والدتها لها التي عاهدتها ستحافظ عليها مهما كلفها الأمر.
مسحت عبراتها بظهر يدها واغمضت عيناها تسترد ثباتها من جديد فهي أمام الجميع صلدة قوية لا تبالي لتخطو إلى الخارج بعد أن أزالت مستحضرات التجميل من وجهها وعدلت هيئتها وارتدت عباءة فضفاضة سوداء ولفت وجهها بوشاح بنفس اللون لتنظر لصديقتها وهي تتحدث بهدوء:
– ايوة كده رجعتي فتون اللي اعرفها اجابتها فتون ببسمة متهكمة :
– ايوة يأختي رجعت فتون المقشفة من تاني -فشر…ده انتِ كده احلي الف مرة -دي عيونك اللي حلوة يا كوثر انا لازم امشي اتأخرت على فرحة زمانها زهقت من قعدها لوحدها كل ده
لوت كوثر فمها بامتعاض متسائلة:
-امال المحروس ابوكي فين؟ -راح يتصرف في الحاجة عقبت كوثر بكره:
– منه لله هو السبب فكل حاجة انا مش عارفة ايه اللي جابرك قولتلك تعالي عيشي معايا -واسيب فرحة يا كوثر يستفرد بيها ويخدها بدالي لتلطم كوثر على صدرها باستياء وتقول:
– يالهوي ياخد فرحة مكانك دي عيلة لسه في ثانوي ابوكي ده مش هيرتاح غير لما اجيب كرشه بسـ . ــكينة تلمة لاحقت فتون حديثها:
-لأ بالله عليكي يا كوثر بلاش تقولي كده
أحتضنتها كوثر بعد ما التقطت نبرتها الخائفة:
– يا بت انا بحسك بنتي مش صحبتي انا خايفة لواحد من الرجالة اللي بتسرقوهم دول يبلغ ساعتها هيسجــ . ــنوكي وانا مليش غيرك انتِ اللي مهونة عليا غربة جوزي ما أنتِ عارفة انا مليش حد ومقطوعة من شجرة
طمئنتها فتون:
-متقلقيش مش هيفضحوا نفسهم يا كوثر الناس دي مفيش حاجة تهمهم غير سمعتهم وبس ومعظمهم بيبقى متجوز ومبيحبش يخرب بيته وبعدين حتى لو بلغوا الحكومة هيقولوا ايه! مفيش راجل هيفضح خيانته…
تنهدت كوثر بشيء من الاقتناع واجابتها بقلة حيله:
-ماشي يا فتون لما نشوف اخرتها معاكي انتي وعزت العايق ابتسمت فتون بحب وقامت بتقبيل صديقاتها من وجنتها وهمت بالانصراف
تاركة صديقتها تنظر لأثارها بلا فائدة وتدعوا لها بالخلاص من براثن أبيها الآثمة.
—————-
أما في ذلك القصر المهيب الذي يشع بالفخامة والثراء، فكان مكون من ثلاث طوابق ويحاوطه حديقة شاسعة مبهرة بزهورها وخاصتًا زهرة الياسمين التي تنشر عبق خلاب في الأجواء… وبركة السباحة القابعة بالباحة الخلفية للقصر نظرًا لشغف مالكها بالسباحة فقد أصر على عمل سلم خلفي يوصل الى جناحه دون عناء.
دلف هو بخطوات ثابتة نحو جناح والدته وطرق الباب بتمهل لتأذن له بالدخول، تقدم نحو المقعد وجلس عليه بكل ثقة مدعي اللامبالاة حين قالت هي:
-طول عمرك قد كلمتك يا صقر متأخرتش تنهد صقر وأجابها:
-خير عايزة ايه يا امي؟ – انت لسه زعلان مني ؟
تسائلت بتوجس جعله يجيبها بسخرية لاذعة:
– لا وازعل ليه فيها ايه يزعل إني اسافر شوية ارجع ألاقي امي متجوزة من عمي من غير علمي ولا كأن ليا لازمة… مفيهاش حاجة تزعل مش كده!
تنهدت بعمق ونهضت تجلس مقابل له وتحدثت بهدوء:
– حبيبي اللي عملته ده علشان خاطرك انت علشان احافظ على الإمبراطورية دي انا اتجوزت عمك علشان اضمن ان نصيبه يبقى تحت ايدك
اجابها بحدة اجفلتها:
-عذر اقبح من ذنب يا امي عمي دة حقه وانا عمري ما هاخده منه ده ميراثه الشرعي
ردت هند تستنكر حديثه:
– لا مش حقه ابوك هو اللي كبر الشغل وعمل المستحيل لوحده و جدك كان غضــ . ــبان على عمك وطرده علشان اتجوز واحدة مش من مستوانا زمان ولما فاق من غيبوبته بعد مــ . ــوتها رجع تاني يطلب السماح والرضي و جاي ياخد كل حاجة على الجاهز لتستأنف بشراسة والجشع يقطر من حديثها:
-وده مش هيحصل يا صقر على جثتي لو جنيه واحد راحله
رد صقر بثبات دون تهاون تخص مبادئه :
-طول عمرك بتحبي الفلوس أكتر من أي حاجة يا أمي على العموم اللي حصل حصل ياريت تعرفي بس اني عمري ما هاجي علي حد ولا اخد حق حد
ذلك أخر ما نطق به قبل أن يهب من جلسته وينصرف بخطوات غاضبة تاركها تستشيط من قراره فهي تعلمه جيدًا صارم و لا يحيد ابدًا عن رأيه.
——————-