Uncategorized

ظنها دمية بين أصابعه ٩

كادت أن ترد عليه بالرد الذي دائمًا ما يهدم آماله، فأردف دون أن يعطيها فرصة للحديث. _ على فكرة عيب في حقي لما تقوليها. وبمكر جعل شفتيها تنفرج بإنفراجه واسعة. _ ما تليني دماغك يا “زوزو” وكفاية كبرياء الستات وارضي عني بدل ما أنا الوحيد اللي حطاه في خانة الأعداء، لو خونتك وانحرفت هتكوني أنتِ السبب. نفضت رأسها سريعًا بعدما استطاع بصوته الخافت دغدغت مشاعرها. _ أنت بتقول إيه، أنت اصلًا من امبارح وتصرفاتك غريبة.

اتسعت عيناه ذهولًا بعدما ابتعد من أمامها مغمغمًا وهو يطرق كفوف يديه ببعضهم. _ بقى أنا تصرفاتي غريبة. أخرجت رأسها من نافذة السيارة بعدما طالت وقفته. _ أنت هتفضل واقف تكلم نفسك، عايزين نروح نشتري من المكتبه حاجات المدرسة لـ “يزيد” وياريت نعدي على “عدي” ناخده معانا لأن جدته تعبانه ودكتور “مازن” مشغول. استدار سريعًا جهتها عندما ذكرت اسم ذلك الطبيب. _ وحضرت الدكتور مشغول عن ابنه ليه، ما أنا يومين اسيب اجتماع مهم عشان اكون معاكم.

رفرفت بأهدابها عدة مرات، فعقد ما بين حاجبيه بدهشة وسُرعان ما كانت تبهره كالعادة بردها. _ لو مش موافق توصلنا انزل من العربية وأخد “يزيد” ونروح باقي مشاويرنا لوحدينا. _ أنتِ مش بتعاقبيني يا “زينب”، أنتِ بتربيني. ورغمًا عنها كانت تبتسم وهي تراه بتلك الحالة التي يتحول إليها بعدما يغضب منها.
…..

الحياة ليست ناقصة من دون النساء، لا يضيفون لحياتك إلا التعاسة، فلا بهجة يراها فيهن وحتى المتعة التي حلّلها الله فيهن يستطيع أن يُكمل الباقي من عمره دونها، إنه قادر على السيطرة على شهوته ڪرَجُل بالعبادة… هكذا كان يُردد “عزيز” لنفسه بعد كل ليلة يشعر فيها بحاجته لوجود امرأة بحياته وهذا كان لا يحدث إلا بعدما يذكر بعض المقربين منه أمر الزواج وأن الزوجة الصالحة والأولاد نعمة من الله، كان يقتنع أحيانًا ثم يسخر من أرائهم ويسأل نفسه هل رأي بهجة يومًا على ملامح شقيقه؟

حتى والدته يذكر من السنوات القليلة التي عاشها معها قبل وفاتها رغم إخلاصها لوالده إلا أنها كانت امرأة سليطة اللسان ولكن كل شئ انقلب معه وما يراه ويعيشه معها كالنقيض، “عزيز الزهار” الذي كان يعرف نفسه ويعرفه الجميع ليس هو الآن، وقد تحققت دعوة “نيهان” صديقه عندما قال له بمِزاح ذات يوم في إحدى مكالمتهم الهاتفيه « اتمنى أن تأتي امرأة لحياتك تجعلك لا تستطيع تركها والذهاب إلى العمل» وقد طرقت تلك الدعوة ذاكرته هذا الصباح، فهو بالأمس قرر عودته للعمل لكن كل شئ تبخر وفضل البقاء جوارها.

_ شكلي هكون على ايدك تاجر كسول يا “ليلى”. قالها بمشاكسه ثم نهض من جِوارها وهو لا يصدق أنه غفىٰ إلى هذا الوقت. اجتذابها لغطاء الفراش حتى تخفي عنه وجهها جعله يقهقه عاليًا. _ ما هو بالحركات دي هتخلينا قاعدين في الأوضة. أزاحت الغطاء عن وجهها سريعًا.
خفق قلبه بإستمتاع ونظر إليها بنظرة زادتها خجلا، بتوتر رفعت غطاء الفراش عليها مجددًا. _ بتبصلي كده ليه! خرج تساؤلها بصوت خفيض، فاقترب منها وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة خفيفة. أسرعت بالإعتدال في رقدتها على الفراش وزادت دهشتها عندما وجدته ينحني نحوها ثم أخذ يمرر يده على أحد خديها.

_ هتعملي فيا إيه تاني يا “ليلى” والرد كان يحصل عليه منها بعبارة تآسر فؤاده. _ كلامك بيخلي قلبي يدق أوي يا “عزيز”. واسمه من بين شفتيها يزيده جنونًا بها ولهفة، وموعد الفطور الذي كان يضبط العم “سعيد” ساعته عليه، أصبح ليومين متتاليين وكأنه موعد غداء. _ نقول صباح الخير ولا مساء الخير يا بيه. هتف بها العم “سعيد” بسعادة عندما رآه يهبط الدرج بوجه مشرق، فابتسم “عزيز” قائلًا: _ مساء الخير يا راجل يا عجوز.

اتسعت ابتسامة العم “سعيد” وتهللت أسارير وجه وتساءَل بمكر. _ فين ست العرايس مش عوايدها تتأخر كده في الصحيان. ارتفع حاجبين “عزيز” ونظر إليه ضاحكًا. _ أه منك يا راجل يا عجوز. دمعت عينين العم “سعيد” من فرحته ثم احتضنه. _ عيني عليك باردة يا ابن الناس الطيبين، الحمدلله إني عيشت لليوم ده ثم ابتعد عنه حتى يُدقق النظر بملامح وجهه. _ أول ما شوفت “ليلى” قولت الفرح جاي معاها. ابتسم عزيز وربت على كتفيه.

_ كنت بتدعيلي من قلبك يا راجل يا طيب. افتر ثغر العم “سعيد” عن والتمعت عينيه بسعادة.
_ الحمدلله عشت وشوفت اليوم ده، عقبال ما أشيل سالم الصغير وأربيه على أيدي. خفق قلب “عزيز” بشوق لتلك اللحظة التي ستخبره فيها “ليلى” بحملها. صدحت ضحكات “عزيز” بقوة هذه المرة عندما لطم العم “سعيد” على صدره وركض من أمامه نحو المطبخ. _ يا خبر يقطعني واقف بتكلم معاك ونسيت الأكل اللي عملته مخصوص ليك. _ قولي الأول عملتلي أكل إيه مخصوص يا راجل يا عجوز.

وقفت “كارولين” أعلى الدرج تستمع إلى صوت ضحكاته لتغلق عينيها مع خروج تنهيدة حارة من شفتيها. _ إنه يزداد وسامة كل يوم، حتى ضحكته جميلة.
… اقترب “صالح” منها بالأغراض التي يحملها على يديه، وتساءل. _ محتاجين حاجه تانيه. لم ترد عليه بل استمرت بالتحديق به، فضاقت حدقتاه بحيرة. _ بتبصيلي كده ليه؟ _ شكرًا..

هتفت بها ثم التقطت منه الأشياء التي يحملها، فابتسم وتحول لطفل صغير يحاول إرضاء والدته ولأول مرة يتأكد أن كلمة واحدة ربما تغني عن مِئَة حديث.
كانت سعيدة وهي تراه يعامل “عُدي” بلطف ويشتري له مثلما يشتري لـ “يزيد” بل ويسأله عن الأشياء التي يفضل رسمتها على أدواته المدرسية.
وكلما كان يستدير جهتها حتى يسألها عن الأغراض التي تريدها كان يجدها تنظر إليه بنظرة هادئة لا يستطيع تفسيرها لكنها تشعره بالسعادة.
…. _ “سعيد” قالي إنك عايزنى يا “عزيز” بيه.

تنهد “عزيز” وأشار إليها أن تجلس. _ اقعدي يا “عايدة” وبلاش “عزيز” بيه لو كنت بتقبلها زمان فدلوقتي لأ. _ مينفعش يا “عزيز” بيه ، المقامات محفوظة. _ لا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تمتم بها “عزيز” ثم أطرق رأسه.
_ مقامات إيه بس المحفوظة، ده انتوا ليكم جميل فوق راسي.. كفاية وقفتوا معايا السنين ديه كلها. ابتسمت “عايدة”، فأبتسم وأدرف بصوت رخيم يحمل إمتنانًا. _ ده غير طبعًا “ليلى”، انتوا أهلها وأهلها فوق راسي.

_ ربنا يكرم اصلك يا “عزيز” بيه. حرك ” عزيز” رأسه بيأس، فأسرعت “عايدة” قائلة:
_ مهما حاولت تخلينا نتعود نشوفك بالصورة الجديدة مش هنعرف، ده محتاج زمن صدقني. _ خلاص يا “عايدة” مش هعترض على النقطة ديه لكن ليا رجاء عندك اتمنى متاخدهوش بحساسية. اخفضت” عايدة” رأسها، فاشاح وجهه وأخرج زفيرًا طويلًا وحاول أن يرتب كلماته لتنظر إليه وعلى محياها ارتسمت ابتسامة صغيرة. _ أنا عارفه أنت عايز تقول إيه يا “عزيز” بيه ، من بكره هتيجي بنت تانية تساعد “ضحى”… جيه الوقت اللي المفروض أرتاح فيه فعلًا.

شعر “عزيز” بالضيق من نفسه عندما أستمع لنبرة صوتها الحزينة، فنهضت معتذرة منه. _ عن أذنك. أرادت الذهاب إلى المسكن حتى تختلي بنفسها قليلًا لكن ظهور “ليلى” أمامها جعلها تبتسم وقد تحركت “ليلى” إليها بلهفة. _ ريحة الأكل تجنن في المطبخ، امتى عمي و “شهد” هيجوا عشان ناكل سوا؟ توترت “عايدة” ورفعت يديها تربت بهما على خديها.
_ هو إحنا كل يوم هنقعد ناكل معاكم. _ خلاص نيجي أنا و “عزيز” نتغدا معاكم النهاردة، إيه رأيك يا “عزيز”؟

نهض “عزيز” من على المقعد الجالس عليه بالحديقة واقترب منهن. _ وفيها إيه لما نتجمع كل يوم كــ عيلة واحدة على الغدا يا “عايدة”. ضغط “عزيز” على أحرف كلمة ” عائلة” لأنه بالفعل يراهم هكذا ولا يريد لهم إلا الراحة وحفظ مكانتهم. وأجتمعت الأسرة لليوم التالي على طاولة طعام واحدة وأدركت ” عايدة”مقصد “عزيز” من وراء أن تأتي فتاة أخرى لخدمتهم، فعندما اقتربت منهم بوعاء الشربة، نهضت “ليلى” من على الطعام وأسرعت إليها حتى تلتقط منها الوعاء ثم أخذت تسكب للجميع بـ الأطباق ليرمقها “سيف” بنظرة لم تنتبه عليها “ليلى” لكن عينين “عايدة” التقطتها.
….

فتحت “أشرقت” الرسالة التي أرسلها إليها “مراد” بلهفة وكان محتواها إنه عاد من سفريته وينتظرها بالشقة. ترددت في بداية الأمر لكن بعدما أتتها الرسالة الأخرى حسمت قرارها وقررت الذهاب إليه.
شعرت بالأختناق عندما وقفت أمام باب الشقة ثم دست المفتاح به ودلفت.
بخطوات ثقيله تحركت وأخذت تهتف باسمه. _ “مراد”.. ظهر إليها “مراد” وهو يحمل بيده كأس من الخمر واقترب منها. _ حببتي وحشتيني… صدمها ما قاله ، فآخر مرة تقابلوا فيها تشاجروا وقد جرحها بحديثه الذي مازال صداه يتردد داخل أذنيها.
حضنها وأرد تقبيلها، فدفعته عنها بضيق.

_ دلوقتي وحشتيني، طبعًا بعد ما بابا بعت ليكم الشبكة وحسيت إني هضيع منك رجعت. حدجها وهو يترنح ثم عاد يرتشف من الكأس الذي بيده. _ أنا سفرت شغل يا حببتي وأول ما رجعت طلبت نتقابل … خلينا نحدد ميعاد الجواز. ضاقت حدقتاها للحظات، فاقترب منها.
_ انسي كل الكلام اللي قولته. تغيره المفاجئ جعلها تقف أمامه مندهشة لتشعر بيديه تتحرك ببطء على جسدها، فارتجفت وأسدلت جفنيها. _ إيه رأيك نتجوز أول الشهر الجديد. لغت عقلها ولفت يديها حول عنقه وصاحت بفرحة.

_ بجد يا “مراد”.
_ بجد يا عيون وقلب “مراد”. وببضعة كلمات ومهارات يمتلكها جعلها للمرة الثانية تقضي ليله أخرى في حضنه وكان حريصًا تمامًا على تكرير العلاقة بينهم هذه الليله لعلها تُثمر بشئ سيكبلها به ويخضعها أكثر إليه.
……
نظرت إليه “زينب” بسعادة، فهو صدق بكلامه وقام بفرش الجزء الأخر من الشقة التي ضموها لشقتهم. نظرتها السعيدة نحو هذا الأمر أضاعت الأمل الذي شعر به معها ليلة أمس. _ مش هقدر أنقل كل حاجتي هناك…

ثم أسرع بتوضيح السبب الذي اقتنعت به. _ لو حد جيه يزورنا من أهلك أكيد هيشكوا في علاقتنا كأزواج. _ عندك حق. ابتسم عندما أستمع لردها، فغمز لصغيره حتى يُنفذ ما اخبره به. _ “زوزو” غمضي عينك، بابي عملك مفاجأة حلوه. استدارت “زينب” نحو “يزيد”، فأشار الصغير نحو عينيها حتى تغلقهما.. واليوم كان بالنسبة لها يوم المفاجأت، مكافأة حصلت عليها من المعهد الذي تعمل به، وفرش أثاث الشقة وها هي المفاجأة الأخرى التي اخبرها بها الصغير.

_ إيه رأيك؟ تقابلت عيناها بعينيه بعدما سألها لتدور حول نفسها بتلك الغرفة التي تم فرشها بكل الوسائل التي ستساعدها على تحضير دروسها والأسترخاء فيها. _ أنت عملت كل ده أمتى؟ قالتها “زينب”وهي تقترب من أرفف تلك المكتبة التي أحتوت على بعض الكتب ثم أتجهت نحو كرسي الأرجوحة المزدوج وجلست عليه. _ مش مهم عملت ده كله امتى، المهم عندي إن المفاجأة عجبتك يا “زينب”. نظرت حولها ثم اتسعت ابتسامتها. _ عجبتني اوي الاوضة، ديه تشبه أوضة أحلامي.
وبروح طفلة سعيدة اندفعت إليه وعانقته.

_ شكرًا يا “صالح”. وكلمة الشكر هذه المرة رافقتها قبلة أمتنان وضعتها على خده. وبعد تلك الليلة التي سهر فيها ثلاثتهم مستمتعين بالأثاث الجديد، أتى هذا الصباح الذي تحولت فيه ابتسامتها للنقيض عندما رأت رسالة “جيلان” التي ذكرتها بأمر شقة والدها.
تحول نشاطها لفتور وأنشغلت عن الصغير وأخذت تفكر في أمر المال.
لم يقطع تفكيرها الطويل بهذا الأمر إلا قدوم “حورية”. _ كنت قريبة منكم قولت أجي أشوف حبيب قلبي.
ركض الصغير إليها، فأسرعت بضمه.

_ ليه تعبت نفسك يا طنط.
قالتها” زينب” وهي تنظر نحو عُلبة الحلوى التي تُفضلها. _ عارفه إنك بتحبي البسبوسة بالقشطة يا “زوزو”. ابتسمت “زينب” لتذكرها أمر كهذا بل جاءت بها من أفضل متاجر الحلويات.
قبلتها “زينب” على كلتا وجنتيها ثم عانقتها بود.
_ شكرًا يا طنط… لم تُعلق “حورية” على أمر فرش الشقة الأخرى إلا بالمدح وإنها كانت فكرة صائبة عندما قاموا بشرائها. _ تسلم ايدك يا حببتي.
قالتها حورية” بعدما انهت آخر رشفة من كأس العصير.

لم تعرف” حورية” كيف تبدء بالكلام لتتساءل” زينب”. _ هي الشبكة في المزرعة وحشه يا طنط، أصلي مش عارفه اتواصل مع جدو. ردت “حورية” وقد وجدت أخيرًا ما يستطيعون الحديث فيه قليلًا.
_ أه يا حببتي.

اخذت” حورية” تخبرها عن المزرعة والأجواء بها واقترحت عليها أن تقضي بها عطلة منتصف العام لكن “زينب” لم تتحمس لمعرفتها بوجود الجد “شاكر” هناك.
ومع إستمرار حديثهم عن العائلة والذكريات تعمدت” حورية” أن تذكر أمامها أن بعد أيام سيكون عيد ميلاد “صالح” ثم وصفت لها بحنين شعورها كأم عندما حملته بين ذراعيها لأول مرة وضمته لحضنها، أخبرتها بالكثير من التفاصيل عن طفولته وأعطتها بعض الصور الخاص به لكنها غفلت تمامًا أن تخبرها بتلك الذكرى التي صار يحملها هذا اليوم، فمنذ وفاة “سارة” وأصبح أكثر الايام قتامة بالنسبة له ، يوم يكره تذكره بل ويختفي فيه نائيًا نفسه بعيدًا عن الجميع.

_ هو بيحب يحتفل بعيد ميلاده يا طنط. انفلت هذا السؤال من شفتي “زينب”، فتهللت أسارير “حورية” وبرقت عينيها بسعادة. _ لو منك أكيد هيحب يحتفل بي. ارتبكت “زينب” واطرقت رأسها خجلًا، فحديثها أَحْيا داخل قلبها شعور صارت تخاف منه ، ربتت “حورية” على يدها. _ احتفلوا بي انتوا التلاته. تعلقت عينين “زينب” نحو يزيد” الذي أندمج في تلوين رسمته. _ اتأخرت على مشواري، الكلام ديما بياخدني معاكي.

نهضت” حورية” ثم ضمتها لحضنها بحنان وغادرت وقد توهج الأمل في عينيها.
اِلتهت زينب بعد ذلك في أمر شراء شقة والدها الذي لا تملك لشرائها إلا نصف المبلغ لكن إقتراح حماتها كان يدور داخل رأسها، هي تُريد أن تشكره على ما فعله لها… ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ. الفصل الرابع والسبعون انتشر خبر قدومه اليوم إلى المصنع الجديد الذي لم يتم الإحتفال بإفتتاحه رغم بدء الإنتاج به، جميع العاملين ترقب مجيئه واستعد لتهنئته إلا هي قررت الانزواء بنفسها.

أغلقت “أميمة” ورائها باب المرحاض الخاص بعاملين المصنع ثم وضعت يديها على أذنيها حتى لا تسمع أصواتهم بالخارج. _ “عزيز” بيه وصل يا جماعه. قالها أحد العاملين حتى يستعد كل من رغب بتقديم التهنئة إليه. وضعت يدها هذه المرة على شفتيها بعدما شعرت بحاجتها إلى البكاء، فـ اسمه وحضوره مازال له وَقْع عليها. _ فوقي يا “أميمة” خلاص ده بقى راجل متجوز، هتفكري فيه إزاي، أه يا قلبي ليه بس اختارت الشخص الغلط. مررت يدها على قلبها لعله يرجع لسلامه وصموده مرة أخرى ثم أطلقت زفيرًا طويلًا من بين شفتيها.

أخذت نفسًا عميقًا و رفعت كتفيها المتدليين ثم تحركت نحو حوض المياة واستندت على حافتيه للحظات تُردد لنفسها. _ هتقدرى يا “أميمة”، هتقدري تتجاوزي وجوده.. فكري في بنتك أنتِ متملكيش رفاهية الحب دلوقتي ولو سيبتي المصنع هنا مش هتلاقي فرصة شغل كويسة، أيوة خدي نفس عميق وارجعي لنفسك من تاني…
… استقبل “عزيز” تهنئة العاملين وهو يتحرك بينهم بوجه بشوش، سمعته كانت تسبقه دائمًا في بساطته وتعامله اللطيف. أطربت أذنيه تلك الدعوات التي قالها البعض وتسللت إلى قلبه العطش لسماعها.

_ شكرًا ليكم. هتف بها “عزيز” بعدما توقف عن السير ودار بعينيه بينهم ثم أردف بصوت جَهْوري. _ بشكركم من قلبي حقيقي وإن شاء الله هتنضاف مكافأة لرواتبكم. تعالت الأصوات فرحًا لهذا الخبر، فابتسم “عزيز” -العم- الذي صار يعمل بهذا المصنع مشرفًا. انسحب “بسام” من بين العاملين وتحرك قاصدًا الطابق الذي يعمل به وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة ساخرة عندما تذكر السبب الذي كان وراء نقله لهذا المصنع. تنهيدة عميقة خرجت من صدره، فهل كان “عزيز الزهار” يظنه خَصْمًا أمامه ويستطيع الفوز عليه، فـ “ليلى” لم تنظر إليه سوى ڪ زميل عمل.

خرجت شهقة متألمة من بين شفتي “أميمة” وتراجعت إلى الوراء بعدما اصطدمت به، فأسرع “بسام” برفع رأسه ليتفاجئ من وجود تلك الزميلة الصامتة وقد نعتها بهذا الاسم لقلة كلامها. _ آسف، آسف بجد مأخدتش بالي. تمتم بها وهو يخلل أصابعه في خصلات شعره ثم تساءَل بحرج. _ أنتِ كويسة؟ أومأت “أميمة” برأسها إليه وهي تُدلك جبينها. _ حصل خير، عن اذنك. تحركت من أمامه مُتجِها نحو الغرفة التي تعمل بها دون التفوه بكلمة أخرى، فأخذ يهز رأسه بإستنكار ثم دخل الغرفة التي تجاورها مغمغمًا بصوت خفيض.

_ الزميلة الصامتة!!
… ارتخى “عزيز” بجلوسه على مقعده المريح وراء طاولة مكتبه بعدما غادر أخر فرد -من مدراء الأقسام- غرفة مكتبه. استند بظهره إلى ظهر مقعده و أخذ يدور به وقد داعبت شفتيه ابتسامة صغيرة بعدما تسلل إلى عقله مشهد تدليلها له بالصباح حتى ينهض ويذهب إلى عمله. _ يا ترى بتعملي إيه في غيابي؟ خرج هذا السؤال من بين شفتي “عزيز” ثم التقط الهاتف حتى يُهاتفها. _ “ليلى” ، “ليلى”.. أبيه “عزيز” بيرن عليكي.

هتفت بها “شهد” بصوت عالي، فأسرعت “ليلى” بترك السكين الذي كانت تقطع به حبات الفاصوليا الخضراء. _ براحة يا حبيبتي. قالتها “عايدة” بابتسامة ثم تنهدت وأكملت تقطيع الفاصوليا. التقطت “ليلى” الهاتف من “شهد” وابتسمت ثم ابتعدت قليلًا حتى تستطيع التحدث. _ كل ده عشان تردي يا “ليلى” ، مش قولتلك خلي التليفون في ايدك دايمًا. _ معلش يا “عزيز” كنت قاعده مع مرات عمي والتليفون كان في أَوضة “شهد”. تلاشى العبوس عن وجهه وعاد الشوق يتلألأ بعينيه.

_ وحشتيني. توردت وجنتيها خجلًا وأطرقت رأسها وبهمس خافت تمتمت. _ لحقت أوحشك في الكام ساعه دول. تنهد “عزيز” وتوقف عن الدوران بمقعده. _ أنا لأول مرة في حياتي ميكنش ليا نفس للشغل وعايز ارجع للبيت جري. تسارعت دقات قلبها واستدارت بجسدها، فوجدت “شهد” تقف ورائها وتسترقي السمع. _ “ليلى” أنا خلاص أخدت قراري وراجع البيت. أنهى “عزيز” المكالمة ثم أسرع بإلتقاط سترته وغادر غرفة مكتبه. نظرت “ليلى” إلى الهاتف بعدما انقطعت المكالمة، فتراجعت “شهد” إلى الوراء بإرتباك.

_ صوتك كان واطي أوي ومسمعتش أي كلمة. غمغمت بها “شهد” ثم هربت من أمامها ليتعالا صوت “عايدة”. _” شهد” كفاية قاعد على التليفون وتعالي ساعديني. هزت “ليلى” رأسها ضاحكة من أفعال “شهد” وعادت إلى زوجة عمها وقد شعرت بالحرج من إخبارها أن عليها العودة إلى الڤيلا قبل قدوم “عزيز”. تركت “عايدة” ما بيدها ونهضت قائلة: _ اقوم اعمل لينا كوبايتين شاي. _ خليهم تلاتة يا “عايدة”. قالها العم “سعيد” وهو يدلف من باب المسكن وعلى محياه ارتسمت ابتسامة سعيده ثم واصل كلامه.

_ وسبيني شويه على إنفراد مع “ليلى”، ده أنا مصدقت “عزيز” بيه فك الحصار من عليها. ارتفعت ضحكات “عايدة”، فأسرعت “ليلى” نحو المطبخ لتعد لهم أكواب الشاي. _ أنا هعمل الشاي. ضحك العم “سعيد” على هروبها ونظر نحو “عايدة”. _ دي لسا بتتكسف. واستطرد قائلًا وهو مازال يضحك. _ لأ ده أنا رايح وراها المطبخ عشان أكسفها اكتر واشوف خدودها اللي بتحمر. _ بلاش تحرجها يا “سعيد”
…

أخفض “مازن” رأسه سريعًا بعدما تلاقت عيناه بعينين والدته التي أخذت تخبر الصغير أن يقص له عن اليوم الذي قضاه برفقة عائلة “يزيد” والأشياء التي اشتروها له. اعتصر الآلم فؤاده كأب وهو يرى سعادة صغيره بهذه الأشياء ويحكي له بحماس عن تفاصيل هذا اليوم. _ أنا بحب طنط “زينب” وعمو “صالح” أوي يا بابي ونفسي يكون عندي ماما زي طنط “زينب”. هَـز كلام صغيره قلبه، إنه يكررها للمرة التي صار لا يعرف عددها منذ أن دخلت “زينب” حياتهم.

_ “عُدي” خد حاجتك يا حبيبي وحطها في أوضتك. قالتها جدته السيدة “أسمهان”، فأسرع الصغير بحمل أغراضه واتجه بها إلى غرفته. أشاح “مازن” وجهه عن نظرات والدته المترصدة لردة فعله، فأطرقت رأسها وتنهدت بحزن على حاله. _ وبعدين يا حبيبي هتفضل لحد امتى كده؟ فكر في ابنك شويه… انا مش هعيش ليكم واختك قربت تتجوز ومبقتش حتى فاضية لأبنك وأنت أغلب الوقت بقيت مسافر.. حرام عليك ابنك يا بني ليه تخليه يبص على حياة صاحبه ويتمناها..

_ صاحبه محظوظ، تفتكري هو هيكون محظوظ زيه..ابوس ايدك يا أمي كفايه، كفايه بجد. صرخ “مازن” ثم جلس قُبالتها و وضع رأسه بين يديه. _ ياريت ما كنت وافقت على اقتراح مديرة المدرسة وقربت ابني منهم، أنا بفكر انقل ابني من المدرسة. _ أياك، أياك يا “مازن”.. صاحت به ونهضت من على الأريكة الجالسة عليها واقتربت منه. _ الحمدلله دروس الرسم وقفت لفترة، اهو على الاقل بنخفف ترابط الولد بعيلة صاحبه شوية لكن تنقل الولد من المدرسة كده أنت بتدمره.

رفع “مازن” رأسه إليها بعدما شعر بيدها على رأسه ، نظرته لها أرجفت قلبها كأم… دمعت عيناها وأخذت تمرر كفوف يديها على وجهه. _ هتفضل واجع قلبي عليك لحد امتى؟ نفسي أشوف مرتاح. _ ادعيلي يا أمي، ادعيلي. خرج صوته بتحشرج، فاحتضنت رأسه. _ بدعيلك يا بني بدعيلك والله بس عشان خاطري افتح قلبك من تاني وفكر في موضوع الجواز… مين عالم يمكن تلاقي واحدة زي “زينب”. وكيف له أن يهرب من امرأة تُحاصره بحضورها في كل مكان؟!!

ليته يجد شبيهتها، ليته يكون محظوظً مثل “صالح”.
…. ابتلعت قطعة الكعك التي تلوكها بفمها فور أن رأت اسمه يُضئ شاشة هاتفها، نظرت لها “عايدة” بإستغراب وتوقف العم “سعيد” عن مزاحه وتساءَل بحيرة. _ مالك يا “ليلى”، اتنفضتي كده ليه. _”عزيز” قالتها وهي تضع الطبق الذي تحمله على الطاولة ثم أسرعت بالنهوض واتجهت نحو الشرفة التي تطل على باحة المنزل الأمامية حتى تتأكد من قدومه. _ “عزيز” بيه مبيرجعش دلوقتي. تمتم بها العم “سعيد” ثم حدق بذهول نحو السيارة التي خرج بها هذا الصباح.

_ معقول “عزيز” بيه رجع بدري، مش عادته إنه يجي في الوقت ده إلا لو كان تعبان… كادت أن تخبره أنه بخير لكن العم “سعيد” أسرع بخُطواته نحو الڤيلا قلقً، فتحركت ورائه بعدما ودعت زوجة عمها. داخل الڤيلا….. كان “عزيز” يهبط الدرج وهو ينظر إلى هاتفه. _ هل أنت بخير سيد “عزيز”؟ قالتها “كارولين” وهي تربط رباط مئزرها حول جسدها، ليرفع “عزيز” عينيه عن الهاتف. امتقعت ملامح وجهه بغضب وأشاح وجهه عنها. ارتبكت من تلك النظرة التي رمقها بها وهتفت وهي تتحرك جهته.

_ لم يكن أحدًا بالڤيلا فقررت السباحة… وأردفت بصوت خافت دون أن تبعد عيناها عنه. _ بالتأكيد أنت تُريد “ليلى” هناك في .. لم يتركها “عزيز” لتواصل كلامها بل تحرك ليُغادر الڤيلا. توقف بالخارج يزفر أنفاسه بضيق.. فكم مرة حذر ابن أخيه من أمور كهذه. _ استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم. _ إيه اللي رجعك بدري يا “عزيز” بيه فيه حاجه تعباك والله أنا قولت لازم عينك تصيبك. خرج الكلام من فم العم “سعيد” دفعة واحده ثم أخذ يلتقط أنفاسه ليختفي التجهم من ملامح “عزيز” و يبتسم إليه.

_ خد نفسك يا راجل يا طيب، ما أنا واقف قدامك بخير. اقترب منه العم “سعيد” بلهفة حتى يتأكد بنفسه، فضحك “عزيز” عندما وجده يضع يده على جبينه. _ مش سخن ولا حاجه، أنا قولت عين وصابتك يا بني وأولهم عيني ما أنا فرحان بيك وقلبي مش مصدق إنك اتجوزت. أخذ “عزيز” يُحرك رأسه وقد ظَنّ العم “سعيد” أنه يفعل ذلك تأكيدًا على كلامه. _ هجيب المبخرة وابخرك. تقابلت عينين “عزيز” بعينين “ليلى”، فاقتربت منهم بإرتبارك.

_ حمدلله على السلامه، مكنتش فاكرة إنك هتيجي بسرعة. رمقها “عزيز” بصمت، فازداد توترها…، فاستدار العم “سعيد” إليها وهتف بلوم. _ يا بنتي الواحده تجري على جوزها تشوف ماله في إيه مش تقوله رجعت بسرعة، متزعلش يا بني هي لسه صغيرة برضو وبكرة تتعلم. ثم واصل كلامه وهو يتحرك إلى الداخل. _ أنا هروح المطبخ احضر البخور. _ أنا كويس يا راجل يا طيب بس محتاج ارتاح شويه، “ليلى” من فضلك حصليني. لم يجادل العم “سعيد” كعادته وأسرع بدفع “ليلى” التي وقفت مكانها لا تستوعب الدور الجديد الذي صارت عليه الآن.

_ اطلعي يا بنتي ورا جوزك متخليهوش يستنى كتير. تحركت “ليلى” ورائه بعُجالة ثم توقفت بالممر الذي يأتي بنهايته غرفتهم. تراجعت “كارولين” وتوارت بجسدها بعدما استدارت “ليلى” بجسدها. أكملت “ليلى” سيرها نحو الغرفة ثم توقفت مجددًا لترتب الكلام الذي ستخبره به وتبرر له عدم وجودها بالمنزل قبل قدومه. وجدت “عزيز” يجلس على الفراش، فأغلقت الباب واقتربت منه. _ كنت فاكره إني هسمع صوت عربيتك أول ما توصل… أشاح “عزيز” وجهه عنها، فتنهدت وجلست جِواره. _ اول ما رنيت عليا جيت بسرعه.

نظر إليها بعدما تمالك شعور الغضب الذي تملكه لحظة رؤيته لــ “كارولين”. _ مش شايف لهفتك يا “ليلى” رغم إني سايب شغلي عشانك. _ طيب ممكن متزعلش وأنا مش هكررها تاني. تنهد بقوة ثم نهض من جوارها واتجه نحو الغرفة الصغيرة الجانبية حتى يبدل ملابسه. _ حصل خير. رده المقتضب جعلها تتأكد أنه غاضب منها، فنهضت سريعًا واتجهت إليه حتى تساعده في تبديل ثيابه. _ قولي عملت إيه النهارده من ساعة ما خرجت. تساءَلت بها وهي تزيل عنه سترته، فعقد ما بين حاجبيه وتمتم بحنق طفولي.

_ يا سلام، دلوقتي بتسأليني لكن ارجع الاقيكي مستنياني… وضعت يدها على شفتيه حتى لا يُكمل بقية كلامه. _ خلاص بقى يا “عزيز” بلاش قلبك يكون اسود. _ أنا قلبي اسود. ردت سريعًا دون تفكير. _ أه قلبك أسود. تظاهر “عزيز” بالصدمة من ردها وزم شفتيه بعبوس. _ غلطتين النهاردة يا حبيبتي ولازم تصالحيني عشانهم. والصلح لا يكون إلا بالطريقة التي يستطيع فيها ترجمة رجولته إليها…

الرضى كان يرتسم على شفتيه وهو يراها تنظر إليه بتلك النظرة التي تسعده بعد جولة من العشق. تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه عندما وجدها تضع رأسها على صدره وتخبره بسعادتها لأنها تزوجت رَجُلًا جميلًا مثله… غفت في حضنه ليشعر بثُقل شديد داخل صدره، إنها نيران الماضي والخوف من المستقبل. _ سامحيني يا “ليلى”، سامحيني إني عايز اقفل عليكي حدود مملكتي…
… التقطت” زينب” هاتفها بعدما ارتفع رنينه، فحدقها الصغير لتبتسم له ثم ربتت على رأسه بلُطف.

_ كمل حل الهوم ورك بتاعك وأنا هدخل اعمل مكالمه ورجعالك يا حبيبي. هَـز “يزيد” رأسه إليها، فتحركت صوب غرفتها وردت سريعًا.

انت في الصفحة 12 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى