_ هخرج اكلمها بره لأن الشبكة هنا وحشة.
… زفرت “زينب” أنفاسها بإرتياح وهي تستند بكلتا يديها على طاولة المطبخ بعدما اطمنت من “نيرة” أن جميع من حضرن ليلة الحنة الخاصة بهن تركن هواتفهن معها إلا “سما” وهي فقد اتفقن على تصويرها هي و “ليلى” وكل منهن كان لديها هدف وقد التقطت أعيُن -حماتها- السيدة “حورية” محاولتهن في إلتقاط بعض الصور وطلبت منهن أن تصور زوجة ابنها وبالتأكيد لم تستطيع رفض طلبها… ليتساءَل “صالح” بعدما سمع المكالمة.
_ على فكرة غضبي كان من خوفي عليكي، مكنتش قادر اتخيل إن ممكن صور أو أي ڤيديو يكون على تليفون حد تاني. وبصوت هادئ أردف. _ تعالي كملي أكلك واوعدك بكره افكر لنفسي في عقاب تعاقبيني بيه. استدارت جِهته بملامح متجهمه ليبتسم لها. _ الولاد بره وأي ردة فعل دلوقتي مش هيكون لطيف.
ازدادت ملامح وجهها احتقاناً لتخرج نبرة صوتها بغضب. _ هو حد قالك قبل كده إنك مستفز وبارد. اتسعت ابتسامته بمرح توهجت معه ملامحه.
_ مستفز لا بصراحة لكن بارد كتير. وفجأة اختفت تلك الابتسامة التي كانت تُزين ثغره. _ أنا مكنتش كده يا “زينب” أو نقدر نقول حاولت مكنش بالصورة ديه لكن غصب عني. وارتفعت أحد زاويا فمه باستنكار. _ طفولة ومراهقة مشوها وأخرها جوازي من بنت عمي، أنا للأسف كنت تميمة حظك السيئ. استدار بجسده حتى يُغادر المطبخ لتهتف بتساؤل يحمل فضولها عن زواجه من ابنة عمه التي كانت مريضة. _ أنت اتجوزت “سارة” أزاي، وهي يعني كانت من ذوي الاحتياجات.
وبتعلثم أردفت بذلك السؤال الذي رَاوَدَ عقلها كثيرًا. _ وأزاي خلفت منها “يزيد” ، أزاي جالك قلب تعمل فيها كده؟ يتبع… ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ. الفصل السادس والستون سؤالها عن زيجته من ابنة عمه أَحيْا داخله ماضي لم تندمل جروحُه، ماضي كلما حاول الهرب منه وجد حقيقته في أعيُن صغيره. أطْبَقَ جفنيه وبرزت عروق يديه من شدت قبضته عليهم وقد عادت صورة “سارة” تقتحم ذاكرته وهي ملقاه أرضًا وملطخة بدمائها وصغيره يجلس قُربها يبكي وفي يديه نفس الحلوى التي دهستها عجلات السيارات.
ثقلت أنفاسه وشعر وكأنه يعيش نفس اللحظة بمرارتها وقسوتها. حدقته “زينب” بنظرة طويلة ثم ازدردت لعابها ببطء وبحيرة قالت بعدما شعرت برغبة قوية في معرفة ما كان لها الحق في معرفته قبل زواجهم. _ طنط “حورية” قالتلي إنها ماتت في حادثة وكان معاها “يزيد” اليوم ده. وبحرقة أردفت. _ لو كنت مهتم بيهم مكنتش اخدت طفل عمره سنتين للشارع، حرام عليكم ظلمتوها وظلمتوا “يزيد”. تعالت وتيرة أنفاسه وشدد من غلق عينيه وقد عادت تلك الأصوات البعيدة تخترق رأسه.
« ماتت، ابعد عنها يا استاذ خلينا ناخدها» « الولد ده كان معاها، أنت تعرفهم يا بيه» « كانت بتعدي الشارع والعربية خبطتها، لولا ستر ربنا العربية كانت خبطت الولد كمان معاها» « لا حول ولا قوة الا بالله، ديه كانت لسا واخده مني حلاوة غزل البنات وكان في ايدها بلالين فرحانه بيهم… بس شكلها مكنش طبيعي… يعني تحس من الناس اللي عقلها على قدها والولد ده كان في ايدها، ده أنا قولت خطفاه بس يا باشا من شكلهم النضيف، فاستبعدت ده حتى سألتها عن اسمها فقالت اسمي “سارة” وهي بتاخد الحلاوة ديه عشان عيد ميلاد واحد اسمه “صالح”
« “صالح” بيه، الحادثة قضاء وقدر، صاحب العربيه قال إنها كانت بتجري ورا قطة وهو بصعوبه قدر يتفادى الولد » ضاقت حدقتي “زينب” وهي تراه جامد الحركة وقد شحبت ملامح وجهه، فخرج صوتها هذه المرة مهزوزًا. _ “صالح” أنت سمعني؟ لم يفتح عينيه بل وبرزت عروق عنقه أيضًا ليرتجف قلبها وتنظر إليه بقلق وهي تُردد. _ “صالح” لو أنت سمعني قول، “صالح”. تسارعت دقات قلبها من شدة الخوف واقتربت منه بتردد لتضع يدها على ذراعه وتهمس بصوت خفيض.
_ “صالح” ، ممكن ترد عليا. صوتها انتزعه من ظُلمة الذكريات ليفتح عيناه فجأه بوهج غريب جعلها تتراجع إلى الوراء. ازدادت آلامه عندما رأى الخوف واضح على ملامحها لينظر إليها نظرة خاوية سُرعان ما تحولت لنظرة إحتياج لم تفهمها لكنها شعرت أن هناك حكاية وراء زواجه من ابنة عمه أو ربما وراء موتها. _ بابي، “زوزو” أنتوا واقفين هنا لوحدكم ليه. هتف بها الصغير “يزيد” عندما اندفع إليهم وأخذ يوزع أنظاره بينهم. نظرت “زينب” نحو الصغير وقد انحس الكلام في حلقها. تلاقت عيناها بعينين “صالح” ليخرج صوتها أخيرًا وتحركت نحو الصغير قائلة:
_ تعالا إحنا نسبق بابي يا “يزيد” عشان “عُدي” ميفضلش لوحده. هَـز لها الصغير رأسه ثم تحرك معها لتلتف برأسها جهته وترمقه بنظرة سريعة قبل أن تُغادر المطبخ. تنهيدة طويلة وعميقة خرجت من صدر “صالح” ليقترب على الفور من طاولة المطبخ ويستند بكلتا ذراعيه عليها. استمر لبعض الوقت يطلق زفراته التي احتلتها المرارة إلى أن استطاع أخيراً العودة إلى صوابه. شعر بجفاف حلقه ليتحرك نحو البراد ويلتقط من داخله زجاجة الماء وأخذ يتجرعه دفعة واحدة.
حاولت “زينب” الإندماج مع ثرثرة الصغيرين لكن تركيزها كان معه. _ “زوزو” الفيلم ده وحش. تمتم بها “يزيد” لتنظر إلى جهاز التحكم الخاص بالتلفاز الذي يمده لها حتى تستبدل القناة، نفضت رأسها بخفه والتقطت منه. _ آه، خلاص نشوف حاجه تانية. بذهن شارد أخذت تُقلب بين القنوات إلى أن استقرت على قناة تعرض أحد أفلام الكرتون. عيناها عادت لتُحدق نحو الطرقة المؤدية للمطبخ بترقب إلى أن وجدته يغادره. أشاحت بوجهها عنه بسرعه حتى لا يلتقط فعلتها وقد ظنت أنه سينضم إليهم لكن بعد مرور الدقائق زفرت أنفاسها بحنق.
انْقَضتِ السهرة بدونه وقد تسلل صوتها إلى أذنيه وهي تهتف بالصغيربن أن يذهبون إلى الحمام أولًا حتى يقومون بتنظيف أسنانهم وسوف تلحق بهما بعدما تجلي الأطباق المتسخة. داعبت شفتي “صالح” ابتسامة صغيرة ثم أغلق عينيه وهذه المرة كانت صورتها وحدها بشقاوتها تُداعب مخيلته وبصوت خافت ردد اسمها. _ “زينب” وتأتي امرأة منفردة بخصالها لعالمك لتكون هي الحياة.
…
نظرت “ليلى” إلى يده الممدودة إليها بدهشة بعدما ارتفع نداء الرحلة المتجهة إلى العاصمة بانكوك. _ إحنا رايحين تايلاند!!
ابتسم “عزيز” وهو يومئ لها برأسه لتتسع ابتسامتها دون تصديق؛ فهو التقط من حديثها ذات مرة أن لديها رغبة قويه في زيارتها وعندما سألها عن السبب جوابها كان في كلمة واحدة أضحكته، فضول لا غير. _ الطيارة هتفوتنا يا “ليلى” وكده الرحلة هتضيع علينا وقضي فضولك ده مع المسلسلات. انتفضت من المقعد الجالسة عليه وأسرعت بالهتاف وهي تمسك يده. _ لا لا خلاص قومت اهو.. انفرج ثغر “عزيز” بإبتسامة واسعة وامسك يدها لتتعلق عيناها به بسعادة.
_ أنا بحبك أوي يا “عزيز”
…. فتحت “زينب” عيناها بصعوبة ثم عادت لتغلقهم وسحبت الغطاء عليها لكنها انتفضت من رقدتها بفزع عندما بدأت تنتبه على صوت “عدي” وطرقاته على باب غرفتها. ألقت الغطاء من عليها وهرولت نحو الباب لتفتحه بقلق. أصاب الذعر ملامحها وهي ترى “عُدي” يضع كلتا يديه على بطنه وقد احمرت وجنتيه بشدة. _ مالك يا “عدي”، فيك إيه…وشك ليه كده محمر؟ لم يُجيب عليها الصغير من شدة التعب لتنظر إليه وهي تُكرر أسئلتها التي لا تجد لها جواب منه غير التأوه ثم تمتم بصوت ضعيف..
_ أنا عايز بابي. ابتلعت “زينب” ريقها وأخذت تتحسس جبينه لتتسع حدقتيها ذعرًا. _ أنت سخن، طيب أنا هفكر بسرعه نعمل إيه… أيوه نروح المستشفى. أسرعت بالتحرك نحو غرفتها ثم أخذت تدور حول نفسها..؛ فهي حتى هذه اللحظة لم تفيق بالكامل من غَفْوتها. وضعت كلتا يديها على رأسها وسُرعان ما كان يخرج صوتها باسمه. _ أيوه ،”صالح”… هروح اصحيه بسرعه. اتجهت إلى غرفته دون طرقها وتحركت نحو الفراش بهلع أرجف جسدها بالكامل تهتف بصوت متقطع.
_ “صالح” أصحى بسرعه، “صالح” الولد تعبان. فتح “صالح” عينيه بأجفان مثقلة ثم ابتسم. _ “زينب” أنتِ طلعتي إزاي من الحلم. فتحت عيناها على وسعهما وقبل أن تستوعب ما قاله كان يجذبها إلى حضنه. _ “زينب” خليكي في حضني. كبلها بذراعيه لتصرخ وهي تدفعه عنها. _ اصحى يا “صالح” الله يخليك… الولد تعبان لازم ناخذه المستشفى. حدقها “صالح” بنظرة طويله وفجأة انتفض من فوقها ينظر إليها بفزع. بثياب بيتيه كان يتجه “صالح” نحو باب الشقة وهو يحمل “عدي” الذي وضع رأسه بإنهاك على كتفه.
_ “صالح” استنى مفتاح العربية نسيت تاخده. توقف “صالح” مكانه وهو يغمغم بتذمر. _ هاتي بسرعه، الولد حرارته عاليه. أعطته مفتاح السيارة وقبل أن يغادر من باب الشقة هتفت. _ أنت ماشي حافي يا “صالح”. أطلق “صالح” صيحة عالية حانقة وأسرع نحو مكان الأحذيه ليرتدي خُفه المنزلي. أغلقت “زينب” الباب ورائه ثم تحركت نحو أقرب مقعد وجلست عليه بعدما شعرت بعدم قدرتها على الوقوف. وضعت رأسها بين يديها وحاولت مرارًا أن تتوقف عن هَـز ساقيها.
_ “زوزو” ، فين “عدي”.. هو بابا اخده وأنا نايم؟ أخرج” زينب” من حالة الذعر التي هي فيها صوت “يزيد” الناعس لتحاول تمالك نفسها والنظر إليه. _ “عدي” تعب شويه يا حبيبي وبابا اخده المستشفى. حدقها بنظرة مذعورة واقترب منها لتجتذبه إلى حضنها قائلة: _ هيبقى كويس يا حبيبي و بعد ما الدكتور يطمن بابا عليه هيتصل بينا يطمنا. مرت هذه الليلة بصعوبة على “زينب” وقد غفى “يزيد” في حضنها ومن سوء حظها اكتشفت بعد اتصالات عدة به أنه لم يأخذ هاتفه معه.
….