_ كفايه كده، بدأت أحس بتحسن. لم يكن إنتباهه معها بل كان ضائع وحائر، يتساءَل داخله هل فعلت هذا من أجله أم هذا الشئ تفعله جميع النساء. عندما طال صمته، تحركت حتى تنهض من على الفراش لكنه كان أسرع منها والتقط ذراعها. نفض رأسه من ذلك الشعور الذي اجتاحه وبصوت متهدج خرج بصعوبه منه هتف. _ هو أنا لحقت يا “زينب”، اثبتي بس مكانك تمام. _ طيب بسرعه،”يزيد” بره وقاعد لوحده.
هَـزَّ رأسه ومَـازالت عيناه عالقة بما رسمته على كتفها ورغم أن موضع الآلم لم يكن عند الكتف إلا أنه تعمد أن يُمرر أصابع يده على تلك النقشة التي بدأ لونها يبهت. زفرة طويلة خرجت من بين شفتيّ “زينب” عندما أخبرها أنه انتهى. استدارت جِهته حتى تأخذ قميص منامتها من جِواره لكنه التقطه قبلها قائلًا بحزم. _ بيتهيألي إني اثبت حسن نيتي، فخليني من غير جدال اساعدك تلبسي التي شيرت. امتقاع ملامحها وتلك النظرة التي رمقته بها جعلته يرغب بالضحك.
_ تمت المهمه يا “زينب” هانم. _ شكرًا. ردها المقتضب لم يزعجه بل انفجر ضاحكًا. _ طيب وبتقوليها من غير نفس كده ليه. _ يعني عايزنى اقولها إزاي. هتفت بها ثم تحركت من أمامه لكنها توقفت مكانها وأطرقت رأسها أرضًا. _ قوليها زي ما بتقوليها لأي شخص عادي في حياتك يا “زينب” ولا أنا هفضل في قايمة الأعداء. لا تعرف لِما شعرت بنغزة قوية بقلبها بعد حديثه لتجده يتحرك نحو منضدة الزينة ويترك عبوة المرهم عليها ثم غادر الغرفة. اتجهت بأنظارها نحو باب الغرفة الذي أغلقه ورائه وقد أصابها شعور بالضيق.
….
اليوم الثالث لها بمدينة شرم الشيخ وقد فقدت الأمل في فرصة الإلتقاء معه، لتزفر أنفاسها بضيق و تهتف حانقه. _ يعنى أنا بِعت ڤيديوهات “زوزو” لـ “صالح” وعملت معاه اتفاقيه هتخليني ابوس ايدين “زوزو” عشان تسامحني لما تعرف بيها وفي الاخر همشي من هنا من غير أي إحراز هدف،، حقك عليا يا “زوزو” أنا لازم اكلمك واعتذر منك. أخرجت “سما” هاتفها بالفعل حتى تُحادث “زينب” لكن يدها توقفت داخل جيب البنطال لتحدق بالجالس على إحدى الطاولات بمطعم الفندق وسُرعان ما كان الحنق يُغادر ملامحها وتنْفَرج أسارير وجهها.
_ أخيرًا يا دكتور. قالتها وقد التمعت عيناها وهي تنظر إليه ثم تنهدت وتمتمت بهمس خافت وهي تتحرك نحو إحدى الطاولات القريبة منه. _ دكتور “مازن” الوسيم. حركت المقعد حتى تلفت نظره لكنه كان مشغول بالحديث مع أحد أصدقائه. أتى النادل بعد جلوسها وقد تعجب من محاولتها في رفع نبرة صوتها رغم أنه قريب منها للغايه ويسمعها تمامًا. لفتت أنظار جميع من بالمطعم حتى ذلك الصديق الذي كان معه لكن هو كانت عيناه مرتكزه بإهتمام نحو التقارير الطبية التي أمامه.
ابتعد النادل عنها بعدما دون طلباتها وقد طلبت أصناف عِدة من أطباق الفطور المعروضة بقائمة الطعام. مررت أصابعها في خُصلات شعرها بحنق ثم أطلقت زفره طويلة كانت مسموعه. أغلقت جفنيها حتى تستطيع التفكير بشئ آخر تستطيع لفت نظره به لكنها بالنهاية شعرت بالضجر لتلتقط هاتفها من على الطاولة وأخذت تتصفحه. _ خلينا نقوم يا “فؤاد” لو خلصت قهوتك. قالها “مازن” لصديقه ثم أخذ يجمع متعلقاته الشخصية من على الطاولة. انتبهت “سما” على حديثه وأسرعت بالنهوض ولم تجد أمامها إلا إظاهر دهشتها لرؤيته.
_ دكتور “مازن”، معقول. اتجهت أنظار “مازن” عليها، فـ انفكت عقدة حاجبيه وابتسم. _ أنسه “سما”، ازيك. _”مازن” انا هسبقك. قالها صديقه ثم غادر لتنظر “سما” نحو التقارير التي يحملها. _ أنا أول ما سمعت الصوت قولت لنفسي نبرة الصوت دي أنا عارفاها كويس. ثم تساءَلت وهي تطرق رأسها بحرج. _ هو أنت مأخدتش بالك من الإزعاج اللي أنا كنت عملاه. لم يكن “مازن” من الشخصيات التي تتمتع بالذوق واللباقه مع النساء إلا القليلات اللاتي يفرضون حضورهن.
_ بصراحه أنا مش شاطر أوي في تميز الأصوات. انمحت تلك الابتسامة التي داعبت شفتي “سما” ورفعت رأسها إليه ليقول: _ أنا مضطر استأذن منك دلوقتي يا “سما” لأن المؤتمر هيبدأ بعد ربع ساعه. شعرت بصدمة قوية تملكتها ولأول مره ترغب بالبكاء، هي لا تنبهر بالرجال بسهوله لكن هو مختلفًا بالنسبه لها. _ “سما”. عندما عاد إليها مجددًا وهتف باسمها خفق قلبها واستدارت إليه وعلى محياها ابتسامة صغيرة. _ خلينا نتقابل بـ الليل تمام. أسرعت بـهَـز رأسها إليه وبصوت متحشرج هتفت.
_ تمام
… داعب “عزيز” خديها بأنامله لتنفرج شفتيه بإبتسامة واسعة عندما بدأت تمط شفتيها بعبوس. _ “ليلى” اصحى دي تاني مره اصحيكي ولو البرنامج بتاع فسحة النهارده ضاع مننا يبقى أنتِ… لم يستكمل بقية حديثه ليجدها تنفض غطاء الفراش من عليها وتنظر إليه بلهفة. _ بجد يا “عزيز” هنخرج خلاص. شعر بالضيق من نفسه، فَــ ثلاث أيام مرت منذ قدومهم ولم يخرجوا للتنزه رغم أن الأجواء بالخارج رائعه. اختفت تلك الابتسامة التي كانت تزين ثغره لتتساءَل بحيرة.
_ هو أنت ليه كشرت فجأة. أخفي “عزيز” ذلك الشعور الذي سيطر عليه فجأة وابتسم. _ ملكيش دعوه بتكشيرتي دلوقتي وقومي يلا اجهزي عشان نخرج نفطر بره ونعمل كل اللي نفسك فيه ولا أنتِ عارفه إيه ممكن يحصل. أسرعت إليه لتحتضنه وهي لا تُصدق أنها أخيرًا سترى المدينه وتتجول بها. _ بحبك يا “عزيز”. ضمها” عزيز” إلى حضنه وقد أراد أن يخبرها بعشقه لها لكن ابتلع الكلمة بمرارة ورددها داخله، لقد صار عاشقًا بجنون وأصبح نسخة من شقيقه.
_ بسرعه على الحمام وانا هطلع ليكي الهدوم تمام ولا تحبي اساعدك من البدايه. قالها وهو يغمز لها بطرف عينه لتهرب من أمامه بحرج. هَـز رأسه بيأس من خجلها لكنه من داخله كان سعيد بهذا الأمر، “ليلى” مَـازالت تتفتح على يديه وعليه أن يظل محاوط عليها بعناية داخل بستانه. … ابتسامة واسعة رسمتها “سمية” على شفتيها عند دلوفها الغرفة. _ ادخل ولا هعطلك يا حبيبي. رفع “سيف” عيناه عن جهاز الحاسوب الذي أمامه لتقترب “سمية” منه لتتساءَل.
_ اختك سافرت امبارح؟ رمقها “سيف” بنظرة ساخرة، فهل تذكرت “نيرة” اليوم رغم علمها بموعد رحيلها. _ سافرت يا “سمية” يا هانم. نبرة صوته الساخره لم تغفل عنها لتزفر أنفاسها بقوة وتعطي تبريرًا كالمعتاد على جفائها معهم كأم. _ كان غصب عنى يا حبيبي مروحش معاكم المطار، كان عندي عشاء عمل مهم. ليتها لم تبرر له ليشيح عيناه عنها ويهتف بجمود. _ والله أنا بالنسبه ليا ميفرقش معايا لكن “نيرة” لسا شيفاكي في صورة الأم.
_ “سيف” أنت بتقول إيه. لقد طعنتها الكلمة لكنه يعلم أن تأثرها بكلامه يأتي وليد اللحظة لا غير. _ الكلمة وجعتك أوي يا “سمية” هانم. بغضب صاحت به واقتربت من المقعد الجالس عليه. _ أنت مالك فيك إيه من ساعة اخر كلام بينا وأنت مش طايق ليا كلمة، على فكرة أنا أمك وأي حاجة بعملها، بعملها عشانك أنت. دفع مقعده إلى الوراء ثم نهض وابتعد عنها. _ أنتِ أي حاجه بتعمليها، بتعمليها عشان نفسك. _ لأ بجد أنت بقيت لا تطاق.
قالتها بحنق ثم تحركت لتُغادر الغرفة لكنها توقفت مكانها، فهل ستجعل الفجوة بينها وبين “سيف” تزداد؟ “سيف” ابنها وكفتها الرابحة. _ على فكرة أنا كنت جيالك عشان اقولك إن عملتلك توكيل، يعني خليت قرارت كتير في الشركة تكون تحت تصرفك.
…. طفلة هي، طفلة في جسد امرأة أغرقته في عشقها وجعلته يكسر من أجلها كل القيود. ضحك “عزيز” بقوة وهو يراها تقترب من أحد الأفيال ثم تبتعد عنه. _ يا حبيبتي متخافيش، كائن أليف صدقيني …مش عارف هتركبي إزاي وأنتِ خايفه.
مطت شفتيها بعبوس ونظرت إليه. _ لأ خلاص يا “عزيز” مش عايزه اركبه. _ يا جبانه. زجرته بنظرة غاضبة ليقهقه عاليًا. _ تفتكري بنظرتك دي أنتِ خوفتيني. واقترب منها وبهمس خافت أردف. _ ده أنتِ كده خلتيني عايز اكلك أكل. _ “عـزيـز”. صاحت به بعدما دفعته عنها برفق واستدارت بجسدها لتنظر نحو الفيلة. _ خلينا نختار فيل صغير عشان اعرف اتعامل معاه. لم يضحك بحياته من قبل مثلما ضحك اليوم، اليوم اكتشف من خِصالها أنها تشبه الأطفال حين تلهو بالحديقة.
_ أنت بتضحك ليه يا “عزيز”. وبصوت رخيم أجابها بعدما اجتذبها إلى صدره وضمها إليه. _”عزيز” هيموت منك يا “ليلى”، كفايه عليا كده النهاردة. انتهت جولتهم اليوم بعدما قضوا أمسيتهم في بازار كالاري الليلي ثم ذهابهم إلى أحد مراكز التسوق وقد أصرت عليه أن يشتروا ما يلزمهم فهي لم تعد تُفضل الطعام الذي يأتي إليهم. بإنهاك ارتمى “عزيز” على أقرب أريكة كانت أمامه بعدما وضع الأغراض لها بالمطبخ. _ “ليلى” ممكن كوبايه ماية. أسرعت بإحضار كوب الماء إليه ليلتقطه منها ويرتشفه دفعه واحده.
_ شكرًا يا حبيبتي. ابتسمت ثم جلست جواره وتساءَلت. _ هنكرر الخروجه تاني؟ حدقها بنظرة هادئه ثم مَدّ كفوف يديه يمسح بهما على خديها. _ أنتِ عايزه إيه؟ بإبتسامة واسعة ردت وهي تنظر في عينيه. _ نكررها يوم و يوم… يوم نرتاح ويوم نقضيه بره زي النهاردة. وأردفت وهي تتثاءب. _ هقوم ارتب الحاجات اللي جبناها وبعدين احضن مخدتي وانام. بإستنكار تمتم. _ ننام ، وتحضني المخدة…قومي يا “ليلى” من قدامي. كادت أن تنهض بالفعل ليجفلها بحملها على ذراعيه وتمتم بمكر.
_ عايزه تحضني المخده يا “ليلى”. _ يا “عزيز” عايزه ارتب… لم يتركها لتتفوه بمزيد من الكلام، وفي دقائق معدوده كانت بين ذراعيه يُعلمها فنون الحُب ليكون هو المعلم وهي تلميذته النجيبة. وكما اعتاد منها أن تؤكد له أنها بالفعل راضية ومتخمة.
…
اطلق “شاكر” زفرة إرتياح بعدما اخبره “نائل” إنه سيأتي بصحبة نجيب إلى المزرعه. _ لازم ابعدك شويه يا “نائل”، وجودك بعيد عن حفيدتك هيفرق مع حفيدي لم تكن دعوة “شاكر” إلا هدفًا لأمر يسعى لحدوثه، أما “نائل” لم يتخذ قرار الذهاب للمزرعه إلا توقً للمكان الذي قضى فيه أجمل ذكريات عمره مع “زينب” حبيبته الغالية.
_ وحشتيني يا “زينب”. قالها “نائل” بشوق وآلم لم يترك فؤاده يومًا مهما حاوطته من ذكريات سعيده. _ ليه بطلتي تجيلي في أحلامي، ليه يا حببتي. وذكرى بعيدة اقتحمت رأسه اتبعها بعدها الفراق.
«أنا حامل يا نائل»
…. فتح صالح باب غرفتها برفق بعدما طرقه، لترفع رأسها عن الوسادة وتنظر إليه، وقد التقطت عيناها عبوة مرهم جديدة يحملها.
_ لسه تعبانة، ولا بقيتي أحسن؟
أشاحت وجهها عنه وازدردت لعابها حتى تستطيع إخراج صوتها، فهو قبل طرقه الباب كانت تبكي على حظها… فقد أخذت زميلاتها اليوم في المعهد يتمازحن بأحاديث محرجة عن أزواجهن وعن علاقاتهن الزوجية، حتى إنهن اقترحن عليها أن يذهبن جميعًا في عطلة. عندما اقترب منها، انتبه إلى احمرار عينيها ليسأل بقلق: _ إنتِ كنتِ بتعيطي؟ _ لا، أنا مبعيطش، ولا هعيط، لأني قوية. ردها جعله يتأكد أنها كانت تبكي، بل والأمر لم يكن بالهين.
_ هو البكا ضعف يا زينب؟ _ أيوة، ضعف. ممكن تخرج وتسيبني لوحدي؟ هجومها جعله يتردد للحظة، لكنه في النهاية حسم قراره واقترب منها. وقبل أن تتوقع ردة فعله، اجتذبها إلى صدره. _ عيطي يا زينب، عيطي في حضني المرة دي. واعتبريني عابر سبيل. صدقيني، هنسي الليلة دي تمامًا، لكن عيطي وخرجي كل اللي جواكي. وبكت، مثلما بكت يوم وفاة والدها وجدتها، لتسقط دموعه معها. — لقد تأجلت عزيمته لها لهذا اليوم. ارتدت سما ثوبًا يليق بها، وقد جعلها فاتنة.
ألقت نظرة أخيرة على مظهرها برضى، ثم التقطت حقيبتها الصغيرة وغادرت غرفتها بالفندق.
عندما دلفت إلى المطعم، رفع مازن عينيه عن هاتفه، فتلاقت عيناهما، لينهض على الفور من مقعده.
ارتجفت يدها عندما صافحها، ورغم أنه صافحها من قبل، إلا أن هذه المرة كان قلبها يخفق بطريقة عجيبة. _ أتمنى تكوني قبلتي اعتذاري امبارح. حقيقي كنت مضطر ألغي ميعادنا.
بتوتر ردت وهي تخفض رأسها: _ ما دام جيت، فأكيد قبلت اعتذارك. ابتسم مازن وحرك رأسه، ثم سألها: _ تحبي نشرب حاجة الأول ولا نطلب العشا؟
نظرت إليه وبهمس خافت لم تتصنعه، خرج صوتها:
_ إنت عايز إيه؟ وَدَّ مازن لو استطاع الضحك، لكنه يعلم أنه إذا فعل ذلك سيحرجها. _ تمام، نطلب الأكل وبعدين نخرج نتمشى شوية. تراقص قلبها فرحًا، والتمعت عيناها، لكنه لم يرَ ذلك، إذ ركز انتباهه على قائمة الطعام.
أحاديثهما كانت رتيبة، جميعها عن العائلة، إلى أن انتهيا من تناول الطعام الذي جعلها تفقد حماسها. لكن خروجهم للتمشية قليلًا أعاد الأمل إلى داخلها، فربما يعبر لها عن شيء لفت نظره اليوم. _ أنا شايفك إنتِ وزينب قريبين أوي من بعض.
اتسعت ابتسامتها بحب عندما ذكر زينب.
أنا وزينب زي الحلة والغطا. خرجت ضحكتها الجميلة التي غفل عنها، وأردفت بعدما تمالكت نفسها وتوقفت عن الضحك: _ زوزو دي الفاكهة بتاعة جدو. بصراحة، كابتن صالح محظوظ إنها كانت من نصيبه. توقف مازن عن السير، وقد تحولت ملامح وجهه للتجهم. تعلقت عينا سما به وتسألت: _ وقفت ليه؟
خرج السؤال من شفتيه دون أن يُفكر في عواقبه: _ هو جواز صالح وزينب جواز طبيعي يا سما؟ ظَنَّهَا دُّمَيَّة بين أَصابِعِهِ. الفصل الثامن والستون. لم يڪُن يَظُن أن سؤاله سيجعل “سما” الواقفة أمامه تُحدق به بنظرة لم يفهمها، إنه للتو أدرك فداحة سؤاله الذي تعجل فيه.
نظرتها إليه طالت، فازدرد لُعابه وقبل أن يوضح سبب سؤاله خرج صوتها. _ مش فاهمه، تقصد إيه؟ تظاهرت بالغباء حتى تفهم السبب الذي يجعله يتساءَل عن حياة ابنة عمها. ارتبك “مازن” وشعر بالمأزق الذي وضع نفسه فيه بسبب غبائه وسُرعان ما كان يبتسم حتى يخفي توتره. _ مش قصدي حاجه من ورا سؤالي يا “سما”. ضاقت حدقتاها وقد تفاجأ من ردها. _ طيب وليه سألته فجأة يا دكتور ، ممكن افهم. ازدرد لعابه مجددًا، فتعلقت عيناها به بنظرة غامضة أَرْبَكته.
_ أنتِ عارفه إن في صداقه بتجمع العيلتين ولفتت نظري كذا حاجه استنتجت بيها ده. وأردف سريعًا حتى لا يزيد الأمر سوءً. _ ممكن استنتاجي يكون غلط، تحبي نقف قدام البحر شوية. تحرك أمامها لكنه توقف مكانه عندما استمع إلى ردها. _ للأسف اليوم كان بالنسبة ليا طويل ورخم، فأنا محتاجه انام. تركته دون التفوه بحديث آخر ودون الإلتفاف إليه ليتبعها بعينيه بنظرة حائرة تحولت إلى الحنق سريعًا. _ كان لازم تتسرع في سؤالك، غبي.
فور أن دلفت “سما” غرفتها بالفندق ألقت بحقيبة يدها ثم حذائها وأسرعت نحو الفراش تُلقي بجسدها عليه وسُرعان ما كان يعلو صوت بكائها بعد هذا اللقاء الذي خالف توقعها وأصابها بالغصة. … ليته يمتلك أمنية يستطيع تحقيقها كما يشاء أو آلة زمن حقيقية كما بالأساطير لكان بدأ معها حكايتهم من جديد دون أن يضعها في لُعبة زواج حرك جده خيوطها وهو بعناده وافق عليها ليكون هو الخاسر بالنهاية. تهزمه هي بضعفها وتشعل بداخله لهيب يحرق روحه ويُمزقُ نِيَاطَ قلْبِهِ.
صوت بكائها أرجف قلبه لتخرج من صدره آه مَكْتُومة، وسؤال واحد يتردد داخل رأسه، ما الذي فعله بحياته ليتحمل ذنب آخر لم يقصده. أغلق “صالح” عينيه وشدد من ضمها إلى صدره هاربًا في حضنها من مرارة صار يتجرعها معها. _ “زينب” من فضلك فهميني بتعيطي ليه؟ في حاجه بتوجعك، ردي عليا يا “زينب”. سحبت نفسها من حضنه بعدما استطاعت بقوة واهية أن تتمالك نفسها ثم رفعت كفوف يديها تزيل بهم دموعها. اخترق قلبه شعور لا يستطيع وصفه وهو يراها تهرب بعينيها بعيدًا عنه.
_ فيكي إيه قوليلي ، لسا ضهرك بيوجعك نروح المستشفى. عندما لم يتلقى منها ردًا ، مَدّ يده نحو خدها ليحرك وجهها إليه. _”زينب”، ردي عليا. اندست أسفل غطاء الفراش، وكعادتها في الهرب هتفت بصوت متحشرج. _ أنا عايزه انام. _ وأنا مش هسيبك المرادي تنامي يا “زينب” لان عارف ديه طريقتك في الهروب من الكلام. زحفت قليلًا على الفراش إلى أن أصبحت تنام على طرفه، فحدق بها ثم زفر أنفاسه مغمغمًا بنبرة خشنة. _ عنيدة بس أنا المرادي هكون أعند منك.
خلع حذائه واندسّ في الفراش قربها وقد قرر أن يكون معها مثلما يفعل أحيانًا مع صغيره بعدما يضجر من عناده. _ “زوزو” ،ينفع تنام وهي زعلانه مش خايفه العفريت يعضك. مزحته السخيفة جعلت ملامح وجهها تحتقن ، فاستدارت إليه ترمقه بنظرة شرسة قابلها بابتسامة واسعة. _ على فكرة أنا قولت عايزة أنام. هَـز رأسه لها برفض ثم سحب غطاء الفراش عليه. _ أنا شكلي هسيبلك السرير. خرج صوتها بحنق وكادت أن تنهض لتجد ذراعه يلتف حول خصرها ويلصقها بصدره.
_ أنت بتعمل إيه ! أحكم حصاره حولها وبهمس خافت خرج صوته. _ معملتش حاجه ، أنا واخدك في حضني زي ما بعمل مع “يزيد”. _ من فضلك اخرج، أنا عايزه أنام. قالتها بنفاذ صبر ثم زفرت أنفاسها بقوة، فابتسم على طريقة غضبها. _ جربي حضني وخليني العب في شعرك زي ما بعمل مع “يزيد”. لم يمهلها لتتخذ القرار المحسوم بالرفض لتشعر بأصابع يده تتخلل ببطء بين خُصلات شعرها. _ حد زعلك في الشغل، زعلانه مثلاً مني، ولا زعلانه عشان جدو “نائل” هيقضي كام يوم في المزرعة.
استسلامها أدهشه لينظر إليها، فداعبت شفتيه ابتسامة خفيفة عندما وجدها أغلقت عينيها. فتحت عينيها في اللحظة التي رفع وجهه عنها ليتفاجئ بها تعتدل في رقدتها وتحدق به ثم ابتسمت. خفق قلبه وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة وقد ظَنّ أن ابتسامتها تمنحها له لكنها كانت ترى والدها هذه اللحظة متجسدًا فيه. _ غمضي عينك يا “زينب” و نامي. هذا صوت والدها، إنها تسمعه وتنام بحضنه حتى أن أصابع يده تتحرك بخفة على رأسها وبعد دقائق سيضع قُبلة على رأسها ثم يخبرها أن تنام مطمئنه وتحلم بغد جميل.
انسابت دمعه من عينيها لم ينتبه عليها إلا بعدما استسلمت للنوم في حضنه وقام برفع جسدها قليلًا حتى تنام براحه. ابتلع مرارة غصته ثم تنهد بأنفاس ثقيله. _ اه لو تقوليلي بس إيه اللي وجعك يا “زينب”. ثقلت أجفانه بعد وقت وسقط بالنوم جِوارها ولأول مرة ينعم بدفئها بين ذراعيه. في الصباح….. فتحت عينيها بصعوبة ثم مدت كلتا يديها جوارها وعلى ثغرها ارتسمت ابتسامة واسعه، فَـ ليلة أمس أتى لها والدها بالحُلم وشعرت بوجود روحه حولها.
_ صباح الخير يا بابا، أنا عارفه إنك ما دام جيتلي في حلم يبقى انا وحشاك وعايزني ازورك. نهضت من على الفراش لكنها عادت تنظر إلى الوسادة المجاورة لوسادتها، أسرعت بإلتقاطها حتى تتأكد من شئ اقتحم رأسها، فهي من أسوء عادتها أنها أحيانًا تخلط بين الحُلم واليقظة. وضعت الوسادة قرب أنفها لتجد رائحته عالقة بها. أغلقت عينيها حانقة من استسلامها بالنوم في أحضانه. _ يعني أنا كنت طول الليل نايمه في حضنه.