عملت الخادمة بجهد وفناء في قصر مماثل الذي كانت تعمل به سابقا عند الباشا الإبراهيمي.حيث برهنت لاصحاب القصر انها تستطيع إدارة البلاط بخبرتها الطويلة كيف تسير شؤونه فعينت كبيرة الخدم كان كل امر بسير بداخله يمر عليها اولا ثم تعلم به صاحبة القصر.. ومن بين تلك الامور التي وكلت لها هي تنظيم حفلة كبيرة اقيمت على شرف قران الإبنة الكبرى لهم .
فقامت بالإشراف على كل صغيرة وكبيرة وعلى كل شاردة وواردة طيلة اسبوع وهي تقوم بالتجهيزات والترتيبات حتى تعبت ومرضت في اليوم نفسه الذي اقيمت فيه الحفلة.. فاعتذرت من صاحبة القصر وطمنتها ان إبنتها ستقوم بالنيابة عنها في تقديم الواجبات للضيوف.
صفية في الحقيقة لم تعودها امها او بالاحرى الام البديلة التي ربتها على خدمة احد منذ صغرها حتى عندما كبرت واصبحت فتاة بالغة و رغم كذلك مكوثها مع امها في جناح الخدم. فقلما كانت تظهر امام عيان اصحاب القصر. فكل همها كانت هي الدراسة الذي اصبح شغفها مع الوقت المطالعة و كتابة الشعر والقصص.. وعندما طلبت والدتها ان تستخلفها بحجة مرضها لم تأبى ذلك وقبلت دون مكابرة او ملامة.
وبالفعل اقيمت الحفلة وكان كل المدعوين من الارستقراطيين وكبار البلد ومن بين الانظار التي اخذت اثناء الحفلة هي الخادمة الشابة الفائقة الجمال ذوا الشعر الحريري المنساب إلى اسفل ظهرها مع الغرة التي زادتها بهاءا.
والعيون الواسعة كثيرة السواد المتناسقة مع لون شعرها والطول الممشوق مع لباس كلاسيكي اظهرها بحلة كلاسيكية بسيطة ورغم بساطتها ابرزت مفاتنها وقوة شخصيتها تلك الفتاة التي تدير الحفل بكل ثقة وبرودة الاعصاب ولم تنخدع او تغريها المظاهر الفاحشة الثراء التي امامها هي نفسها صفية الذي لم يصدق احد انها تكون بنت خادمة القصر ولكن في الاخير وقعت في شرك المتربصين بها وهي تحمل صينية زجاجة الشنبانيا والكؤوس التي بها بغية ضيافة إحدى البشوات وإذ تسقط هي والصينية امام طاولة المدعويين وامام الجميع.
والسبب هو ذاك الشاب المتعجرف الذي وضع قدمه مكرا أثناء عبورصفية امام طاولته لكي تنتبه إليه ولكنها تعثرت وسقطت صفية ارضا وذاك الشاب المتعجرف كان مصطفى الآغا والطاولة التي تريد ضيافتها هي كانت طاولة عائلتها الاصلية. #الخادمة. جزء ثاني
عندما سقطت الفتاة ارضا من بين كل الجالسين على الطاولات وقفت زوجة الباشا الإبراهيمي من مكانها بلهفة كي تساعدها على النهوض فسألتها إن اصابها مكروه فطمنتها صفية انها بخير وشكرتها على حسن تصرفها معها.. والغريب عندما وقفت صفية امام السيدة كان الشبه بينهما رهيب حتى مصطفى علق عن ذلك امامهما واخبر والدته بأن الفتاة تشبهها لحد كبير.. فما كان عليهما الإثنتان إلا ان إبتسمتا وطلبت من مصطفى ان يحسن التصرف ويبطل مشاكساته وتعليقاته السخيفة.
احرجت صفية من الموقف ولملمت الموضوع بمساعدة بعض الخدم بطريقة سلسة غير مرتبكة.. ولكن الخوف الاكبر لديها كان هو ان تعاقب والدتها من طرف صاحبة القصر بدلا عنها بسبب الحادثة التي وقعت لها دون إرادتها وتنهي عملها داخل القصر.. وبالفعل امرت صاحبة القصر صفية ان تتوقف عن العمل فورا اثناء الحفلة رغم إعتذارها وان الحادثة وقعت غصبا عنها. ولكن عبث الامر صدر وعليها ان تنفذ.
اما زوجة الباشا فقلبها منذ ان رأت صفية لم يهدأ ولم يتوقف عن النبض بسرعة وكل من عيونها كانت مترصدة بالبحث عن الخادمة الجميلة من بين كل الخدم الذين يقومون بضيافة المدعوين.. ولكن لم تجدها من بينهم.. فلم تستطع التحمل وقامت معتذرة لعائلتها انها تود ان تضبط نفسها فتوجهت نحو الباب الخلفي للقاعة المتواجدة بها للبحث عن الفتاة.. وبعد سؤالها عنها لبعض الخدم قادوها عندها مباشرة وتفاجأت صفية بوجود المرأة التي ساعدتها في الداخل هي نفس السيدة المحترمة التي امامها تبحث عنها خصيصا.
_هل اخدمك سيدتي بشيء؟ _لا عزيزتي اردت فقط الإطمئنان عليك عندما لم اجدك تكملين مهامك بالداخل ظننت انه حدث سوء بك.. _ااا شكرا سبدتي انت طيبة جدا… كل الموضوع ان سيدة القصر غضبت مني واوقفتني عن إكمال عملي.. لاتهتمي.. _مؤسف حقا.. لاعليك سيزول غضبها بعد قليل وتعيدك إلى شغلك دون شك.. _ارجوا ذلك.. _ولكن إن طردتك فعلا خذي هذا هو عنواني إن إحتجتي للعمل سأوفره لك بكل بد. _انا خجلة منك سيدتي فلطفك غمرني. حقيقة اشكرك..
بعد إنتهاء الحفلة ذهبت صاحبة القصر للخادمة المستلقية على الفراش والتي كانت امامها صفية فوبختها دون رحمة او شفقة ولم تتذكر منها اي إستحسان قامت به من اجلهم قبلا. وانبتها ان بسبب سوء إختيار إبنتها للمهمة قامت بفضيحة ستكون كل الجرائد الوطنية تتحدث عنها و التي كانت تنتظر شيء كهذا لتنشره بعنوان عريض في اليوم الموالي. وبعد ذلك امرتها ان الباشا امر بطردها هي وابنتها وعليهما ان يخليا الغرفة فهناك خادمة جديدة عينها الباشا بنفسه ستلتحق مساء للقصر وقدمت لها ظرف مغلق به آخر مستحقاتها.
لم تصمت هنا صفية بل واجهت السيدة بكل حزم واخبرتها ان تصرفها في هذه اللحظة غير لائق ولايمد بأي اخلاق للبشاوات. وعبرت كيف لها ان تعامل من خدمتهم بكل حسن للنوايا الطيبة منها وبكل طاقتها وقوتها. والدليل هو تعبها المفاجىء و مرضها بسبب الكم الهائل من المجهود الذي بدلته من اجلهم مؤخرا. وفي الاخير جزاءها بغلطة بسيطة لم تكن السبب فيها يطردنها شر طردة. واردفت من يظنون بالعباد هل هم عبيد لهم. يأخذونهم لحما ويرمونهم عضما فهم بشر من دم ولحم مثلهم تماما..
ولكن صاحبة القصر لم تتأثر بكلمة واحدة من كلام صفية وامرتهما عند خروجها من باب الغرفة ان يرحلا فورا. ضمت صفية والدتها المريضة التي اصبحت تنتحب بالبكاء الشديد وهي تطمنها ان كل الامور ستكون بخير. وان لاتخاف فالرزق من عند الله وليس من عباده.. حملت صفية ووالدتها بعض من حقائبهما وعادا إلى المكان القديم الذي كان يستأجرانه ومن حسن حضهما وجدا من صاحب البيت غرفة مفروشة شاغرة لهما.. فحمدا الله انه سهل امريهما ولم يبيتا في العراء.
في تلك الاثناء علمت صفية انه حان الوقت لتعمل بدلا عن امها وترفع قليلا المسؤولية عن كاهلها… والدتها التي المرض إنتهك جسدها ولم تستطع الشفاء منه رغم الادوية التي تتناوله صباحا ومساء. ومرت ايام وايام وصفية تبحث عن العمل هنا وهناك ولكن دون جدوى. والنقود لم ببقى منها إلا القليل فاحتارت مالذي تفعله.. وبدون قصد وهي ترتب اغراضها وجدت ذاك العنوان الذي منحته لها تلك السيدة التي ساعدتها عند سقوطها في الحفلة.. وتذكرت عرضها الخاص وطارت صفية من شدة فرحتها.. واستغربت كيف نست امرا كهذا. وعزمت صباحا ان تذهب للقياها.
في اليوم الموالي إستيقظت صفية باكرا متوهجة مبتهجة ليوم جديد قد يكون اجمل من سابقه واستبشرت به وتوكلت على الخالق واستعدت لذهابها إلى السيدة التي عرضت عليها العمل عندها سابقا. وبعد بزوغ الشمس بسويعات قليلة اخذت صفية العنوان واستقلت عربة ولم تكن المسافة طويلة مابين منزلها وقصر السيدة كما توقعتها. وهي امام باب القصر طلبت من البواب انها تريد ان تكلم السيدة ولكنه اخبرها انها ليست بالداخل. وان ارادت ان تنتظرها في باحة القصر حتى تعود فذاك شأنها..
وبالفعل إنتظرت صفية السيدة ولكن طال إنتظارها وقابلت هناك سيدتان يظهران عليهما الرقي نزلتا من العربة مع طفلين صغيرين توقعت انهما ولديهما. فألقيتا عليها السلام وعلما انها بإنتظار والدتهما فطلبا منها الدخول معما إلى داخل القصر. واستضافاها في قاعة الإنتظار كما ضيفتها إحداهما القهوة وطلبا منها ان تستريح حتى تعود والدتهما من المشوار واعتذرا منها وانصرفا لقضاء امورهما. وبعد قليل دخل مصطفى ينادي على والدته ظنا منه انها بقاعة الإنتظار فاخبرته صفية انها بدورها تنتظرها.. فصعق مصطفى من وجود تلك الخادمة التي سحرته قبلا بجمالها اثناء الحفلة فرحب بها وسألها..
_هل انت نفس الفتاة التي…. . ؟ فتبسمت صفية ودون ان يكمل كلامه اجابته.. _نعم انا نفسها _هل لديك معرفة خاصة مع والدتي.؟ _ليس الامر هكذا. ولكن لدي طلب خاص عندها.. _حسنا هو سر إذا مابينكما..ولاتريدين مني ان اعلمه _ليس بالضبط ولكن الموضرع…
هنا دخلت السيدة وتفاجأت بوجود الفتاة التي لم تنسها قط منذ ان إلتقتها آخر مرة في الحفلة… فسعدت بها كثيرا ورحبت بها كأنها صديقتها المقربة التي إلتقت معها بعد فترة طويلة من الغياب. وطلبت منها الجلوس.. هنا إستأذن مصطفى بعد ان اخبر والدته انها يريدها في امر مهم بعد ان تنتهي من مقابلة الخان..وبعدها انفردت صفية وسيدة القصر التي لم تكن اكثر من ذلك بالنسبة لها. _مااخبار سوسن هانم؟؟ _لااعلم عنها شيئا فهي منذ ان طردتني بسبب ماحدث في تلك الحفلة لم ارها مجددا
_ااا فعلتها إذا. سوسن كعادتها لاترحم احدا ولاتعطي عذرا لأحد. فهي دائما صارمة. وبالكاد تجدينها تبتسم… لابأس لاتحزني ربما الله وجد فيها خيرا. _ونعم بالله.. اكيد لااحزن على نفسي ولكن والدتي ماذنبها بذلك فهي خدمتهم لسنين وكل قوتها افنتها عندهم. _ظننتك انت فقط. ولكن كانت معك والدتك
في حديقة القصر كانت سيدته مع احفادها تسقي الورود وتنزع الاعشاب الضارة منها والاطفال يلعبون ويمرحون حولها وفي هذا تجد كثيرا راحتها بحياتها اليومية…إذ تبتعد وتهرب من كل الضوضاء وعن ذكريات الماضي المريرة مابين الخضارة وعبير الورود وعبق الزهور… وفي تلك الاثناء لحق بهم مصطفى وتشاكس مع الطفلين قليلا ثم طلب من والدته انه يريد ان يحدثها في امر هام… فنزعت والدته القفازات من يديها وتركت دلو الإستسقاء جانبا. وتقدمت معه نحو الكرسي ذو الارجوحة المتواجد في وسط حديقة القصر وجلسا معا لجانبي بعضهما البعض. ومصطفى يمزح معها تارة يقبل يديها واحيانا يلعب بشعر والدته تارة اخرى..
_مالذي تريده يامصطفى ادخل في الموضوع مباشرة.. اعلم جيدا حركاتك وتمسكنك حتى تقضي حاجتك ولاتظهر بعدها ثانية.. _دائما تتهميني ياامي. انا طيب ومسكين واريد فقط رضاك. _مسكين…!!! سبحان الله مصطفى مسكين..!! .مع من تتكلم يامصطفى انا والدتك التي تعلم عنك كل شيء..ولكن لابأس..قل لي فقط مالموضوع الذي تريدني فيه ووالدك قام برفضه…والتي انا متأكدة من ذلك جيدا. _من الآخر اريد ان تقنعي والدي ان يدعني أسافر برفقة اصدقائي إلى إنجلترا. _ماذا؟؟ تسافر؟؟ وإلى إنجلترا مرة واحدة!! ومن اين جاءتك هذه الفكرة.؟! . إنتهيت من شراء الملابس الباهضة و شراء الدراجات والعربيات والان لم ينقصك إلى السفر.
_نعم اريد السفر رحلة إستكشاف مع زملائي. وجواز السفر اصبح لدي. فاصدقاء والدي قاموا بالواجب واكثر. _ياسلام انت مرتب كل شيء إذا… ووالدك لماذا لم يقبل؟