-وامتى هتفهم إني عملت كده عشان مش عارفة أنساك، هي لو بتحبك كانت اتمسكت بيك ووثقت فيك!
اخر جملة منها حررت المارد الأحمر داخله، فتجمهر الكره اعلى قمم عيناه، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يقبض على ذراعها ويجذبها متجهًا بها نحو المرحاض ويردد بقسوة غليظة؛
-شكلك لسه مافوقتيش وعايشة في الجو اللي أقنعتي نفسك بيه عشان تحللي لنفسك عملتك المقرفة
زمجرت ليال فيه تحاول التملص من بين قبضته:
-اوعى سيبني
ولكنه لم يهتم واوقفها عنوة اسفل “الدوش” ليفتحه فجأة فشهقت هي حينما غمرتها المياه الباردة فجأة.. بينما هو يواصل هديره القاسي باهتياج:
-فوقي، فوقي بقا وافهمي انا عمري ما هحبك وهفضل طول عمري بكرهك، فوقي وادركي إن اللي عملتيه مش مبرر لأي مشاعر
كلماته القاسية تزامنًا مع تلك المياه جعلوا ليال تفتح فمها وتغلقه كل ثانية….. تشعر أنها تغرق.. ليس بسبب تلك المياه… وإنما بسبب سيلان القسوة الذي إنهال من كلماته ليطيح بكل شيء داخلها… كل أمل….!
إلى أن تركها دافعًا إياها بقوو لتترنح وقفتها بوهن وتترك جسدها ليسقط ارضًا بينما هو يكمل:
-لاخر مرة هقولك ابعدي عني، وحتى الطلاق مش هطلق هسيبك متعلقة كده لحد ما اعرف مين اللي سلطك عليا، وقريب اوي هعرف وساعتها مش هيبقالك مكان في بيتي
وما إن انتهى من كلماته حتى غادر المرحاض تاركًا اياها ساقطة ارضًا تغمرها المياه بقوة…. ودون أن تشعر إختلطت دموعها المحبوسة بتلك المياه…. يكفي… لم تعدل تحتمل… لم تعد تحتمل اكثر…. تشعر بكل قواها تخر منهارة كتلك القطرات التي تتساقط….
أمسكت فجأة الكوب الموضوع في المرحاض لترميه نحو المرآة فيهشمها لقطع صغيرة بينما هي تصرخ بانهيار:
-كفاية بقا.. كفاية، مش عايزاك… ملعون ابوها مشاعر !!!!!
**** بعد حوالي ساعة وأكثر…… ساعة من الزمن مرت على ليال كزمن… زمن تُهدم فيه اشياء وتُعاد فيه ترميم اشياء… تشعر أن داخلها أصبح كالخراب الذي تخلفه الحرب… كل شيء مُدمر… خاوي الحياه… لا تشعر بأي شيء… لا تدري حتى ماذا ستفعل….! وقفت بأقدام مرتعشة، لتخرج من المرحاض، كان يونس جالس على الفراش واضعًا رأسه بين يداه….. كان الهواء الطلق يعم الغرفة بسبب “المروحة” التي شغلها يونس على أقصى سرعة…. يشعر بالأختناق… يشعر أنه في أوج الجحيم.. يكرهها ويشعر بالشفقة تقطر قطراتها ببطء على ذلك السواد داخله… ولكن تلك القطرات لا تستطع محو ذلك السواد…. تُهلكه حيرة وضجرًا فقط…!
و”ليال” لم تكن احسن حالاً عنه، حتى لم تنتبه للهواء الذي لفح جسدها المُبلل…. أخذت ملابسها من الدولاب ثم عادت للمرحاض بخطى آلية..! فنهض يونس متأففًا لينتشل بدلته ويغادر لعمله….
*************************** بعد ساعات اخرى….. عاد “يونس” من العمل، دلف للغرفة وتوجه نحو دولابه ليُخرج ملابسه… ألقى نظرة نحو الفراش ليجد “ليال” مُغطاه ويبدو أنها تغط في نوم عميق… لم يهتم كثيرًا وفتح ازرار قميصه ليخلعه، وفجأة سمع همهمات مكتومة تصدر عن “ليال” فعقد ما بين حاجباه بحيرة يُنازع داخله الانسان الذي يطالبه بالاقتراب وتفحصها…!
وبالفعل إنصاع لذلك الصوت فاقترب ببطء لتزداد همهمتها، أبعد ذلك الغطاء عنها ليجدها ترتعش وتهمهم بهذيان، فجلس على طرف الفراش مقتربًا منها ليجدها تردد بحاجبان معقودان وبصوت متقطع متألم:
-يونس… لا يا يونس… يونس انا بحبك… اسفة.. يا يونس…. انا عملت كده عشانك
فزفر بعمق وهو يحدق بها، تحسس جبتهتها ببطء ليستنتج أنها اُصيبت بنزلة برد حادة وبسببه ايضًا….
اغمض عيناه ضاغطًا على رأسه بقوة وضميره يعنفه لومًا، فنهض يجلب دواء مناسب ومياه ثم عاد و أمسكها برفق من كتفاها ليحاول جعلها تنهض متناسيًا أنه قد خلع قميصه، بدأ يهزها ببطء وهو ينادي بأسمها بصوت خافت:
-ليال، ليال فوقي عشان تاخدي دوا
ولكنها لم تكن تعي ما يقول اصلًا، ولكن صوته الذي تحفظه عن ظهر قلب اخترق عزلتها في عالم اللاوعي… لتفتح عيناها نصف فتحه وتهمهم بأسمه وهي ترمي نفسها بين أحضانه مغمغمه بوهن:
-يونس.. عايزه اتدفى.. سقعانة اوي
للحظات أصابته تلك الرجفة العنيفة حينما لامست صدره العضلي واحتضنته بهذه الطريقة.. حركتها المباغتة داعبت شيء مجهول داخله يجهل ماهيته…. لا يدري لمَ لم يبعدها فورًا… فنالت هي دفء جسده الذي ازدادت الحرارة بكل خلية به فشعر هو بعاطفته تتقد لتحرق داخله الذي اصبح يضاهي برودة جسدها….!
وفجأة كما اقتربت ابعدها ببطء يُعيدها للفراش، ثم وضع الدواء في فمها بحرص ليُغطيها… ثم بقي ينظر لها… متفحصًا لملامحها…. فكانت خصلاتها تغطي جزء من وجهها، فمد إصبعه يبعدها ببطء وعيناه تجوب ملامحها بتمهل… كم يأسف على ما يفعله معها…. ولكن ماذا عساه يفعل…. ليت القلوب قيد طوعنا…!!!!
ظل يحدق بها بصمت إلى أن قال بخشونة وصوت منخفض:
-انا اسف….! **************************** صباح اليوم التالي…
تحاملت ليال على نفسها لتنزل وتفطر معهم بعد إلحاح “نسمه” التي أخبرتها أن الجميع قد تجمع بالأسفل….
كان الوهن والالم يسيطر على كل خلية بها، وقد لاحظها يونس الذي تابعتها عيناه بين لحظة والاخرى….
وفجأه سمعوا صوت ضجيج بالخارج فنهض قاسم والد يونس يصيح بجدية:
-روح يا محمد شوف في ايه برا
وفجأه كان حارس البوابة ينادي بحنق:
-يا استاذ مينفعش كده
إتسعت حدقتا عينـا ليال بصدمة وفزع حينما وجدت والدها امامها…. لا تعرف كيف علم بمكانها وماذا ينوي أن يفعل حتى….. ولكن دقات قلبها الهلعة غطت كل صوت حولها حينما سمعته يزمجر بجنون:
-جايه تقعدي في بيت عشيق امك يا ليال ؟!!!!!
وكل الانظار صوبت نحوها بلحظات و…….. **** يتبع
❤ احتيال وغرام الفصل السابـع /الثامن -بابا !!!!
قالتها ليال وقد تثاقلت أنفاسها.. لحظات من الزمن شعرت فيهم أن الهواء الذي ينزل لرئتيها أصبح كالحجر المُدبب فلا تستطع أخذ نفسًا يُحيها بعدما جعلتها كلمات “والدها” كالميتة تمامًا…!
فيما زمجر فيه يونس والغضب يتأجج في مقلتاه:
-أنت بتقول إيه يا راجل أنت، أنت مجنون!!
ليصرخ “حامد” وهو يقترب منهم بانفعال سيطر على كل خلية إنسانية داخله:
-لأ انا مش مجنون، أنا واعي كويس للي بقوله بس أنتوا اللي عينكم بجحه، صحيح اللي إختشوا ماتوا
كاد يهب يونس بوجهه ولكن تدخلت ليال ترجوه بصوت ثقيل مبحوح بعدما غادرته الروح التي تتحكم بإلحان الحياه فيه:
-لو سمحت اسكت، اسكت ماتكملش
فصرخ حامد أكثر ليبدو وكأن كلماته تزيد نيرانه سعيرًا:
-لا مش هسكت، مش ده بيت عشيق امك، جايه تعملي فيه إيه يا ليال، ردي
فهزت ليال رأسها نافية بسرعة وهي ترد بحدة امتزجت بذرات صوتها العالي:
-إيه اللي أنت بتقوله ده!!
لأ طبعا، ارجوك كفاية اسكت وامشي من هنا
ولكن “حامد” كان كالفتيل الذي إنطلق من مضجع نيرانه ولن يعود قبل أن يضحي ما حوله مجرد رماد، فاقترب من “قاسم” والد يونس الذي كان يراقبه مبهوتًا.. وقد ذبحت الصدمة حروفه في مهدها، ليصيح حامد فيه بجنون:
-أنت إيه، مش كفياك امها كمان عايز تاخد البت اللي حيلتي!
أزاح قاسم عن ملامحه بهتانها وقمعها ليظهر معدنها الأصلي.. حادة والغضب يتموج بين تجاعيد وجهه، وعيناه حمراء ملتهبة بجحيم ذلك الغضب، ثم صاح فيه بصلابة وحدة:
-اخرس يا راجل أنت وكفياك طعن في الأعراض واطلع من بيتي حالاً
ثم انتبهوا جميعهم لـ “ليال” التي وضعت يداها على اذناها حينما كاد حامد يكمل، لتصرخ بصوت هيستيري وهي تتوسله:
-اسكت بقا والنبي كفاية فضايح كفاية حرام عليك أنت بتعمل كده ليه كفاية فضايح ابوس ايدك ارحمها وهي ميته على الاقل!
كانت تتحدث بهيستيرية حتى لم تكن تعي الكلام الذي يتسرب من بين شفتاها، ولكن مجرد حضور والدها المسربل بالماضي الذي تكرهه.. أعادها لبراثن تلك الذكريات التي تمقتها… لتلك الأيام التي هربت منها لتنجو بالمتبقي من روحها…!
ألم يكتفي؟ ألن يكتفي ابدًا..؟
سيظل يرجمها بجمرات قسوته كما رجم والدتها سابقًا…!
اقترب حامد منها ليقبض على ذراعها بعنف ثم اخذ يهزها متابعًا:
-مش هسكت الا اما اعرف إنتي جايه هنا تعملي إيه؟ بتعملي إيه في بيت الراجل ده يا ليال؟ ردي عليا
نفضت ليال ذراعها من بين قبضته لتصرخ فيه بجنون وكل عرق داخلها قد اشتد بقسوة:
-امشي، قولتلك امشي من هنا كفاية، مش بعمل، ابوس ايدك امشي وكفاية تعذبها حتى وهي ميته كفاااية
فرفع حامد يده ينوي صفعها وقد أطاحت الشياطين بعقله تمامًا في أقاصي الاستيعاب:
-انتي بتزعقيلي يابنت ال*****
ولكن يد يونس كانت الاسرع ليمسك يده بسرعة قبل أن تصل لوجه ليال التي أغمضت عيناها متأهبة لتلك الصفعة، فحدق به حامد بحقد ليزمجر فيه يونس بشراسة:
-انا مش هتكلم عن الست اللي مفروض مراتك وعرضك اللي أنت بتقذفه ده لأن ميخصنيش، لكن مراتي محدش يمد ايده عليها وكمان في بيتي !!
ليردف حامد بازدراد وهو يرمق كلاهما بنظرة أحست من خلالها ليال أنه يطعنها بشرفها كما فعل مع والدتها تمامًا:
-وأنت ازاي تتجوزها من غير أهلها؟ جواز إيه ده أنتوا مفكريني اهبل !!
فأشار يونس برأسه نحو حامد مغمغمًا لحارس المنزل الذي ذهب ينادي لشخص يعاونه في إخراج “حامد” :
-طلعوه برا، وميدخلش البيت ده تاني ابدًا
ثم شمخ برأسه ليتابع بثبات وجمود مُخيف:
-إلا لو جثة !
وبالفعل بدأ الحارسان يسحبان للخارج حامد الذي ازداد جنونه وهو يحاول التملص من بين يداهم، بينما ليال تتنفس بصوت مسموع مغمضة عيناها وهي تضع يداها على صدرها، واخيرًا قد هدأت تلك العاصفة التي هبت بغبارها على صفو حياتها تنوي جذورها…!
نظر يونس نحو والده وكاد ينطق:
-بابا أنت آآ…..
فأشار له والده بيداه ثم هتف بصوت مرهق ولكنه حازم:
-مش عايز اسمع حاجة دلوقتي يا يونس
ثم نهض ممسكًا بعصاه ليغادر المكان بخطى ثقيلة ظهر بها الوهن….
تبعته ليال التي دارت بعيناها حولها بلا هدف ثم تحركت لتصعد لغرفتها، وقد زاد ذلك المرض اشتدادًا بها… صحيح أن تلك العاصفة حلت بغبارها… ولكن خلفت بعدها تشققًا لا بأس به لن يلتئم بسهولة…!
……………………………………………
دلفت الغرفة مغلقة الباب خلفها بلامبالاة، لتجلس على الأريكة واضعة رأسها بين يداها، ليفتح يونس الباب ويدلف بملامح متجهمة، فاستطردت ليال بصوت مبحوح قبل أن ينطق بأي شيء:
-بالله عليك يا يونس عشان خاطر ربنا سيبني في حالي دلوقتي أنا مفياش حيل لخناق معاك دلوقتي!
فاقترب منها يونس وهو يهتف بصوت أجش تعصف به تلك الاسئلة الشياطنية بلا هوادة:
-مش هسيبك إلا اما افهم كل حاجة، مش ده ابوكي اللي مفروض ميت، سبحان الله صحي من المـ,ـوت وجه هنا يعمل إيه؟