-لأ يا بدر أنا مش هسيب مامي لوحدها مينفعش
تمتمت بها بإصرار وهي تحاول فتح باب السيارة ولكنه كان مقفل الكترونيًا، لتسمع بدر يستطرد بتهكم:
-لأ متقلقيش هنرجعلها حاضر ونمـ,ـوت انا وانتي ومامي وكلنا !
رمقته أيسل بنظرة حادة ليحاول بدر تهدئتها وهو يهتف بهدوء متفهمًا قلقها:
-يا أيسل ربنا يهديكي افهمي، اولاً مامتك مش قاعدة في القصر لوحدها في ناس شغالة وفي بواب وشباب واقفين على الباب ٢٤ ساعة، وغير كده اصلاً هما مش هيعملوا لمامتك حاجة لكن انتي اللي ماستبعدش ابدًا إنهم يأذوكي بأي طريقة
زفرت أيسل بضيق وهي تقلب كلامه في عقلها ولم تعلق، فأكمل بدر:
-وبعدين حماتي حبيبتي موافقة جدا على قراري وهي اللي جهزتلك شنطة هدومك كمان!
وعندما تمسكت بالصمت ولم ترد ايضا، قرر بدر ارتداء لباس العابث المشاكس وهو يميل برأسه قليلاً نحوها متابعًا يسألها:
-طب أقولك بيت شعر يخرجك من المود؟
فرمته ايسل بنظرة مستفهمة ليتنحنح بدر قبل أن يقول بجدية رسمها بمهارة والشقاوة تلمع في حدقتاه:
-سرحتُ في الغنم كي أنساكي، ولكني في وجه كل معزة أراكي !
كادت أيسل تضحك دون إرادتها ولكنها حافظت على هيئتها الغاضبة وهي تضربه على ذراعه بغيظ و تزمجر فيه بوجنتان محمرتان من الانفعال:
-أنا معزة!! انا معزة يا بدر؟؟
ليردد بدر من بين ضحكاته الصاخبة غامزًا إياها بعبث:
-أحلى معزة شوفتها في حياتي، هو في معزة شعرها أحمر هيجنني وقمر كده!
ثم أمسك بذراعه يصطنع الألم مغمغمًا بمكر:
-خفي ايدك يا معزتي، حاولي تبقي رقيقة شوية!
فزفرت أيسل بغرور مصطنع وهي تغمض عيناها وأجابت:
-أنا اوردي رقيقة أصلاً!
ليميل بدر برأسه نحوها يغازلها متساءلاً بمرح:
-انتي جايه من الارض ولا جايه من السما؟!
لترد أيسل بكل تلقائية نابعة من الغيظ الذي أحرق اعصابها:
-جايه من عند أمك!
ليضرب بدر خلفية رأسها وهو يصيح بذهول:
-أمك!! أمك يا بيئة، فين أيسل هانم الرقيقة البسكوته بنت الحسب والنسب!
فأمسكت أيسل يده التي تضربها وصاحت فيه بحنق:
-ما أنت اللي خرجتني عن شعوري وانا مبحبش النحنحه!
إنتبه بدر للحرق الذي ترك أثرًا واضحًا على يدها البيضاء الناعمة….
ربما خفت ألمه نوعًا ما.. ولكنه ترك ندبة واضحة مُسربلة برنين الألم الذي سيرن داخل أيسل كلما لمحت تلك الندبة…!
ليمسك يدها متحسسًا إياها بإصبعه ببطء وهو يسألها بحنان:
-لسه بتوجعك؟
فهزت أيسل رأسها وأجابت بخفوت يضاهي دور الفتاة السوقية التي كانت تمسك بمقاليد حروفها منذ قليل:
-لأ الألم هدي شوية لما حطيت المرهم
ليُقرب بدر يدها من فمه طابعًا عليها قبلة رقيقة عميقة أرسلت قشعريرة باردة على طول عمود أيسل بمجرد أن شعرت بشفتاه تلامس جرحها… فابتلعت ريقها بتوتر ساحبة يدها من بين قبضته لتصيح بتلقائية وهي تشير للطريق قاصدة تعكير تلك اللحظة الفياضة بمشاعر ستحرص على كتمانها مؤقتًا كما ستحرص على تأديبه:
-ركز في الطريق الله يسترك عشان هنمـ,ـوت محروقين بسبب قلة ادبك! *** في الصعيد…..
توجهت ليال للحديقة المُلحقة بالمنزل، وكما توقعت وجدت “هادي” ذلك الشاب الذي يعمل كـ “جنايني” يصغرها بسنوات فتقربت منه كالعادة كما تقربت من جميع مَن بالقصر… فرضت تعويذتها على كل الساكنين به إلا هو… ذلك العاصي الوحيد الذي لازال يتمرد على سحر تعويذتها العاطفية…!
اقتربت من هادي لتجده يقطع الأشجار كما هو معتاد أن يفعل، فاقتربت منه لتهتف بشقاوة الأطفال:
-عايزه أقطع شوية زيك يا هادي
فهز هادي رأسه نافيًا بابتسامة صافية:
-مش هتعرفي يا ست ليال
لتصر ليال على رأيها بعناد:
-لأ هعرف جربني بس ياعم مش هتخسر حاجة
ليومئ لها الاخر موافقًا على مضض، ثم أعطاها ذلك المقص لتحاول ليال تقليده ولكنها بالطبع لم تفعل بالطريقة الصحيحة لتتأفف بضيق من فشلها فاقترب “هادي” منها نوعا ما ثم رفع يده ممسكًا يدها بتلقائية ليجعلها تمسك المقص بالطريقة الصحيحة اولاً ثم قال في هدوء يشرح لها:
-لأ الاول تمسكي المقص كده عشان تقدري تضغطي وبعدين تعملي كده…. كاد يكمل كلامه ولكن صرخة عنيفة عالية بأسم ليال من “يونس” الذي لا يدروا متى جاء، ولكنه كان يقترب منهم بسرعة كوحش هائج يسير على ألسنة من اللهب
-لياااال…
لا يدري يونس ماهية ما شعر به تحديدا وهو يرى ذلك الشاب يمسك بأيدي “ليال” التي لم تمانع ابدا بل كانت مندمجة في اللعنة التي تفعلها، ولكنه شعر أن داخل صدره أصبح مجرد مغارة سوداء تتلظى باللهب، حتى إنفجرت مسام جلده كلها محترقة بذلك الشعور…!
وما إن اصبح أمامهم حتى جذب ليال من ذراعها بعنف ساحبًا إياها للداخل ولم ينطق بحرف واحد فيما كانت ليال تناديه بقلق وهي تحاول الاسراع من خطوتها لتسايره:
-بالراحه يا يونس هقع
ولكنه بدا وكأنه لم يسمعها ابدًا… وكأن ذلك الدخان الذي خلفه الحريق الضاري داخله عطل جميع حواسه فلم يعد يرى او يسمع او يحس بأي شيء سوى الاحتراق بشعور التملك المقيت…
دفعها يونس داخل الغرفة وهو يصيح فيها بإنفعال حاد دون مقدمات: