لتهمس ليال مبتلعة ريقها بصوت مبحوح:
-يونس أنا آآ…..
فسألها يونس بصوت بارد خاوي من كل المشاعر الإنسانية:
-إنتي حبتيني فعلاً في يوم من الأيام يا ليال؟
في البداية لم تستوعب ليال سؤاله، ولكنه قد أحسن تقديم لوحة السؤال لها لترسم عليها الأجابة الوحيدة التي تتفن في رسمها والتعبير عنها، فراحت تجيب دون تردد بنبرة مبحوحة:
-اكتر من اي حد واي حاجة في الدنيا دي والله العظيم
ليتفتت قناع جموده الذي كان يغطي ملامحه، ويعلو أزيز مرجل الغضب الذي يغلي داخله وهو يجذبها له محيطًا ذراعاها بقسوة ثم أخذ يهزها وهو يهدر فيها بعنف:
-كدابة، انتي كدابة، اللي بيحب حد مستحيل يأذيه بالطريقة دي، مستحيل يجبره على حاجة ويعمل حاجة هو عارف إنها هتوجعه جدًا
ثم لمحت طيف حنين مشوب بالألم وهو يستطرد:
-مستحيل يحرمه من حاجة هو بيحبها ويوجع قلبه كده، انتوا ليه عملتوا فيا كده؟؟ ليه بتحقدوا عليا بالطريقة دي وانا عمري ما رضيت الأذية لحد بقصد او بغير قصد
ثم دفعها بعيدًا عنه يرمقها بنظرات مزدردة وكأنها وباء:
-انتي واحدة أنانية متعرفش يعني إيه حب أصلًا، واحدة عملت كده لأسباب شخصية وتغاضت النظر عن أي حاجة تاني!
ثم تهادت نبرته للهدوء التام الذي يشبه السم القاتل ببطء شديد… لا تشعر به إلا حين تمـ,ـوت:
-أنا بكرهكم، بكرهكم كلكم..
وبكرهك انتي بالذات
لم يستطع كبت تعجبه حينما إستكان إلتواء شفتا ليال المقارب للبكاء ليصبح ابتسامة غريبة لا حياة فيها ولا مرح…
ثم قولها الهادئ الساخر الذي ينافي ما تصرخ به عيناها المتحجرة بالدموع:
-بجد!! بعد كل الاستنتاجات العظيمة دي بتكرهني، لا برافووو بجد
ثم صارت تصفق ببطء، إلى أن توقفت وهي تحدق به لينقلب هدوئها لثوران وجنون تام وهي تمسكه من ياقة قميصه مزمجرة فيه بجنون:
-بعد كل حاجة عملتها عشان اوصل لقلبك بتكرهني، بعد ما رميت حياتي ورا ضهري بتكرهني، بعد ما استحملت كل الاهانة دي بتكرهني!!
ثم ابتعدت لسنتيمتر لتفتح ازرار قميصها حتى ظهرت رقبتها ومقدمة صدرها، وراحت تضرب على رقبتها بعنف وهي تصرخ فيه متابعة بنفس الجنون:
-مين قالك اني محاولتش أطلعك من حياتي، أنا حاولت أنتـ,ـحر من اليأس، حاولت اخنق نفسي وأموـ,ـت وأخلص زي ما انت بتتمنى كل يوم وبتحاول تخنقني، بس فشلت…
ثم أشارت لرسغها بهيستيرية وأردفت:
-حاولت أقطع شرايين ايدي وبرضو فشلت، حتى المـ,ـوت فشلت فيه!!
ثم زمجرت فيه بصوت عالي مبحوح حتى شعرت أن حبالها الصوتية كادت تُمزق:
-مكنتش لاقيه سبب إني أعيش بعد وفاة ماما، ولما عملت اللي عملته فكرت إني بفتح باب اقدر اوصلك من خلاله وخاطرت بكل حاجة، وبعد كل ده بتكرهني
كان يونس يتابعها مبهوتًا مكانه…. وكل كلمة منها تخترق صدره لتسبب دوي عنيف… مصدومًا من ذلك العشق الذي أصبح لعنتها.. ذلك العشق دفن روحها في أسفل سافلين برماده الأسود ولم يتبق منها سوى أشباح تحاول إيجاد الخلاص لتلك الروح…!
إنتبه لها حينما بدأت تلطم خديها بعنف غير مبالية بأي ألم جسدي، وتصيح بهيستيرية:
-اكرهني يا يونس، اكرهني… اكرهني
فأمسك هو يداها بقوة يحاول إيقافها وهو يزجرها بحدة خفيفية:
-اهدي، ليال اهدي… بقول اهدي
ولكنها لم تهدئ ابدًا… كانت في حالة هيستيرية تمامًا…. ألم تكفيها قسوة والدها وتصرفاته الغير إنسانيه ولا أبوية ابدًا… ألا يكفيها تهديد لعين بحياة والدها تتذكره كل ليلة قبل أن تنام… ليأتي هو ويكمل عليها…..!!!؟ فلم يفعل هو سوى ما أتى بعقله ليُخرجها من تلك الحالة الهيستيرية، فكبل يداها بيد واحدة خلف ظهرها، وباليد الاخرى كان يثبت وجهها ليجتاح شفتاها في قبلة هوجاء… عنيفة… مضطربة المشاعر ومتأججة العاطفة…!
شفاهما تتلاقى في وصال حار… يحاول فيه تذوق ذلك العشق الذي يقطر من بين شفتاها عله يصبح دواء لكلاهما …!
مطلقًا الحرية لشعور ماكر كان متخفيًا تحت ظلال الكره والاشمئزاز، لينطلق مدغدغًا أعماقه.. متناثرًا داخله هنا وهناك… مسيطرًا على جزء ملحوظ منه….. بينما هي كانت مسلوبة الانفاس، تحاول إستدراك ما يحدث… ولكنها لم تعي ابدًا… لم تعي سوى وحالتها الهيستيرية تصبح بوابة لعبور ذلك الطوفان الجارف من العاطفة الحارة حينما لامست شفاه الغليظة نعومة شفتاها….
أبتعد يونس اخيرًا حينما شعر بحاجتهما للهواء، ليسألها بأنفاس لاهثة ونبرة خشنة:
-هديتي وفوقتي ولا لسه عايزه تفوقي؟!
لتضربه على صدره بقوة واهنة وتلك الحمرة تتضرج بوجنتاها من فرط الانفعال والخجل في آنٍ واحد… ثم ركضت نحو المرحاض لتدلف ثم تغلق الباب خلفها لتحبس نفسها به…. وتأخذ نفسًا عميقًا……..
بينما يونس لم يختلف حاله كثيرًا، لا يدري لمَ فعل ذلك ولا كيف… لا يدري إن كان فعله ليخرجها من تلك الحالة ام استجاب لوسوسة عاطفية غريبة بإذنيه، ولكنه يشعر بشيء غريب.. لا يشعر بالندم يمزقه إربًا كالمرة السابقة… !!
****** إجتمع كل مَن بالمنزل على صوت “طه” الذي إقتحم القصر تتبعه زوبه وهو يصرخ مناديًا بصوت عالي همجي:
-أيسل، إنتي فين تعالي يا شيطانة اظهري، يا حجه فاطمة
اقتربت منه فاطمة بسرعة تردد بدهشة وتعجب:
-في إيه، هو أنت داخل زريبة !!
ولكنه لم يرد عليها بل أشار نحو أيسل التي وقفت أمامهم بكل برود راسمة ابتسامة ثلجية مقصودة، وزمجر:
-هي دي اللي ربتيها احسن تربية وعلمتيها أحسن تعليم، علمتيها تبقى شيطانة وتقطع أكل عيش الناس
فضحكت أيسل دون مرح وهي تتشدق بازدراد:
-أكل عيش مقرف ومقزز زي كل حاجة في حياتكم!
بينما فاطمة تردد مدهوشة لا تستوعب شيء:
-تقطع اكل عيش إيه وشيطانة مين، خليك دوغري وقول انت عايز ٱيه يا راجل أنت!