Uncategorized

احتيال و غرام ٣

أتاه صوت الحاج عبد الرحمن الرجولي الرخيم وهو يقول:
-السلام عليكم، مين معايا؟
-وعليكم السلام، أنا بدر الجمّال ابن عم مريم بنت اختك يا حاج عبدالرحمن ازي حضرتك
-الحمدلله بخير يا بدر، ازيك انت وازي مريم؟
-الحمدلله احنا كويسين
صمت برهه ثم عاد يُكمل وهو يستعير كافة تركيزه ليوازن بين حروفه:
-كان في مشكلة بس كنت محتاج مساعدة حضرتك فيها
فسأله عبد الرحمن مستفسرًا:

-مشكلة إيه ربنا ما يجيب مشاكل
بدأ بدر يقص عليه كل شيء من البداية، منذ مَن كان سبب بشكل غير مباشر في دخول مريم السجن حتى محاولاتها ليومنا هذا….
وكان الآخر يستمع له مذهولاً مصدومًا يحاول إستيعاب ما يقوله، لم يتوقع ابدًا أن تصل مريم لخط اللاعودة..!
نعم كان يعلم بشكل ما أن مريم ليست هينة، ولكن أن يُصبح الحقد كقطعة بالية تُغلق عيناها عن أي شيء سواه، هذا ما لم يتوقعه ابدًا….!!!!
وحينما لم يسمع بدر اي رد على ما قاله، تنحنح يسأله بتوجس:
-حضرتك معايا؟
فابتلع الاخر تلك الغصة المريرة بحلقه وهو يجيبه:

-معاك يا بدر، أنا هاجي على طول يا بدر متقلقش وبأذنك يارب كل حاجة هتتصلح
حينها تنفس بدر بصوت مسموع وهو يدرك أن أخيرًا ذلك العبء الثقيل قد سقط عن كاحليه ليعطه حريته دون تأنيب قاسي من ضميره..! ********************************* بينما في الأسفل في نفس الوقت،، في احد أركان الحديقة المنعزل بشكل ما عن الرؤية…

كانت أيسل تضحك وهي تضـ,ـرب كفًا على كف على طفولية ليال الغير متناهية التي جعلت “الجنايني” يصنع لها أرجوحة في حديقة المنزل، إنتهت ليال من تثبيت الاسفنجة على الأرجوحة لتقفز جالسة عليها وهي تهتف بانشكاح طفولي وابتسامة حلوة:
-اخيرًا… يلا زوقيني بقا يا أيسل
-حاضر ياستي
وقفت أيسل خلفها وبالفعل بدأت تدفعها برفق بينما ليال تُحرك قدماها موازية حركة الارجوحة، وتطلق ضحكات عالية سعيدة… سعيدة هي جدًا…. تشعر أنها بين أحضان يونس تُجدد جلد طفولتها المشوهه بالقسوة لتخفي تلك الحروق الضارية أسفله.. وإلى الأبد..!

ثم نهضت وهي تشير برأسها لأيسل:
-يلا يا أيسل اقعدي وهزقك
فهزت أيسل رأسها نافية بسرعة وبتوتر ردت بـ:
-لأ بلاش افرضي حد جه وشافنا شكلنا هيبقى وحش اوي
فهزت ليال كتفاها بلامبالاة:
-فكك، اللي ليه عندنا فلوس يجي ياخدها !
عضت أيسل على شفتاها وهي تنقل أنظارها ما بين الأرجوحة وليال، لم تكن أيسل يومًا تلقائية متهورة تفعل ما يقفز لعقلها لحظيًا… بل كانت تحسب خطواتها دائمًا حتى إذا تقدمت خطوة لا تجد الجمر تحت اقدامها في الخطوة القادمة..!

بينما ليال شخصية شفافة… ما يقفز لعقلها يُترجم في تصرفاتها دون التعمق في التفكير، لا تفكر كثيرًا في الغد بل تحاول جاهدة في رسم اليوم بأفضل شكل فقط ليمر دون عناء…!

جلست أيسل بالفعل وهي تلملم خصلاتها الحمراء على جانب واحد، لتقف ليال خلفها تلك المرة وتبدأ في دفعها وهي تخبرها بابتسامة مرحة:
-غمضي عينيكي بقا وسيبي نفسك خالص واستمتعي، هتحسي بشعور جميل اوي
اومأت أيسل برأسها وقد بدأت تفعل ما تمليه عليها ليال…. تستمتع بذلك الشعور دون أي تدخل للعقل… فقط تحسه وتعيشه…..!
وبعد قليل نهضت أيسل لتعود ليال وتجلس مرة اخرى، ثم خرج صوتها هادئ يميل للألم الذي رن في نبرتها بخفاء:

-تعرفي إني طول طفولتي تقريبًا وأنا نفسي أعمل مرجيحة في بيتنا، وكل ما اكون مضايقة او حاسه بملل أركبها
فتنهدت أيسل بابتسامة خافتة ولم تجد ما تنطق به وقد أدركت مغزى الحرمان الذي عانت منه ليال، لتغير ليال مجرى الحديث بعدها:
-لكن مقولتيليش يا أيسل، انتي ليكي صحاب في القاهرة؟
فهزت أيسل رأسها نافية ومن ثم أخبرتها بصدق:
-لأ، أنا اصلاً شخصية انطوائية مش اجتماعية، فتقريبًا كده مليش صحاب بالمعنى الحرفي، ليا معارف بس، مامي بس هي اللي صحبتي
ثم ابتسمت وهي تستكمل وقد أغدق الحب حروفها:

-وانتي طبعًا، ربنا يعلم إني مش باخد على حد بسهولة ولا بحكيله عن حياتي بس انتي ارتاحتلك بسرعة لانك تدخلي القلب من غير استئذان
فبادلتها ليال الابتسامة المُحبة وقالت:
-شعور متبادل والله يا بيبي، ربنا يديم المحبة
وحينما كانت ليال تتحدث وبالطبع ظهرها لأيسل، لم تنتبه ليونس الذي أتى على أطراف أصابعه مُشيرًا لأيسل بإصبعه كعلامة للصمت ويهمس لها مُحركًا شفتاه دون أن يخرج صوته:
-متتكلميش
اومأت أيسل مبتسمة ثم ابتعدت ليقف يونس مكانها ويدفع ليال، فغادرت أيسل وهي تراقبهم بابتسامة رائقة متمنية لهم دوام السعادة…..

بينما هتفت ليال باستغراب وهي تدير وجهها قليلاً للخلف ولكن لم تلحق رؤية يونس:
-سكتي ليه يا أيسل مالك؟!
فأوقف يونس الأرجوحة ثم اقترب منها ببطء ليُحيط بها من الخلف ويداه قد عرفت طريقها لخصرها تحيط به بتملك، ثم همس جوار اذنها بنبرة رجولية أجشة:
-أيسل مشيت، مايمشيش معاكي يونس؟!
شهقت ليال بعنف من المفاجئة وبحركة مباغتة تحركت لتنزل من الأرجوحة بفزع فسقطت على الأرض وهي تغمغم بتذمر تكاد تبكي:
-حسبي الله ونعم الوكيل، في إنسان يخض جوزته الانسانه كده؟!

فضحك يونس وهو يقترب ليجلس على الارض خلفها، يعدل من وضعية حجابها ثم مال نحو وجنتها ليطبع قبلة عميقة عليها ويهمس غامزًا إياها بطرف عيناه:
-مساء الزبادي يا مُعذب فؤادي مفتقدني ولا عادي؟!
فنظرت له ليال شذرًا ليميل يونس نحوها مقتربًا منها وتعود هي للخلف بتلقائية، حتى داعب يونس أنفها بأنفه متمتمًا بنبرة صبيانية:
-شكله عادي، قولي اه اه متتكسفيش
فحاولت ليال دفعه بعيدًا عنها وهي تنهره بحرج وتلقي نظراتها يمينًا ويسارًا خشية رؤية اي شخص لهم:
-يووونس، ممكن حد يجي اتلم!

فاقترب يونس أكثر يميل بجسده نحوها حتى بدأت تشعر بجسده المتصلب ضد جسدها الغض يلتصق بها وهو يردف بعبث:
-طب ما احنا في بيتنا وقولتلهم محدش هيجي اتلم ليييه بقا ما احنا في بيتنا
لتصيح ليال مستنكرة بابتسامة لم تستطع :
-أنت بقيت قليل الادب كده امتى؟
ليعدل يونس من لياقة قميصه وهو يخبرها بفخر وكأنها تمتدحه بشدة:
-لأ منا في شوية حاجات كده مدكنها للحبايب
فضحكت ليال ومن ثم وضعت يداها على صدره تحاول إبعاده وكادت تنطق ولكنه قاطعها حينما وضع إصبعه على شفتاها يمنعها من نطق المزيد..

لتذوب عيناه وسط عسل عيناها اللامع المتوهج بعشقه وهو يهمس لها بخشونة:
-وحشتيني يا بطتي، بقالي كام يوم مش عارف استفرد بيكي!
لم يبعد إصبعه عن شفتاها بل كان يتلمسها تلقائيًا بشغف بينما هي تنطق بنعومة مستسلمة لشوقها له:
-وأنت وحشتني اوي اوي
ثم رفعت إصبعها في وجهه تستطرد بحذر:
-بس ده ميمنعش إن أنت لازم تبطل تحصر تفكيرك في الانحراف كده!
ليدنو يونس بوجهه منها، حتى أصبح وجهه أمام وجهها مباشرةً، فهمس بصوت رجولي عابث:
-يعني أنا انتي لوحدنا وثالثنا الشيطان وانتي قدامي مفيش سنتيمتر كده، عايزاني افكر في إيه غير الانحراف؟!

تفتكري في اللحظة دي هفكر في كيفية ختم المصحف ؟!
فضحكت ليال عاليًا ليسرح يونس في ضحكتها الرنانة التي لاقت صداها هدير عنيف بين ضلوعه… اصبح يشعر أن ضحكتها أصبحت تمثل له الدنيا بما فيها من ملاذ وحلاوة شعور…!

لينهض يونس ساحبًا إياها خلفه متوجهًا بها نحو غرفتهما حتى لا يثير فضيحة امام الجميع، بينما ليال تردد معترضة:
-يا يونس!
فاستدار يونس سريعًا يرمقها بنظرة مشتعلة بالمشاعر الحارة التي تجيش بصدره، ليردف بمكر خالطه العبث الرجولي:
-يا روح يونس، بقولك إيه انا زهقت من يونس حاف دي، إيه رأيك نخليها أبو يزيد مثلاً ؟! جميل ابو يزيد..
لتزداد ضحكات ليال والخجل بدأ يُداعب دواخلها من مغزى كلماته العابثة، ذلك الوقح الذي تعشقه..!
وكم تتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي سيصبح فيه ” ابو يزيد”…….!

**** اليوم التالي….
في الحارة التي تقطن بها مريم…. توجهت نحو باب المنزل لتفتحه بسبب الطرقات القوية عليه، عاقدة ما بين حاجبيها بغضب وهي تصيح مستنكرة الطرق المتلاحق:
-في إيه براحة يخربيت كده!
فتحت لتجد أمامها “حسن”.. ذلك الشاب جارها الذي كان سيساعدها في أخذ إنتقامها من أيسل في ذلك اليوم والذي شهد ضد طه مؤخرًا في قضيته…!
فارتسم الضيق على ملامحها وهي تسأله باستنكار:
-حسن!! أنت بتعمل إيه هنا يا حسن؟

ودون مقدمات دلف حسن للداخل بعدما دفعها ليُغلق الباب خلفه، ثم نظر لها نظرات زائغة أشعرتها بوجود خطب ما فيه، لم تكن تدري أنه ليس في كامل وعيه بسبب تلك المخدرات التي يتناولها احيانًا…
خاصة حينما نطق بنبرة غريبة وهو يتفحصها:
-أنا لاقيتك مابترديش على تليفوناتي فقولت لازم اجي اشوف في إيه
فهزت مريم رأسها نافية وبملامح متجهمة أجابته:
-لأ مفيش، الحوار اللي كنت هتساعدني فيه وهتاخد القرشين خلص خلاص! فمبقتش محتاجة مساعدتك ولو في حاجة تاني هبقى اقولك
ثم توجهت نحو الباب تنوي فتحه وهي تستكمل ببرود:

-ودلوقتي يلا بقا من هنا يا حسن ومتطلعش هنا تاني!
فصاح الاخر بضيق واضح:
-أنتي بتطرديني يا مريم؟ افهم إيه من كلامك ده يعني!؟
فعقدت مريم ذراعاها معًا ثم قالت وهي تضغط على كل حرف قاصدة إياه:
-يعني مش عايزه أشوفك تاني يا حسن، ومتشكرة ليك ياخويا على محاولتك
ليشيح حسن بيداه بطريقة “همجية” ويزمجر فيها بجنون كان وقوده المخدرات التي اذهبت عقله:
-ده إيه اصله ده، هو انا لعبة في ايدك! تعالى يا حسن امشي يا حسن، لااااا مش انا اللي ابقى لعبة في ايد مَره!

ثم اقترب منها ببطء وعيناه تُمشط جسدها بطريقة مُقززة، حتى أصبح امامها مباشرةً فهمس لها بنبرة تفوح منها نواياه القذرة:
-هو انتي كل ده مش واخده بالك!
فابتلعت مريم ريقها وهي تسأله بريبة:
-واخده بالي من إيه؟!
فجذبها له بحركة مباغتة يلصقها به وهو يتابع همسه المُريب:
-إني عايزك أنت يا جميل
كادت مريم تصرخ وهي تدفعه بعيدًا عنها ولكنه أحكم قبضته على فاهها وهو يهز رأسه نافيًا بهدوء غريب مرضي:
-تؤ تؤ خلينا حلوين مع بعض عشان منزعلش من بعض!

فارتفع الادرنالين لدى “مريم” وهي تحاول التملص من بين يداه بهيستيرية خاصةً حينما رأت الإصرار ينضح من عيناه… ولكنها شعرت أنه ليس هناك مهرب…. اصبح قلبها ينتفض في فزع مُهلك،، هي كانت تشعر داخلها أن النهاية ستأتي لا محالة ولكن لم تتوقعها أن تأتي سريعًا وتكون عقاب لها ايضًا…! يتبع…. احتيال وغرام الفصل التاسع عشر ( الأخير ) :- بعد مرور ثلاث أسابيع….

خرجت ليال من المرحاض تجفف وجهها بعد عودتها من الخارج، وتلك الابتسامة اللامعة تشرق ملامحها… حتى تلك اللحظة لا تصدق نتيجة التحليل التي أكدت أنها…. حامل!
نبضة هادرة عنيفة سيطرت على كلها وهي تحيط بطنها بيدها، وذلك الشعور اللذيذ الرائع ينثر وهجه الساطع بين ثناياها… يا الهي.. تحمل قطعة منه بين احشائها.. قطعة ستصبح القفل المتين الذي سيُحيط قلبيهما ليحفظ تلك العلاقة بعيدًا عن صدئ الماضي….

توجهت نحو يونس الذي كان جالس ممسكًا باللابتوب الخاص به يعمل بتركيز، لتتنحنح وهي تجلس جواره مباشرةً متمتمة بصوت خافت:
-يونس
فهمهم وتركيزه مُسلط على ما يفعله، فأكملت ليال بغيظ لأنه حتى لم ينظر لها:
-يونس ركز معايا شوية
فرمى نظرة خاطفة نحوها وهو يعود ببصره لما يفعل وتمتم في هدوء:
-ايوه معاكي اهوه يا حبيبتي
فكزت ليال على أسنانها ثم انتشلت “اللابتوب” من بين يداه لتغلقه وهي تقول من بين أسنانها بحنق:

-اهوووه اللي مش مخليك تركز معايا، ركز معايا بقا لو مفيهاش اساءة ادب
فزفر يونس على مهل وهو يستدير نحوها يسألها برقة محاولاً امتصاص غيظها وغضبها:
-معاكي يا حبيبتي، في إيه لكل ده؟!
فنهضت ليال لتقف امامه مباشرةً، ثم وضعت كفها على بطنها تتحسسه ببطء وتلك البسمة المُثقلة بالمشاعر تعود لتستوطن ثغرها، ولكن سرعان ما مُحيت تلك الابتسامة حينما سمعت يونس يردد قاصدًا مشاكستها:
-إيه ده، كرش ؟! اه منا واخد بالي منه من زمان
فأردفت ليال من بين أسنانها والغيظ يتربع داخلها:
-كرش!! هو ده اللي لفت نظرك؟!

ثم نظرت لبطنها وهي تتلمسها من جديد ليهز يونس رأسه يتابع وهو يضـ,ـرب كفًا على كف بنبرة مشاغبة:
-طب والله كرش، يابنتي لو عامله رچيم والمفروض أقولك الكرش راح نبهيني طيب!
لتزمجر ليال فيه بانفعال وهي تحيط عنقه وكأنها على وشك في التو:
-لأ انت فاكرني رقيقة ده انا قتالة
فضحك يونس وهو يتلقفها بين أحضانه مردفًا من وسط ضحكاته بنفس النبرة الشقية التي استفزتها:
-اهدي بس يا حبيبتي، الكرش علامة من علامات الجمال برضو
لتصرخ فيه ليال بحنق طفولي وهي على وشك البكاء:
-أنا حامل..

حامل يا أبو النباهه يا عديم الرومانسية والاحساس والمشاعر!
ليتجمد يونس مكانه وتلك الهالة العنيفة من المشاعر تضـ,ـربه مرة واحدة ليشعر بها كصاعق كهربائي أصاب بؤرة جوارحه…. هو راوده شك حينما تحسست بطنها ولكنه لم يتيقن… ولكن حينما تيقن…. أحس أن كل ذرة به تصرخ كالبوق في احد الحروب لتهلل بفرحة معلنة أحد اهم سطوره في صفحة هذه الحياه…!

انت في الصفحة 10 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى