-أيسل ركزي وجاوبيني عشان في كارثة احتمال تحصلنا
حينها عطفت عليه أيسل فنظرت له وحاولت إجبار صوتها على الخروج، فردت بصوت مبحوح وهي تهز رأسها:
-ايوه، ايوه اتصلت بلغت عن شقة دعارة!
فانتفض بدر من مكانه وهو يسحب يدها معه مغمغمًا بجزع:
-طب قومي بسرعة احنا لازم نمشي حالاً
فهزت أيسل رأسها نافية بسرعة وكأنها مصدومة من تفكيره بالرحيل وهي تشير لجسد والدتها المسجي ارضًا:
-لأ لأ استنى، وهي هنسيبها هنا!!؟
فحاول بدر مراعاة حالتها ليجيب محاولاً استجماع تركيزه:
-البوليس زمانه على وصول يا أيسل، ولو حلفنا لهم على المايه تجمد إننا مش احنا اللي محدش هيصدقنا، ومتقلقيش البوليس هيجي وهياخدوها واكيد هيبلغوا طه إنهم لاقوها، صدقيني كل حاجة هتتحل إلا احنا حياتنا هتتدمر ظلم لو مامشيناش دلوقتي حالاً كل ثانية بتفرق يا أيسل
لم تجيبه بل ظلت تنظر لجسد والدتها.. فسحبها بدر من يدها متجهًا نحو الخارج، فإنكمشت ملامح أيسل بالألم وكأنها عادت تلك الطفلة ذات الاربع سنوات والتي تُفرق عن والدتها من جديد ولكن…. للأبد دون خيط أمل للعودة..!!!!
حينها هزت أيسل رأسها ولم تشعر بشهقة البكاء التي غادرت شفتاها وكأن روحها الطفولية تغادرها لتتشبث بوالدتها الميتة:
-طب قومي وانا هسامحك، لو سبتيني تاني مش هسامحك والله… قومي بقااا طب انا مسمحاكي خلاص بس قومي يلا نمشي
وحينما كانت على عتبة الباب صرخت صرخة متحشرجة كانت بمثابة صاعق لعقلها المتجمد المصدوم الرافض للتصديق، ولأول مرة تناديها:
-يا ماااامااا قومييي والنبي
كان قلب بدر يلتوي ألمًا على صغيرته التي اتضح أنها عكس ما تتظاهر تمامًا….
كانت تخبرهم أن يبتعدوا عنها تمامًا وأنها تكرههم، بينما تلك الطفلة داخلها لازالت تنتظر أن يعودوا ليتلقفوها بين أحضانهم معتذرين منها عما بدر منهم..!!!!
بينما أيسل كانت تسير بصمت ودموعها تتسرب لتروي وجهها الشاحب، كم تمنت أن تناديها بـ أمي وهي على قيد الحياة… كم تمنت أن تحتضنها ولو لمرة… أن تسرح لها خصلاتها وتُدلكها لها قبل أن تنام… أن تعنفها حينما تخطئ وتجبرها على فعل اشياء لا تحبها فقط لمصلحتها هي وليس العكس… لم تتمنى الكثير هي فقط تمنت حياة طبيعية !!… **** على الطرف الآخر حيث القرية…..
فتح “يونس” عينـاه ببطء يتململ في نومته، فمد يده بتلقائية للفراش جواره ليجده بارد وفارغ.. فهب منتصبًا من الفراش بفزع وكأن كابوس رحيلها عاوده من جديد…
ونهض راكضًا نحو المرحاض ينادي بأسمها في هلع واضح:
-ليااااال… ليااال انتي فين؟
فخرجت ليال من المرحاض تجيب بسرعة:
-انا هنا يا يونس
وما إن رآها جذبها لأحضانه متنهدًا بقوة يدفنها بين ذراعيه… رحيلها أصبح هاجسه.. فكلما إختفت عن ناظريه سيشعر بشبح الفراق يلوح له من بعيد…!!!
فهمست ليال مشدوهه بعدم فهم:
-مالك يا يونس؟!
فابتعد يونس يمسك وجهها بين يداه متفحصًا كل إنش بوجهها وسوداوتاه تعكس لها بذور الخوف من الفقدان التي زُرعت داخله وأي تهور صغير منها سيسقي تلك البذور لتنمو اكثر فأكثر…!
ثم خرج صوته أجش وهو يخبرها آمرًا:
-اوعي تفكري تبعدي عني ابدًا
فهزت الاخرى رأسها نافية وقد استدركت خوفه، لتحيط وجهه بيدها الناعمة متحسسة ذقنه النامية وهي تهمس له بكل جوارحها مؤكدة:
-مقدرش أعمل كده يا يونس، أنت روحي.. هو في حد بيقدر يبعد عن روحه؟!
فأمسك هو بيدها التي تحيط وجهه ليلثم باطنها بعمق وقد بددت هي ذلك الشعور المقيت الذي تضخم داخله، ثم رفع عيناه لعيناها البُنية التي اكتشف أنه يُحب النظر لهما طويلاً.. طويلاً جدًا….
ثم تحركت عيناه تلقائيًا لتلتقي بحبيبتاه… شفتاها… حيث ملاذه… بين شفتاها يجد يونس الجديد… يونس المغمور بعاطفة مشتعلة جديدة عليه نوعًا ما… بين شفتاها يشعر بالكمال… يشعر بكل خلية به تنبض هادرة بأسمها… متمنية أن يظل هكذا… يقبلها حتى يكتفي وإن لم يكن هناك اكتفاء منها ابدًا…..
ودون أن يفكر اكثر كان يميل ملتقطًا شفتاها بلهفة، والشوق إن ظن أنه خفت بعدما امتلكها فقد اخطأ… لأنه وببساطة يشعر بسعير الشوق يزداد حرقة ولهبًا….. وهي… هي كانت كمن تلقى ترياق للعودة للحياة بعدما مات، فبعثها هو من جديد… بعشقه الذي أزهر زهور أنوثتها الذابلة… وبدأ يُدفئ البرودة الثلجية الفاقدة للحنان والحب داخلها….!!
وحينما شعرت بيداه تتسرب لأطراف ثوبها وشفتاه قد ازدادت تطلبًا، أمسكت بيده بسرعة ثم ابتعدت لتهمس من بين أنفاسها العالية:
-يونس لأ استنى
لم ينتبه كثيرًا لهمسها فتسربت شفتاه لرقبتها يلثمها بعمق، ولكنها ابتعدت وهي تقول بصوت أعلى وكأنها تنتشله من بين بقاع العاطفة التي غيبته عن واقعه:
-يووونس، مش هينفع.. انا عايزه أروح لبابا
حينها ابتعد يونس وكلمتها جمدته مكانه، ليبتعد قليلا ثم سألها بعدم فهم مستنكرًا:
-تروحي لبابا !! تروحيله فين؟
فابتلعت ريقها وهي تزيح خصلاتها التي تشعثت بسبب يداه العابثة، ثم هتفت بهدوء تخبره بما شغل بالها منذ عودتهم:
-أنا قررت أتنازل عن القضية وأخرجه
-نعم !! ومين قالك إني هخليكي تعملي كده، انا اللي رافع القضية ومش هتنازل
زمجر بها يونس بعصبية وقد عاد ذلك الغضب يتأجج داخله كلما تذكر اليوم العصيب الذي عاشه بسبب والدها المريض..!
لترد هي بجدية صلبة:
-وأنا اللي إتخطفت وهعمل كده، ده ابويا.. راح ولا جه أبويا ومقدرش أحبسه حتى شهر فما بالك بـ سنين !!
ليمسك يونس بذراعها يضغط عليه دون أن يشعر، ثم استطرد وقد فاح الألم من نبرته وكأنه يعيش تلك الليلة من جديد… بكل هواجسها، و عجزها…!
-طب وانا؟ عادي اللي عمله وخلاني أعيشه؟
عادي يمر يوم كامل معرفش انتي فين، هجرتيني فعلا زي ما كان عايز يقنعني ولا لا، واسأل نفسي طب لو هجرتيني عملتي كده ليه، طب لو معملتيش كده يبقى اتخطفتي؟!، طب مين اللي خطفك وخطفك ليه، يا ترى حد بيكرهني وعايز يأذيني فيكي ولا حد عايز فلوس ولا حد اصلاً وقعتي تحت ايده صدفة وطمعان فيكي وهيأذيكي!!
ثم تركها ليعطيها ظهره وهو يهز رأسه نافيًا، معلنًا عدم تخليه عن ثأره:
-لأ، لأ يا ليال اللي عيشته ده مش هيعدي بسهولة، وبعدين يمكن لو طلع اصلاً يفكر ياخدك تاني او يأذيكي او حتى يأذي بابا !!
فاقتربت منه ليال ببطء… تدرك جيدًا ما عاناه، وعقلها يؤيده بكل ذرة به، ولكن قلبها… ذلك القلب المتأصلة فيه الفطرة… يأبى أن يفعل ذلك بوالدها مهما فعل او سيفعل!
فاحتضنته وهي تلف يداها حول ظهره، ثم قالت بصوت هادئ ناعم تحاول أن تفك أمام عيناه طلسم الفطرة الذي يخضعها له رغمًا عنه:
-افهمني يا يونس.. انا عارفة وفاهمة كويس اوي اللي بتقوله لكن غصب عني حتى لو عقلي مقتنع باللي بتقوله بس ده ابويا، مش هرتاح ابدًا وانا عارفة إنه مسجون بسببي!! ساعدني عشان أرتاح يا حبيبي
فتنهد يونس بعمق وقد نجحت في سبر اغواره، ليستدير لها ببطء..
يسألها للمرة الاخيرة ولم ينكر تمنيه أن تنفي:
-انتي متأكدة إنك عايزه تعملي كده وهترتاحي لما تعملي كده يا ليال؟
فأومأت ليال مؤكدة بابتسامة خافتة:
-جدا جدا
حينها بادلها يونس تلك الابتسامة الحانية، ثم جذبها له برفق يحيطها بين أحضانه مقبلاً قمة رأسها بعمق ليعلن موافقته على مضض:
-خلاص يا حبيبي وانا معاكي طالما ده اللي هيريحك. …………………………………………….. بعد فترة… في مركز الشرطة…..
تنازلت ليال بالفعل عن المحضر ضد والدها، تنفست بعمق… هكذا تشعر أن مارد الفطرة قد استكان مغادرًا إياها بعدما نفذت ما أمرتها به فطرتها..!
خرج والدها من “الحبس” مع العسكري، وما إن رأى ليال ويونس حتى تجهمت ملامحه ليقول والغيظ ينضح من نبرته:
-جايين تشمتوا فيا
ثم نظر لـ ليال متابعًا بازدراد:
-وانتي، انتي إيه بنت حرام؟ بتسجني ابوكي، خسارة فيكي لقمة طفح اديتهالك وانتي صغيرة حتى
كز يونس على أسنانه بغيظ وهو يرمق ليال بنظرات ذات مغزى مرددًا:
-شوفتي؟
رجعت ريما لعادتها القديمة، اللي فيه طبع مابيغيروش ابدًا يا ليال
قاطعهم صوت الضابط الذي خرج هادئًا جادًا بنبرة دبلوماسية وهو يخبر حامد:
-الاستاذ يونس ومدامته اتنازلوا عن المحضر يا حامد
لم يستطع حامد السيطرة على أصابع الدهشة التي امتدت لتعبث بملامحه التي كانت مزدردة قاسية لتصبح مدهوشة متصنمة…!
فأكمل الضابط مؤكدًا ما سمعه حامد منذ ثوانٍ:
-يلا يا حامد تعالى امضي عشان تخرج
-تحت امرك يا باشا
وبالفعل اقترب حامد بلهفة ينهي اجراءات خروجه تحت أنظار ليال الساكنة ويونس الغاضبة….
وما إن انتهى وخرجوا امام المركز، وقفت ليال امام والدها بهدوء وجمود تام تخبره:
-أتمنى إنك تخرج من حياتي نهائيا وتنسى إنك خلفت بنت في يوم من الأيام
وكالعادة لم يبخل حامد عليها فبخ سمه المدسوس بين حروفه في وجهها وهو يتشدق بـ:
-انا اصلاً مش عايزك يا بنت زينب وفعلاً معنديش بنات!
ثم ألقى نظرة متهكمة تجاه يونس قبل أن يتابع:
-بس لما المحروس يندمك مترجعيش تعيطي
ثم استدار ليغادر دون أن ينتظر اكثر، لتتنهد ليال وهي تستجيب لدفئ احضان يونس الذي ضمها له وكأنه ينفي بصمت المغزى الذي ألقاه والدها بوجهها….