في الغرفة الخاصة بـ أيسل وبدر، أنهت أيسل كلامها بعد أن حكت كل ما حدث من إتصال والدها لبدر الذي جلس يستمع لها بأذن صاغية وقلب يتلاعب التوتر بأوتاره…
وما إن إنتهت حتى سألها بدر مستنكرًا بعتاب:
-وانتي لسه جايه تقوليلي دلوقتي يا أيسل؟ بعد يومين ؟؟ كنتي بتفكري تخبي عني ولا إيه؟
فعضت أيسل طرف شفتاها ثم ردت بصدق:
-بصراحة اه، مكنتش عارفة اعمل إيه، كنت كل ما اقول هروح احس إن حاجة جوايا بتقولي لأ اكيد بيلعبوا بيكي، بس برضو مش عارفة أتجاهل اللي قاله
تنهد بدر وهو يفكر مليًا، فقطع حديثهم صوت الهاتف الذي تصاعد معلنًا وصول اتصال، فنظرت أيسل للهاتف لتهمس:
-ده هو!
فأشار لها بدر بسرعة:
-ردي شوفي هيقول إيه
فأجابت أيسل بالفعل ليأتيها صوت والدها الذي أجاد ضبط نبرته على لحن الحزن الغائر وهو يتشدق بـ :
-ايسل، انتي ماجتيش ليه يا أيسل؟
فردت أيسل بنبرة فاترة:
-معلش مشغولة
فقال الاخر مستنكرًا:
-مشغولة على أمك يا أيسل؟! أمك حالتها اتدهورت عن الاول وخايفة تمـ,ـوت من غير ما تشوفك يا أيسل لاخر مرة
كزت أيسل على أسنانها بعنف… لمَ عليها أن تكون ابنتهم؟!… لمَ عليها أن تعيش صراع حاد داخلها ستنتصر به الفطرة بالتأكيد وستذهب لرؤية والدتها…. والدتها التي رمتها في الشوارع طفلة لم تتخطى الخمس سنوات..!!
فأغلقت أيسل الهاتف بقوة وهي تلقيه جوارها تزفر بحدة، ليسألها بدر مستفسرًا:
-قالك إيه؟
فردت أيسل ممسكة برأسها بين كفيها:
-قالي إن حالتها اتدهورت وإنها خايفة تمـ,ـوت قبل ما تشوفني لاخر مرة
حينها أحكم بدر قبضته حول يدها وهو يربت عليها برفق وحنان هامسًا بحزم:
-يلا يا أيسل، هتروحي وانا هروح معاكي وأتمنى من كل قلبي مايكونوش كدابين!
وبالفعل جهزوا حقائبهم سريعًا ليخبروا قاسم بمغادرتهم المؤقتة لمدة يوم فقط بسبب مرض والدتها ثم سيعودان مرة اخرى… وبالطبع ظهر لهم قلق قاسم الذي شعر بريبة من تلك المغادرة ولكن بدر حاول طمئنته مع وعده أن يلقي على مسامعه كل ما حدث ما إن يعودا…… **** بينما في الأعلى في غرفة يونس وليال….
اعتقدت ليال أن يونس قد غادر كما أخبرها فخرجت تحيط جسدها بـ “البُرنس” وقد تركت خصلاتها المُبللة على ظهرها بلامبالاة…
لتتجمد مكانها وهي ترى يونس جالس على الفراش يدخن سيجارته بشراهه، وما إن لاحظ وجودها حتى رفع رأسه لتصطدم عيناه بمظهرها الذي سلب لبه…. فتلمع عيناه بشغف وهو يرمقها بنظرات متفحصة بدايةً من خصلاتها السوداء القصيرة المُبللة التي تسقط منها قطرات المياه حتى ركبتاها الظاهرتان أسفل ذلك البُرنس القصير الضيق….!!!
ابتلعت ليال ريقها بتوتر تشعر أن نظراته جمرات تتساقط عليها ببطء لذيذ ومُهلك..!
نهض يونس متوجهًا نحوها ببطء مسلوب الارادة، لتغير هي اتجاهها بسرعة تود العودة للمرحاض، ولكن يد يونس كانت الاسرع ليجذبها من يدها بسرعة يُلصقها بالدولاب خلفها وقبل أن تعترض او تعي ما يحدث كانت شفتاه الاسرع لتكتم اعتراض شفتاها…. شفتاه تتلاعب بأوتار شفتاها المكتنزة.. يُقبلها بلهفة مجنونة محاولاً إطفاء الشووق الرهيييب الذي يغلي اسفل مسام جلده فيحرقه….
بينما هي كانت متخبطة… مختنقة ما بين العاطفة التي إندلعت بين ضلوعها، وما بين القول المتردد على أذنها أنها بلا كرامة ولا شخصية ولا كبرياء….
ابتعد يونس بعد لحظات حينما شعر بتململها واعتراضها، ليقرب أنفه من خصلاتها يتشممها وهو يهمس بأنفاس لاهثة لاهبة:
-مشتاقلك اووي.. مشتاقلك وكنت هتجنن من غيرك لدرجة إني حاسس إن مكنش في عمر قبلك ولا في بعدك!
قلبها كان يقرع الطبول مع كل حرف يخرج منه، ولكن عقلها تزاحم بالأفكار التي تؤرقها… فهمست دون شعور بحروف متحشرجة:
-ليه هما شايفيني ماعنديش كرامة ولا شخصية؟ هو بمزاجي إني احبك يا يونس، مش بمزاجي إن ربنا خلقني قوية في كل حاجة وضعيفة قدام مشاعري وعنيدة فيها…..
ليضع يونس إصبعه على شفتاها يقطع سيل الكلمات وعاد ليهمس بصوت متثاقل بالعاطفة:
-هششش، ماتكمليش… انتي مش معندكيش كرامة، انتي اكتر واحدى بتحبي من غير تفكير من غير تدخل العقل.. ووقعتيني…. قدرتي توقعيني يا لياليّ
رمقته ليال بنظرة غير مستوعبة ثم سألته بأنفاس متسارعة مبهورة:
-أنت حبتني يا يونس؟
فأغمض يونس عيناه يتلمس وجنتها الناعمة بذقنه النامية ببطء شديد مُهلك لكلاهما، ثم تابع همسه الخشن:
-يونس وقع في حبك بجنوووون، معرفش امتى وازاي بس مابقتش قادر انكر اكتر.. انا بعشقك..
يا الهي تشعر أن قلبها سيتوقف عن النبض حتمًا… هل هكذا يكون الشعور حينما تغمرك الفرحة فجأة كالفيضان بعد جفاف وقحط دام طويلاً…..؟!
أمسكت وجهه بين يداها وكأنها تتوسله ألا يكون حلمًا:
-بجد يا يونس؟ بتحبني بجد؟
فابتسم يونس ابتسامته الرجولية العابثة التي تزور ثغره لاول مرة في حضرتها، ثم أردف بمكر:
-هثبتلك بطريقتي حالاً
ولم يتردد في أخذ شفتاها في جولة اخرى يثبها فيها عاطفته ومشاعره التي أهلكت فؤاده بمحاولة نكرانها، واستجابت هي بكل وجدانها مستمتعة بحلاوة شعورها….
إرتجفت بعنف حينما هاجمها الهواء البارد حينما أزاح يونس البُرنس ببطء عن كتفها، وما إن وقعت عيناه على كتفها العاري حتى تذكر تلك الصور لتشتد قبضته على كتفها بعنف دون شعور حتى تأوهت بألم خفيف فهمس يونس لها بنبرة تملكية متقدة :
-انتي ليا، ملكي انا.. انا وبس!
فأومأت ليال مؤكدة تلقائيًا وكأنها تحاول بلمسة تلك النيران التي اُضرمت داخله وتراها بين عيناه الان:
-انا ملكك انت بس
بكل التوق… بكل الألم الذي عصف به في غيابها.. بكل اللوعة في العاطفة التي هاجمته في غياهب عشقها….
جذبها له نحو الفراش أخذًا إياها في وصال حار خاص جدا من نوعه… يصكها بملكيته ليثبت لنفسه المهتاجة فرائصه بالغيرة القاتلة من مجرد صور غير حقيقية أنها له… له فقط وستظل كذلك…… **** وبعد ساعات طويلة…. ليلاً…
وصل كلا من أيسل وبدر العنوان المعني، دلفا العمارة التي من المفترض أن العيادة تقطن بها ولكن مع سوء الحظ لم يكن هناك حارس للعمارة ليسألونه فصعدوا مباشرةً….
طرقت أيسل الباب وجوارها بدر المتأهب نسبيًا.. فُتح الباب ليُصدم كلاهما برؤية “مريم” التي لازالت نظرة الحدق معلقة بأهدابها…
فهمست أيسل بعدم فهم مشدوهه:
-انتي!! انتي جيباني هنا ليه وعايزه إيه؟
وبلحظة حدث كل شيء… شخص ظهر من العدم ليدفع بدر نحو الخارج بحركة مباغتة فكاد بدر يسقط والاخرى سحبت أيسل للداخل في نفس اللحظة لتغلق الباب بسرعة، فبدأ بدر يضـ,ـرب على الباب بجنون وهو يصرخ بعروق بارزة:
-افتحي يا مريم، يا مرييييم.. أيسسسسل
ثم بدأ ينظر في الاسفل عله يجد اي حارس او ما شابه ولكن لم يجد فجن جنونه اكثر وبدأ يدفع الباب محاولاً كسره….
بينما في الداخل أعطت مريم قطعة قماش بها مخدر لذلك الرجل وهي تقول بلهجة سريعة:
-يلا خلص بسرعة
ثم امسكت الهاتف لتتصل بالشرطة وهي تخبرهم بوجود شقة “للدعارة” ثم اخبرتهم بالعنوان وأغلقت وكسرت الخط…
بينما أيسل تصرخ وهي تحاول الإفلات من قبضة ذلك الرجل… وصراخها كان كالبنزين الذي سُكب على نيران بدر ليلتاع قلبه بالفزع وهو يدفع الباب بقوة اكبر …
بينما وداخل تلك الشقة.. كان يقف كلا من طه وزوبه يستمعان لما يحدث، طه بأعين شامتة وفرحة وهو يتذكر وعد مريم بابتزاز والدة أيسل وأخذ الاموال منها لاعادة ترميم الملهى، بينما زوبه… تلك الصرخة المستنجدة من أيسل هزت شيء داخلها… فهزت رأسها نافية وهي تسير بسرعة للخارج هامسة:
-لأ بنتي
فركض طه نحوها بسرعة يُكبلها كاتمًا فاهها وهو يصيح بها بنبرة منخفضة:
-انتي اتجننتي!! جايه تبوظي كل حاجة دلوقتي
بينما الاخرى تهز رأسها نافية محاولة التملص من بين قبضته…. لتزداد قبضته شراسة وهو يضغط على فاهها وأنفها دون أن يقصد….
فكُتمت أنفاس زوبه وهي تحاول دفعه، ولكن ليس للهرب وإنما حتى تستطع التقاط انفاسها التي بدأت تُكتم تمامًا….. لم يتركها طه إلا حينما شعر بحركتها تستكين تمامًا، حينها ابعد يده عنها هامسا لها في غل:
-اهدي بقا
ليجدها تسقط ارضًا فجأة مقطوعة الانفاس.. معلنة مغادرتها تلك الدنيا دون مقدمات… دون أن تعيد ترميم الملهى الذي رمت بأبنتها من اجله.. دون ان تفعل شيء جيد في حياتها !!…. إتسعت عينا الاخر بذهول وهو يتحسس نبضها ليدرك أنه وبلا وعي …..!!!!!!
اخذ ثواني حتى استوعب فركض نحو الخارج بسرعة وبهلع لتسأله مريم بقلق:
-في ايه؟!
فهمس الاخر بشفتان مهتزتان وبلا وعي يهذي:
-زوبه ماتت… .. من غير ما احس!
فشهقت مريم بفزع ودون أن تفكر مرتان كانت تفتح الباب لتنطلق راكضة بسرعة يتبعها طه وذلك الرجل…. ليدلف بدر بسرعة نحو أيسل التي كانت ساقطة ارضا متجمدة بما سمعت تهمس بوجه شاحب:
-ماما !!!!
فسألها بدر بلهفة:
-مالك يا حبيبتي عملوا إيه مالها مامتك؟
لتصرخ أيسل بجنون وكأنها استوعبت للتو:
– ل امي
وركضت نحو والدتها الراكدة ارضا لا حول ولا قوة لها… غافلين كلاهما عن الشرطة التي ستأتي بعد قليل لتجد قضية بدلا من قضية الاداب……….!! يتبع… احتيال وغرام الفصل السادس عشر /السابع عشر
كانت “أيسل” مستكينة مكانها أمام جـ,ـثمان والدتها.. تحدق بها بعينان خاويتان.. وجهها شاحب وكأن الروح غادرت جسد والدتها والأنفاس سُرقت منها هي، لا تستوعب… لا تستوعب ابدًا… كيف هكذا فجأة ماتت.. دون أن تعتذر منها.. دون أن تعوضها عما مضى.. دون أن تخبرها بمبررات تُسكت أنين روحها المذبوحة مرارًا وتكرارًا ..!!
ابتلعت ريقها وهي تمد يدها المرتعشة لتتلمس جـ,ـثمان والدتها وتهزها ببطء وهي تهمس بحروف وجدت المخرج من بين تصنم شفتاها بصعوبة:
-لأ، انتي أكيد مامـ,ـوتيش
ثم أصبحت تهزها بقوة أكبر متابعة تمتمتها التي قاربت على الغدو هيستيرية:
-قومي انتي مامـ,ـوتيش انا متأكدة، قومي يلا !!
فحاوط بدر كتفاها مسرعًا وهو يربت عليها برفق، ثم أغمض عيناه محاولاً ايجاد الكلمات المناسبة في ظل صدمته وجموده هو الآخر…
لتكمل أيسل بصوت اكثر هيستيرية وإنفجار ما بعد هدوء العاصفة:
-لأ، مينفعش تمـ,ـوتي دلوقتي.. انتوا اكيد بتمثلوا صح؟؟
ثم نظرت لبدر وسألته بهذيان ترجوه التأكيد على ما يهذي به عقلها لتسكين ذلك الألم الذي إنفجر داخلها كوباء ضاري:
-هي عايشة يا بدر، هما بيضحكوا عليا وبيخططوا لحاجة صح؟ انا كنت حاسه اصلاً
حينها أمسك بدر وجهها بين يداه يهزها برفق وهو يردف بصوت حاني حازم:
-أيسل، أيسل حبيبتي فوقي، ده قدرها..
ثم ضيق عيناه مفكرًا وقد عاد عقله للتفكير الذي توقف لدقائق:
-أيسل ركزي معايا، مريم إتصلت بالبوليس؟
رمقته أيسل بنبرة عابرة ثم عادت تحملق بالجـ,ـثمان امامها بتوهان وكأنما عقلها شُل تمامًا فلم يعد بمقدورها إعطاء اي استجابة لأي اشارات تخترق حدود العقل..!
فعاد بدر سؤاله بصوت أكثر حزمًا يحاول سرقة الاجابة التي تأخرت في خروجها للنور: