**** وبعد ساعات طويلة….. وصل كلاً من “بدر” وأيسل البلد من جديد، ولكن شتان ما بين حالهم وهم ذاهبون وحالهم وهم عائدون…!
ألقى بدر نظرة تجاه أيسل الميتة وهي على قيد الحياة، رباااه… وكأنها ذهبت بروحها لتتركها هناك ثم عادت مجرد صنم فقط لا يمت للانسانية بصلة..!!!
لم يفكر بالعودة للقصر حيث “فاطمة”، لأن أيسل وبحالتها تلك تحتاج أن تفرغ شظايا الألم التي غُرزت بين ثنايا قلبها واحدة واحدة… وهو متأكد أنها لن تفعل مع فاطمة… لن تُشعر فاطمة أنها لم تنجح في سد خانة الأم في حياتها، لن تُشعرها أنها فشلت في تعويضها….
هي نجحت..
وجدًا… ولولاها لكانت حياة أيسل اصبحت اسوء واسوء، ولكن الأم… تلك الفطرة التي خُلقنا عليها لا ترضى سوى بالأم الحقيقية سدًا لجوعها…! نزل من السيارة ليفتح الباب لأيسل ممسكًا بها وهو يهمس بحنان:
-يلا يا حبيبتي وصلنا
نزلت معه أيسل دون أن تنطق بحرف، ودلفوا للمنزل ليجدوا الجميع جالسين على السفرة يتناولون عشائهم، وبالطبع تعجب عيونهم من حالة أيسل الباهتة المُدمرة….
لتنهض ليال بسرعة تتوجه نحو أيسل وهي تسألها بقلق حقيقي:
-في إيه، مالك يا أيسل؟
لم ترد أيسل وإنما نظرت لها بتلك النظرة الخاوية الباردة المقتولة التي تحكي ألف قصة وقصة، ليجيب بدر بصوت آسف بدلاً منها:
-للاسف والدتها الحقيقية اتوفت النهارده وقدامنا
شهقت ليال تضع يدها على فاهها لتكتم شهقتها وقد أدركت الفجوة المؤلمة التي استوطنت روح “أيسل” .. ودون مقدمات كانت تحتضن أيسل بسرعة مرددة بخفوت حزين متأثر:
-البقاء لله يا أيسل ربنا يرحمها ويغفرلها يارب، ادعيلها كتيير هي دلوقتي محتاجة دعائك بس
اومأت أيسل برأسها ليتقدم منها يونس وقاسم ويهتفا :
-البقاء لله ربنا يرحمها يارب
فهزت رأسها بلامبالاة متمتمة بصوت شاحب خرج بصعوبة:
-ونعم بالله، يارب
ثم تحركت دون أن تنطق بالمزيد او تنتظر:
-بعد اذنكم
……………………………………………
صعدت لغرفتها هي وبدر،، يتبعها بدر الذي لحق بها بسرعة ليجدها تدلف الغرفة لترمي “الچاكيت” الذي كانت ترتديه فوق ثوبها.. ثم وقفت بهدوء خاوي تتنفس بصوت مسموع..
ليقف بدر خلفها.. أحاط بها من الخلف يتلمس ذراعاها العاريان بحنان جم، يرسل لها رسالة صامتة أنه هنا…. معها ولن يتركها… أنه سيكون لها الملاذ لو ضاقت بها الدنيا… سيكون لها الدفئ لو شعرت بالبرودة تجتاحها !!…
فوضعت هي يدها على ذراعه، لتقول بابتسامة مهزوزة تخفي ادراجها الكثير والكثير:
-انا كويسة يا بدر متقلقش
لم ينطق بدر بل ظل يربت على كتفاها بصمت وعيناه على وصال بعيناها من خلال المرآة… وكأنه يهبها القوة لتفصح بما يعج بداخلها وتُخرج تلك الصرخات التي يشعر بها تهز ضلوعها بعنف لتطلق سراحها….!!
فتابعت ايسل بينما تتمسك بتلك الابتسامة المهزوزة تحاول رسم الثبات وقد فضحتها نبرة صوتها المرتعشة:
-انا مش زعلانة، هزعل ليه اصلاً وهي عملت كل حاجة تخليني مزعلش عليها، هي ماعملتليش اي حاجة حلوة اتحسر عليها، فـ انا مش زعلانة بجد.. انا اصلاً كنت عايزاهم يخرجوا من حياتي
ثم بللت طرف شفتاها الشاحبة لتشير بيدها بعشوائية وتبعد عيناها عن عيناه التي كشفت كذبها بسهولة لتردف بصوت مبحوح… تلك البحة المتهدجة التي تسبق البكاء:
-انا اتصدمت شوية بس، لكن مش هزعل عليها لأ
فأدارها بدر له ليثبتها امامه محيطًا اياها وهو يخبرها بحزم:
-العيب مش إنك تزعلي عليها يا أيسل حتى لو هي كانت وحشة، العيب إنك تنكري زعلك عليها حتى لو هي وحشة.. دي مامتك، محدش فينا بيختار أمه وأبوه يا أيسل
كانت أيسل تهرب بعيناها منه… تعض على شفتاها محاولة منع البكاء الذي بدأ يهاجم شفتاها المرتعشة، ليرفع بدر وجهها متمتمًا بحنان كان المفتاح لكل ما تحاول إخفاؤوه وكتمانه:
-عيطي يا أيسل… عيطي ماتكتميش عياطك، عيطي عشان ترتاحي يا حبيبتي
حينها تفجر ذلك الكتمان لتشهق باكية بانهيار كان متواري خلف قناع الهدوء واللامبالاة والصدمة، ليضمها بدر بين أحضانه..
يتمنى لو استطاع أن يسحب منها ذرات الألم التي تختض داخلها فيرحمها قليلاً…. بينما أيسل تبكي بعنف كما لم يراها يومًا… تبكي أمًا حُرمت منها في الماضي والحاضر، تبكي حنان تمنت لو تناله منها…. تبكي فقدان ينهش روحها بمخالبه الضارية فيُشعرها بألم رهيييب… مجرد فكرة أن والدتها لم تعد في تلك الدنيا… لن تظهر امامها مرة اخرى ولو عن طريق الصدقة… ذلك الشعور المقيت رببطء كـ سم جبار المفعول….
لتضـ,ـرب على صدر بدر بقبضتها وهي تردد بهذيان من بين شهقاتها:
-هي سابتني تاني ليه يا بدر، ليييه..
ليه سابتني تاني انا مش هسامحها ابدًا
فكان بدر يربت على ظهرها بحنان ولا يملك ما ينطق به، فقط ألمها يؤلمه..يؤلمه جدًا ليُذكره بألم مُشابه لفقدان والديه…
سمعها تغمغم بحروف متقطعة وشهقاتها تتعالى:
-انا مكنتش عايزه حاجة كبيرة يا بدر، انا كان نفسي بس تديني اي مبرر لأنها ترميني زمان حتى لو كذب وكنت هصدقها، كان نفسي تعمل أي حاجة عشان تحسسني إنها ندمانة وتعوضني، كان نفسي أحس إني بنتها فعلاً.. إني مش منبوذة حتى من اهلي!!
ثم بدأت تمرغ وجهها في ملابسه كقطة تتوسل حنان صاحبها، لتمسك موضع قلبها تضغط عليه وقد خرجت منها الآهه المتحشرجة العميقة التي إنطلقت من أعمق نقطة ألم داخلها لتستقر بين ثناياه فتهزه كله:
-آآه يا بدر… قلبي واجعني اوي اوي، حاسه إني همـ,ـوت مش قادرة استحمل..
والله ما قادرة
ثم ازداد أنينها لتزيده وجعًا وهي تتابع بقهر باكية:
-بيوجع اوي، شعور بيوجع اوي يا بدر، إنك تحس إن أقرب حد في الدنيا ليك مبقاش معاك في الدنيا دي ومهما حصل مش هتشوفه تاني ابدا بيوجع اوووي
فدفعها بدر للخلف ببطء ورفق ليُجلسها على الفراش ثم هبط وببطء ورقة ليطبع قبلة طويلة حانية عميقة على موضع قلبها مباشرةً… وكأنه يحاول بلسمة ذلك الألم عله يرأف بقلب صغيرته قليلاً….
فأغمضت هي عيناها شاهقة بعنف.. ثم دفنت رأسها بين أحضانه وهي تحيطه متمتمة بصوت مذبوح مكتوم بالبكاء:
-احـ,ـضني يا بدر، احضـ,ـني جامد اوي يمكن أنسى إني بقيت يتيمة
فوضع هو إصبعه على شفتاها يُسكتها، ثم هز رأسه نافيًا وبنبرة قاطعة صلبة تحمل بين قشورها حنان دفين قال:
-اوعي تقولي كده طول منا عايش، لما امـ,ـوت ابقي قولي كده.. انتي بنتي قبل ما تكوني مراتي يا جنيني !
فارتسمت شبه ابتسامة شاحبة على أطراف ثغرها وهي تعود لتضم نفسها له بقوة… متوسلة النوم أن يفرض سيطرته على مقاليدها فيُغرقها في عالم اللاوعي ولو قليلا……
**** منزل فيروز…. وقفت فيروز أمام الشرفة تعض على أصابعها والغيظ يستوطن كل شبر بها فيجعلها مشتعلة بالغضب والكره والتوعد…
ليقطع الصمت جمال الذي قال بصوت أجش:
-خلاص يا فيروز اهدي، احنا كنا متوقعين إن يونس مش هيصدق اصلاً وإنه احتمال يلاقيها وياخدها من ابوها
فاستدارت فيروز له لتهتف بعينان محتقنتان بالغضب:
-وابوها القذر ما صدق خرج من السجن وسافر على طول، بعد ما كشفت نفسي قدام الشغالة اللي في بيت يونس عشان أمشي كل حاجة زي منا عاوزه عشان نخلص من البلوه دي وفي الاخر كل حاجة تبوظ بالبساطة دي!!
فتنهد جمال ليتابع قائلاً ما تتمناه وتهلل كل ذرة به ويكتم هو صوتها كالعادة:
-حاولي تنسي يونس يا فيروز، الطريق بينكم دلوقتي بقا شبه مستحيل
لتهتاج فرائص فيروز وهي تزمجر فيه بانفعال هيستيري:
-اسكت، اسكت خالص أنت السبب، أنت اللي ساعدت الحيوانة الخدامة دي عشان تاخده مني، خونت صاحبك وخونتني وخونت نفسك
فتمتم هو بصوت خفيض متنهدًا:
-عشان كده لما كلمتيني وطلبتي مني موضوع الصور مرفضتش
فارتسمت ابتسامة متهكمة على ثغر فيروز وهي تهز رأسها رافعة احدى حاجبيها باستنكار:
-لا يا راجل!!
أنت مرفضتش عشان أنت متقدرش ترفض فلوس، زي ما خدت تمن اللي عملته من مامي برضه!
كز جمال على أسنانه بعنف حتى اصدرت صكيكًا، لو تعلم… فقط لو تعلم… لو تعلم أن عشقها هو مَن جعله يفعل.. أن عشقها أصبح شمعة مُشتعلة بين ضلوعه يحرقه وهجها في كل يوم يمر وهو يتيقن أنها لن تكون له… بل لصديقه…… !!!
وحينما فعل ما فعل مع ليال كان بحاجة الاموال فعلاً وإلا كان سيكون في مأزق، ولم يفكر كثيرًا بل تصرف بتهور كما أملى عليه شيطانه ليهددها…
إنتبه لها حينما رفعت إصبعها في وجهه تكمل وكأنها تحذره أن يقف عقبة في طريقها:
-ويونس ليا وهيفضل ليا، وليال زي ما دخلت بينا فجأة هتخرج برضو لأن يونس مش هيكون لواحدة غيري، الخدامة دي مش هتنفذ اللي هي عايزاه وتكسب هي..!
فراح جمال يردف بجدية حادة يضع نصب عيناها ما ترفض أن تفتح عيناها تجاهه لتراه: