فعقد يونس حاجباه مصطنعًا عدم الفهم وهو يُقربها منه مرة اخرى:
-شغل!! يعني إيه شغل؟
فضحكت ليال وبحركة مباغتة ركضت من بين احضانه وهي تردد له بخبث انثوي قاصدة إغاظته:
-تيكير بقا يا بيبي عشان حمايا قاسم باشا حبيب قلبي وحشني!
فكز يونس على أسنانه بغيظ وبتذمر راح يصيح:
-يااااه على غدر البشر ياااه، وقد حسبتُ أني لا أهون ولكني قد هُنت يا لياااااال **** في غرفة “بدر وأيسل”….
دخل بدر الغرفة حاملاً بيده صينية افطار لأيسل التي أعربت عن عدم قدرتها على النزول، فاقترب منها وهو يهتف بمرح وحنو:
-أحلى صينية فطار لأحلى جنية في الدنيا
فابتسمت أيسل بوهن… كم هي محظوظة به.. بحنانه.. واهتمامه وحبه الذي لا يتوقف عن إغداقها به في محاولة لأن تلتئم جروحها..!
جلس جوارها يضع الصينية امامها لتهمس هي برقة:
-شكرًا يا حبيبي
فداعب بدر أنفها بإصبعه متمتمًا بحنان وحب:
-العفوا يا عيون حبيبك
بدأا كلاهما يتناولان طعامها وبعد قليل قطعت أيسل الصمت قائلة بجدية بها رياح غضب:
-اللي لازم يتحبس، مستحيل هو يتهنى بحياته وهي خسرت حياتها وكمان هرب وسابها
فأومأ بدر مؤكدًا برأسه:
-كنت متأكد إنك هتقولي كده، أنا بس مستني الدنيا تهدى ولما البوليس هيحقق ساعتها تقوليلهم بقا اللي حصل وإن شاء الله هيتجازى، ربنا مابيحبش الظلم
اومأت أيسل مؤكدة برأسها تستشف عقلانية حديثه ليقترب بدر منها مقبلاً قمة رأسها بعمق…
إرتفع صوت رنين هاتف أيسل فأمسكت به هامسة بابتسامة حانية لبدر:
-دي مامي!
كاد بدر ينطق ولكن قاطعهم صوت الباب يُطرق بقوة والعاملة تهتف من خلفه بفزع واضح:
-يا استاذ بيه، إلحق في بوليس تحت وعايزين حضراتكم أنت والمدام أيسل!
تجمد كلاهما للحظات والخدر قد إنتشر بكافة خلاياهما، ولكن اول من استطاع سحب عقله من سطو خدر الصدمة كان بدر الذي نهض مسرعًا ليركض نحو الأسفل مع العاملة تتبعه أيسل التي كانت لا تفقه شيء….
اجتمع كل مَن بالبيت فور حضور الشرطة، وعلى رأسهم قاسم الذي سأل الضابط في احترام:
-خير يا حضرت الظابط في إيه؟
فرد الضابط بصوت أجش:
-بدر وزوجته أيسل الرافعي مُتهمين بجريمة ت ل
رآن الصمت بين الجميع وقد حلت عليهم الصدمة كلعنة كتمت افواههم وسرقت حروفهم، فتقدم العساكر يُحيطون بأيسل وبدر ليصيح بدر مسرعًا:
– !! إيه مستحيل
فتقدم يونس هو الآخر متدخلاً وبنبرة مضطربة:
-اكيد في حاجة غلط يا حضرت الظابط، مين؟؟
فأشار الضابط برأسه بتقزز نحو أيسل:
-والدتها!
وليال هي الاخرى كانت متجمدة مكانها مثل أيسل التي بدأت تهز رأسها نافية والدموع تتسابق لعيناها بخوف، وبالفعل اخذت عناصر الشرطة كلاً من أيسل وبدر وسط صدمة وجزع وتهليل منهم وبالطبع لحق بهم البقية على مديرية الشرطة…..
…………………………………………….. بعد فترة….
إنتهت أيسل من قص كل ما حدث على مسامع الضابط بنبرة طبعًا يتخللها البكاء الهيستيري الذي عاودها بمجرد تذكر ما حدث بالاضافة لكم الضغط النفسي الذي تعرضت له وهي مُتهمة رسميًا والدتها….!!!
زفر الضابط مفكرًا وهو يخبرهم بجدية:
-أحنا هنستنى برضو تقرير الطب الشرعي يمكن يثبت برائتكم، لكن لو محصلش فـ انتوا للاسف كل حاجة ضدكم وبشهادة الشهود!
فشهقت أيسل وهي تخبره بوهن:
-انا مستحيل ، دي أمي ازاي بس وليه اصلاً
وما إن أنهت حديثها صدح صوت الهاتف معلنًا وصول اتصال فأجاب الضابط بنبرة دبلوماسية:
-الوووو
ثم ضاقت عيناه وهو يُعير المتصل كافة تركيزه، ليقول بهدوء:
-تمام تمام
ثم أغلق الهاتف لينظر لكلاً من أيسل وبدر بابتسامة هادئة مُهنئًا:
-ربنا بيحبكم!
ليسأله قاسم ويونس في صوت واحد بتوجس:
-خير ان شاء الله ؟
ليرد الضابط بهدوء يخبرهم:
-تقرير الطب الشرعي وبعد التحقيق، إتطابق بصمات زوج القتيلة على العقد اللي كانت لبساه تقريبًا هو مسكه من غير قصد اثناء الشد والجذب بينهم قبل الوفاة وخلاص هيتقبض عليه وهنعيد التحقيق معاه هو والشاب اللي معاه
-واخيرًا..
قالها بدر وهو يُدلك جبهته بإرهاق نفسي مفرط، ليقترب من أيسل يُحيط كتفها بحنان وكأنه يخبرها أن النهاية قد صكت صكيكها…. وما إن انتهى كل شيء، أعلن التوتر إنتهاء حصاره الذي فرضه على كل خلية بهم، فيما اخذت أيسل نفسًا عميقًا وكأن الهواء وجد مأواه بين ضلوعها واخيرًا فظلت تهمس لنفسها بصوت منخفض باكي:
-الحمدلله يارب الحمدلله
فيما ربت يونس على كتف بدر داعمًا إياه وقد اُزيحت تلك الصخرة عن قلوبهم دون اي تضحية…
……………………………………………..
وعلى الطرف الآخر وبعد فترة…. تم القبض على “طه” وذلك الشاب وسط صراخ طه الهلوع وهو يدرك أن كل خيوطه التي حاكها لتكون الشبكة التي تحبس أيسل، تسربت لتحيط به من كل جانب خانقة إياه وسط أنفاسه….
فكان طه يردد بهيستيرية وهو يدرك دمار كل شيء وقيام الفساد المُبطن أسفل الحياة التي بناها على ذلك الفساد لتتدمر تلك الحياة بلحظة:
-لا سيبوني، انا مش هتحبس، لا انا بقولكم سيبوني
بينما ذلك الشاب وحينما أدرك إنهيار تلك الخطة السريعة التي وضعتها مريم غافلة عن إرادة القدر وتدخله لوضع نقطة النهاية لصفحات حياة مُظلمة بسواد خطايا تلك الدنيا….
لم يفكر كثيرًا بل لم يكن امامه حل سوى الاعتراف بما حدث لينجو، فتشبث مخالب العقاب أكثر بـ طه.. ناهيك عن العقاب في دار الآخرة……… ***** في منزل فيروز….
وقفت فيروز أمام جمال بعصبية هوجاء تسأله ولا تقبل بالرفض جواب، وكأن كبريائها اللعين يرفض الخضوع لرغبة اخرى ربما تكون غبار عليه..!
-يعني إيه كأنه مسمعش حاجة؟! انت قولتله إيه يا جمال وهو قالك إيه؟
فزفر جمال ومن ثم راح يخبرها بخشونة:
-قولتله إن ليال اخدت من مامتك فلوس وإن مامتك عرضت عليها مبلغ كبير عشان توافق وفهمته من تحت لتحت إن ليال ممكن تتهور وتغلط تاني طالما اول غلطة غلطتها بدافع الحب
فظلت فيروز تتنفس بصوت مسموع وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة بغضب… اللعنة… لم تستطع هز حجر واحد حتى مما بنته تلك الساقطة ليال…!!
فسمعت بعدها صوت جمال الصلب يتشدق بـ:
-أظن عملت المحاولة اللي انتي عايزاها عشان ترتاحي وتتأكدي إن خلاص يونس مش هيبعد عنها
فزمجرت فيه فيروز بجنون وكأن تلك الكلمات التعويذة التي تُحضر شياطينها:
-ملكش دعوة يا جمال، امشي يا جمال امشي خلاص انا مش محتاجة مساعدتك ارجع امريكا تاني
فاقترب منها جمال يسألها رافعًا حاجبه الأيسر بحذر:
-على أساس إنك هتحاولي تدينا فرصة؟! ولا إنتي كنتي بتعملي كده عشان أعمل اللي انتي عاوزاه وبس وانا أصلاً مش فارق معاكي؟
بملامح جامدة باردة خالية من توهج صغير لأي شعور ردت:
-اعتبرها زي ما تعتبرها، بعد اذنك اتفضل عشان انا تعبانة وعايزه أرتاح
فكز جمال على أسنانه بغضب… كان يشعر… يشعر أن فيروز التي يعرفها لن يُهمها مشاعره التي رصها اسفل اقدامها يتوسلها أن تنتشل تلك المشاعر لتسمح لها بإختراق ثقوب قلبها المُصنم…. ولكن كما توقع داست على تلك المشاعر لتجعل منها مجرد “معبر” يصلها بما تريد تحقيقه في سبيل ذلك الكبرياء اللعين الذي بات يمقته فيها…..! فتذكر مقابلته الحاسمة مع يونس…..
كما توقع تمامًا بمجرد أن رآه يونس حتى إنقض عليه يمسكه من تلابيبه وهو يهزه بعنف صارخًا فيه بانفعال مفرط:
-أنت كمان ليك عين تيجي لحد هنا يا زبالة يا **** يا بجاحتك يا شيخ
حاول جمال تخليص نفسه من قبضة يونس التي كانت بمثابة حديد أسهم هو في تسخينه بلهب الخـ,ـيانة حتى أحمّر وأصبح في أوج إشتعاله….
فقال بعدها مسرعًا بنبرة متوترة:
-اسمعني يا يونس انا كلمتين وماشي ومش هتشوف وشي تاني انا عارف إنك مستحيل تسامحني
فدفعه يونس بعيدًا عنه بازدراء مؤكدًا:
-كويس إنك عارف، وحتى الكلمتين بتوعك مايشرفنيش إني اسمعهم
فتنهد جمال ما قال عمدًا ثم تابـع بجدية:
-هعرفك كل اللي حصل يمكن أقدر أكفر عن غلطي في حقك مع إني عارف إنه مستحيل، مامة فيروز هي اللي خلتني انا وليال نعمل اللي عملناه، ادتني فلوس وسفرتني امريكا وادت ليال فلوس وساعدتها إنها تتجوزك
تجمد يونس مكانه يحاول إستيعاب ما يقول، كيف لم يشك بـ حماته المصون… حماته التي كانت ثعبان تغير جلدها من الرفض والمقت للقبول الزائف الذي صدقه هو بكل بلاهه..!
وليال….
ليال أخذت اموال في المقابل؟!… اعتقد أنها فعلت ما فعلت لأجل عشقها فقط…ولكن الان يشعر أن كلمات جمال كالمطرقة التي أطاحت باعتقاده هذا….
خاصةً حينما اكمل جمال بكلمات قصدها مُبرر لنفسه ولكنها تسربت داخل عقل يونس لتُسربل بالشرور الانسانية التي يخشى أن تكون في ليال…
-أنت عارف يا يونس إن الانسان لما يكون فعلاً محتاج فلوس وتتعرض عليه الشيطان مش بيسيبه في حاله!
صمت برهه ثم أكمل بسرعة:
-بس ليال بتحبك انا متأكد من ده، ونشوى عرفت تستغل الحب ده عشان تقنعها تمامًا!
فضغط يونس على قبضة يده بغل وهو يهمس متوعدًا إياها:
-وديني وما اعبد ما هسيبها في حالها، وزي ما لعبت بيا وبحياتي هدمرلها شغلها وأخليها تلف حوالين نفسها ومتعرفش تلحق نفسها
ثم نظر لجمال تلك النظرة المُشمئزة وهو يسأله بنبرة غليظة:
-خلصت الكلمتين بتوعك؟ اتفضل من غير مطرود
فاستطرد جمال بسرعة، لا يدري أيفعل ذلك بدافع الانانية حتى يضمن أن فيروز له.. ام يفعل ذلك حتى يُعيد ضميره الذي استفاق قليلاً فقط لحالة الخدر التي كان عليها:
-فيروز لسه عايزه تبعد ليال عنك بأي طريقة عشان تنتقم لكبريائها اللي من وجهة نظرها ليال داست عليه وانتصرت عليها وخدتك منها
فضيق يونس عيناه يسأله بشك:
-انت بتعمل كده وبتعرفني ليه؟
فهز جمال كتفاه بلامبالاة مصطنعة:
-تقدر تعتبره تأنيب ضمير!
ثم استدار ليغادر متمتمًا بتنهيدة عميقة حملت في طياتها الكثير والكثير:
-سلام يا يونس
………………………………………………
عاد جمال من شروده لينظر لفيروز قائلاً بنبرة صلبة أجشة:
-انا اسبوع وهسافر امريكا تاني يا فيروز، فكري كويس اوي لو حابه تدي نفسك فرصة لبداية جديدة
ثم استدار ليغادر ولكن حينما كان يغادر سمعوا صوت اصطدام عنيف على الأرض فركضت فيروز بفزع نحو الاعلى لتجد والدتها ساقطة ارضًا فاقدة الوعي فأصابها الهلع وهي ترفعها بمعاونة جمال ليضعوها على الفراش….
ثم إتصلت بالطبيب الخاص بهم، ليأتي بعد قليل وبعد الفحص تنهد وهو يخبرها بحروف فاح منها الاسف:
-انا حذرت والدتك ونصحتها تسافر امريكا للعلاج لكن هي ماسمعتش كلامي رغم إني قولتلها التأخير مش في مصلحتها خالص
فسألته فيروز مستنكرة بملامح مبهوتة:
-حالة إيه يا دكتور؟
-والدتك مُصابة بكانسر في المخ، وافضل حل إنها تسافر تقضي فترة العلاج هناك
حينها شعرت فيروز أن الدنيا تدور بها…. وأنها أصبحت امام خياران الاختيار بينهما لعنة أصابتها ويبدو أنها لن تتخلص منها…. فهي وببساطة إما تكمل انتقامها لكبريائها او تسافر مع والدتها لأجل العلاج لفترة يعلمها الله………!
****
