– عيونك هي الحلوة عشان شايفاني كده. احتضنها معتز بقوة أكثر، كأنه يريد أن يُدخلها داخله: – بحبك. ثم أمسك الفرشاة، وبدأ يسرّح لها شعرها بحب، ينظر إليها في انعكاس المرآة، وهمس: – بحب أسرّح لبنوتي وحبيبة قلبي… عندك اعتراض؟ هزّت رأسها نافية وهي تبتسم بخجل من تصرفه، لم تشعر به وهو يترك الفرشاة، ويزيح شعرها إلى الجانب، ويطبع على خدّها قُبلة، تركت بها أثرًا، ثم ضحك: – قلبي، انتي لسه بتتكسفي مني؟!
ما زال صدى ضحكاته في أذنها… ما زالت تشعر بلمساته، وهمساته، وعشقه.
كان يلقّبها بابنته، فأين هو الآن؟
كل الذكريات عالقة بداخلها، لم تتركها…
ألهذا الحد انخدعت به؟ وثقت فيه، ومنحته مفاتيح قلبها وعطائها؟
والمقابل؟
طعنة بشرف من أحبّته. ما أصعب أن تظلمك من كنت تحتمي به…
صرخة مدوية خرجت منها، ألقت ما بيدها تجاه المرآة، تحطّمت، وتبعثرت، مثل قلبها تمامًا…
سقطت تبكي بانهيار. دخلت والدتها مسرعة عند سماع الصرخة، وصوت التكسير، احتضنتها وهي تهدئ من روعها:
– يا حبيبتي يا بنتي، مالك؟ حصلك حاجة؟ نظرت الأم حولها، إلى قطع الزجاج المتناثرة على الأرض، أخذتها بين ذراعيها، أجلستها على الفراش، تحاول تهدئتها: – حبيبتي يا نور عيني، إيه جرالك بس؟ منه لله اللي كان السبب… يارب، فك كربنا، يا كريم. لكن نحيبها لم يهدأ، بل كانت تبكي وتتكلم ودموعها تنهمر: – عملت كل حاجة، والله حافظت على بيتي، رغم معاملته اللي اتغيّرت بعد الحادثة. عملته زي ابني، عمري ما اشتكيتلك اللي بيعمله معايا… كتمت جوايا، وقلت عشان الحادثة مأثرة عليه، وكنت بعدّي…
لكنه بقى كويس، ولسه برده بيعاملني كأني… كأني قتـ,ــ,ـلت له قتيل!
نظرت الأم إلى ابنتها، فوجدتها أغمضت عينيها، ودمعة عالقة بين جفنيها. مسحتها، قبّلتها، دثّرتها جيدًا، وبدأت تتلو لها بعض الآيات.
ثم نهضت لتنظف الغرفة من الفوضى التي خلّفها الألم. —
رسائل يومية لم تنقطع عنها منذ ذلك الحادث الأليم. لم ييأس، ولم يملّ أو يكلّ.
استيقظت صباحًا على ألم يعصف برأسها، وعيناها متورمتان من أثر بكاء الأمس. وضعت يدها على وجهها، كأنها تريد محو كل ظلم ووجع تعرّضت له.
حمدت الله على نعمة النسيان، لكن ماذا عن قلبها؟ ذاك القلب المذبوح بسكين بارد؟
رفعت يديها إلى السماء، تدعو الله بحرقة، فما أجمل دعوة المظلوم… فهي لا تُرد.
رنّ هاتفها معلنًا عن رسالة واردة. تأففت بضجر، تظنها من ذلك المجهول الذي يطاردها دومًا، ذاك الذي كان سببًا فيما آلت إليه حالها. نظرت إلى الرسالة: “صباح الخير على أجمل وردة، النهاردة يوم جديد، سيبي اللي فات وعيشي الحاضر… لسه فيه مفاجآت تسرّك.” ابتسمت، رغمًا عنها، كأن الكلمات تعبّر عن حالتها بالفعل.
كيف شعر بي؟!
همست لنفسها بتعجّب: – غريبة أوي… مين ده؟! هُف بقى… ابعد عني. نفضت عنها ذلك الإحساس سريعًا، وقامت بحظر رقمه، ثم نهضت تجهّز نفسها للذهاب إلى الجريدة.
قابلت والدتها، التي لم تبخل عليها بدعواتها وكلماتها الدافئة، تحثّها على التماسك والمثابرة.
كانت لها نعمة السند في كل ضعف، قبّلتها على وجنتيها وغادرت. … استيقظت في موعدها المعتاد. تحسّست جانبها فلم تجده.
اعتدلت ونهضت، وفي طريقها إلى المطبخ لتجهيز الفطور، تفاجأت به خارجًا يحمل كوب قهوته الصباحية. تطلع إليها بوجه جامد خالٍ من أي تعبير، تحدث دون أن يلتفت إليها أو يتراجع عمّا قرره مسبقًا: – أنا فطرت، ما تعمليش حسابي. غادر من أمامها، متوجهًا إلى غرفته مجددًا، لإنهاء بعض الأمور التي كان قد رتبها مسبقًا.
يتبع بقلم شروق مصطفى وانصهر الجليد الجزء الثالث من رواية جمر الجليد 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
الفصل الرابع بقلم شروق مصطفى وانصهر الجليد الجزء الثالث من رواية جمر الجليد
تتبعته بعينيها حتى ولج إلى الغرفة. تنهدت بألم داخلي وهي تمسح دمعة كانت على وشك السقوط، وهمست لذاتها:
“عارفة إني كنت قاسية معاك، بس لازم أضحي عشانك… ولو مرة.”