Uncategorized

جمر الجليد شروق مصطفى ١

دلفت لتحضير قهوتها، لكنها لم تعد ترغب في شيء.
أحضرتها وجلست تحتسيها في الصالة، حتى سمعت صوت إغلاق الباب. يبدو أنه غادر دون أن يودعها.
يبدو أنه فكر جيدًا في حديثها بالأمس، وبدأ في تنفيذ القرار الآن. ستنتظر قراره الحاسم بشأن حياتهما إذن. بعد قليل، نهضت بتكاسل للذهاب إلى الجريدة. — تقابلت مع صديقتها داخل الجريدة، وكلٌّ منهن في عالمها الخاص. قطع الصمت اتصال هاتفي، كان المتصل “عاصم”.
لم تدرِ لماذا خفق قلبها بشدة حين سمعت صوته. لم يُعطِها فرصة للسؤال أو الاطمئنان، بل بادرها بخبر محدد بجفاء:

قال عاصم بجفاء:
– أنا سافرت. سيلا، بصدمة وتردد:
– س… سافرت؟ ف… فين؟ وليه؟ – بحققلك أمنيتك. مش ده اللي انتي عاوزاه؟ نبعد. كتمت صوت نحيبها وهتفت داخليًا بألم: “بالسرعة دي؟!”
قالت بتردد:
– طيب… هتيجي إمتى؟ نظرت إلى الهاتف بصدمة من طريقته في الحديث معها، ومن إنهائه المكالمة بهذا الشكل. لم تكن تنتظر منه أن يرحل، ويغلق الباب في وجهها بهذه القسوة.
ندمت على ما قالته، ولعنت نفسها على غبائها الذي فرّط فيه. اغرورقت عيناها بالدموع، ونهضت مي بسرعة تحتضنها بشدة، تسألها بدهشة عن تغيرها المفاجئ.

قالت مي بلهفة وهي تجذبها إليها وتربت عليها:
– سيلا، مالك؟ في إيه؟ مين اللي كلمك؟ سيلا، بدموع تائهة وقرارات مشتتة:
– د… ده… عاصم… سافر خلاص. مش هيرجع تاني. ضيّعته خلاص. حاولت مي أن تفهمها وتهدّئها:
– طيب اهدي… طيب، بصي، هروح أستأذن من أستاذ أحمد ونمشي نقعد في أي مكان نتكلم براحتنا، ماشي؟ لم تجد ردًا منها سوى صوت نحيبها وهمسها الخافت:
– ضيّعته خلاص. ركضت مي لأخذ الإذن وغادرتا سويًا… بقلم شروق مصطفى وانصهر الجليد الجزء الثالث من رواية جمر الجليد
—

في أحد الكافيهات المطلة على النيل، جلست كل من مي وسيلا، تحاول مي التخفيف عنها بعد أن روت لها ما حدث. مي، بصدمة من فعلتها لكنها لم ترد أن تزيد عليها أكثر، فقالت بحنان:
– متقلقيش، عاصم بيحبك. عمره ما يفكر يجرحك. هو أكيد متضايق، وسافر للشغل، يمكن فرصة تهدوا شوية وتروق النفوس. بس انتي غلطانة يا سيلا برضه. هزت سيلا رأسها موافقة:
– أنا عارفة إني غلطانة، بس هو ذنبه إيه يربط نفسه بواحدة مش بتخلف زيي؟

أوجع مي حديثها، لكنها أخفت ذلك وقالت محاولة طمأنتها:
– بس اللي بينكم أكبر من كده. ومتحكميش على كلام دكاترة، ياما دكاترة قالوا مفيش أمل، ودلوقتي عندهم ثلاثة وأربعة. إرادة ربنا فوق كل شيء، والصبر ده ابتلاء، يشوف قد إيه تصبري عليه. بس إنتي مع أول وقعة، قولتيله يمشي ويسيبك؟ طيب حبكم فين؟ خلاص كده؟

مسحت سيلا عبراتها بأناملها وقالت بصوت مبحوح:
– ونعمة بالله… بس مفيش أمل يا مي، صدقيني. خمس سنين! أنا بقيت ست عندها خمسين سنة ومش هشيل عيل! الدكتور صدمني لما شاف الأشعة، فاكرها بتاعة ماما. تخيلي! كنت مستنية رده، قالي دي أشعة واحدة عندها فوق الأربعين! وكمان، متنسيش مرضي كله مأثر. يا مي، ليه أحرمه من الأبوة؟ أنا مش قادرة أقدم له أبسط حاجة، إنه يشيل حتة منه، يشيل اسمه. هو نفسه في عيال، وأنا بحرمه من أقل حاجة بعد كل اللي عمله عشاني.

قالت مي، متأثرة بضيق لما تعانيه:
– وده المقابل؟ إنكم تسيبوا بعض بسهولة كده؟ يا بنتي مش كل دكتور قال كلمتين يبقى قرآن! مفيش تغيير؟ سيبيها على ربنا، هتمشي. والله ما تقعدي تعكنني على نفسك وتبوّزي بيتك وجوزك. سيلا، بألم لا تسمع شيئًا سوى صوتها الداخلي:
– الحاجة الوحيدة اللي مفروض أقدمها له، مستحيلة. يا مي، افهميني بقى! هو هيزعل شوية بس هينساني مع الوقت، ويقابل اللي تجيب له اللي يشيل اسمه. قالت مي، بحزن:
– طيب، وانتي بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش ده اللي انتي عاوزاه؟

هتفت سيلا، بعينين تبرقان من الدموع:
– عشان بحبه! لأ، أنا بعشقه كمان. هو النفس اللي بتنفسه. مش عارفة من غيره هعمل إيه. حاسة إن روحي هتطلع لو روحت ملقتوش قدامي. وهو قالي مش هيرجع. هو أماني، خايفة أروح لوحدي، إزاي هنام وهو مش معايا؟ إزاي؟ دمعت عينا مي تأثرًا، وقالت بحرارة:
– حاسة بيكي، والله. طيب كلميه، قولي له يرجع بسرعة. أوعوا تبعدوا عن بعض طالما رباط الحب قوي. أوعي تضيعيه، لو ضاع هتخسري كل حاجة… كلميه بسرعة.

بقلم شروق مصطفى وانصهر الجليد الجزء الثالث من رواية جمر الجليد نظرت سيلا لها بتوهان وقلة حيلة، وقالت:
– هنتعود… أكيد هنتعود. مقابل إنه يكون سعيد. أنا بس… الصدمة أخدتني شوية. سيبيه يجرب نصيبه مع حد تاني. مي، بعدم اقتناع وحزن على حالة صديقة عمرها:
– طيب… لما تهدي كده وتعيدي تفكيرك، ربنا ينور بصيرتك إن شاء الله. تلقت رسالة مرة أخرى من ذات المجهول: “لا تجعلي الحزن يدق قلبك، عزيزتي. فالسعادة خُلِقت لتكون من نصيبك. وإن حظرتيني، سأظهر لكِ ولن أيأس. فقط أنتظر الرد لنصبح أصدقاء.”

تحدثت مي بضجر وبصوتٍ عالٍ، وقد علت نبرة عصبيتها:
– مفيش فايدة فيك يا بني آدم! إنت مش بتزهق؟ مستفز! سيلا، بتعجب:
– بتكلمي نفسك يا مي ولا إيه؟ في إيه؟ مي، وهي تتنفس بغضب:
– معرفش! واحد فاضي، كل يوم يبعتلي رسايل! وهو أصلاً سبب انفصالي، ولسه مستمر، ولا بيتعب! سيلا، بصدمة:
– إزاي كده؟ إنتي ماتعرفيش جاب رقمك منين؟ – هاعرفه منين؟ بس سيبيكِ منه، مش في دماغي أصلًا. نظرت لها سيلا بتردد قبل أن تقول:
– احكيلي يا مي عن سبب انفصالك إنتي ومعتز.

تنهدت مي تنهيدة حارّة وقالت:
– أقولك إيه ولا إيه؟ أقولك عن ظلمه ليا ولا إهانته؟ ولا عن كسرته اللي مش قادرة أنساها؟ بجد… مش قادرة أتكلم. سيلا، بصدمة:
– ظلمك؟ معقولة! أطرقت مي رأسها، والدموع تلمع في عينيها، تحاول نسيان ما مرت به، ثم قصّت عليها كل شيء:
– آه، ظلمني… قتـ,ــ,ـلني يا سيلا، ذبحني!
أنا اللي كنت بشيله برموش عيني، ومحافظة على بيته واسمه ومرضه… وفي الآخر، ذبحني. صمتت قليلًا، تحاول ابتلاع مرارة حلقها، ثم هتفت بألم:
– مادانيش فرصة أشرح… مصدقنيش يا سيلا.

خرجت من حصونها، ما زال الجرح ينزف، لم يلتئم بعد:
– أنا اتخدعت فيه، كأني حشرة رماها في لحظة وداس عليها.
كان معيشني في وهم، وصحيت على ألم على وشي.
من البداية ماحبنيش يا سيلا زي ما قالي…
كنت مجرد هدف وصله، ورماني في لحظة كأنه بينتقم أو حالف يكسرني…
وفعلًا، كسرني. من هول الصدمة، احتضنتها سيلا بقوة، كلاهما يحاول تهوين الألم عن الأخرى.
وبعد لحظات، تملصت مي من حضنها، تمسح دموعها بتحدٍ، وقالت:

– كفاية دموع! أنا وعدت نفسي إني مش هبكي تاني عليه، هاعتبره مات ودفنته خلاص.
هقوّي نفسي… بس انتي يا سيلا غيري! عاصم بيحبك، وراضي باللي ربنا قسمه.
الحقيقة ماينفعش تبعدوا عن بعض… كتر البُعد بيعلم الجفا. ابتلعت سيلا غصّة مريرة في حلقها، وقالت بصوت مكسور:
– مش يمكن ينسى؟ زي أخوه ما عمل معاكي؟
أنا مش مصدقة إن معتز عمل كده… ده كان بيمـ,ـوت فيكي، وحارب عشانك.
للدرجة دي ممكن عاصم يعمل زيه؟ مش بعيد…
أنا كلمته امبارح… وسافر النهاردة عشان ينفذ اللي أنا قولته!
هسيبه… ولو لينا نصيب، هنرجع.

مرّ الوقت وهما على حالهما، كلٌّ منهما تشكو للأخرى، واحدة تحمل وجع الظلم، والأخرى تختار التضحية من أجل سعادة من تحب. وبعد وقتٍ من البوح والدموع، غادرت كلٌّ منهن في طريق مختلف،
تحمل كل واحدة في قلبها ثقل العالم…
إحداهن مظلومة، والأخرى ضحّت بصمت. بقلم شروق مصطفى وانصهر الجليد الجزء الثالث من رواية جمر الجليد الفصل الخامس والسادس جمر الجليد ج3 بقلم شروق مصطفى

رجعت سيلا إلى المنزل تخطو خطوات مترددة، وقفت للحظة، ولم تكن تملك القدرة على الدخول، لكن معرفتها بأنه قد غادر دفعتها لأن تخطو خطواتها إلى الداخل ببطء، ثم أغلقت الباب خلفها.
نظرت نظرة خالية من أي مشاعر إلى ما حولها، ثم وضعت المفاتيح على الطاولة القريبة من الباب، وجلست على أقرب كرسي، وأجهشت في بكاءٍ نهضت بتكاسل تتوجه إلى غرفة نومهما، تجرّ قدميها إلى الداخل، حتى اصطدمت حواسها بعطره الأخّاذ.
استشعرت بقربه، فتوجهت إلى ملابسه المعلّقة، امتلكتها بأناملها برقة، وأخرجت أحد قمصانه، احتضنته واستنشقته، ثم بدّلت ملابسها بقميصه، وكأنها تطلب منه الاحتواء.

تحركت أناملها نحو طاولة الزينة التي تحمل عطره المفضل، ووضعت عدة قطرات على عنقها ومقدمة صدرها، وفي أنحاء الغرفة.
ثم افترشت الفراش، واحتضنت نفسها كجنين، وعباراتها تتساقط في صمتٍ تام، حتى غفت بحزن.
…
أما مي أثناء عودتها، وقبل أن تستقل إحدى وسائل المواصلات، صدر عن هاتفها رسالة من رقم جديد:
“ما تركبيش لوحدك أي تاكسي، اركبي مواصلة تانية تكون زحمة… خايف عليكي بجد.”

نظرت حولها بترقب، تحاول أن تكتشف من يراقبها، لكنها لم تجد أحدًا.
كانت ستجن بسببه قريبًا، ومع ذلك، وبعناد وتحدٍ، أوقفت تاكسي وصعدت إلى المقعد الخلفي.
لم تمر لحظات حتى صدر عن هاتفها رسالة أخرى:
“كلامي مش بتسمع ليه؟”

لم تتحرك السيارة كثيرًا حتى توقفت، وصعد راكب بجانب السائق، ثم تحركت مرة أخرى.
وبعد قليل، نزلت هي، وفور نزولها، أصدر هاتفها رسالة أخرى.
نظرت على أثرها إلى التاكسي الذي انطلق أمامها، وهي مصدومة من محتوى الرسالة.
لم تكن قد انتبهت إلى الراكب… فكان هو نفسه الشخص الذي يراسلها!
…..
صباح اليوم التالي، كانت طاقتها قد نفدت، ولم تعد تملك القدرة على التواصل مع أي شخص.
فاتصلت بصديقتها، وأبلغتها بأنها ستسافر، وطلبت منها أن تقدم لها إجازة من الجريدة.
ثم نهضت لتجهّز حقيبتها وتتوجه إلى الإسكندرية، التي كانت دائمًا ملجأها عند الهروب من الواقع.

…
لم يكفّ ذلك المجهول عن إزعاجها، وأخيرًا قررت الرد عليه. كتبت له رسالة ردًا على رسالته الأخيرة، التي كانت منذ يومين، عندما شعرت بالخوف قليلًا لقربه منها وركوبه معها أيضًا، فكتبت:
“إنت مين وعاوز مني إيه بالضبط؟” تركت هاتفها جانبًا، ونهضت بعد أن أرسلت لصديقتها بشأن الإجازة، وبعد توقيعها من المدير، عادت ووجدت رسالة منه:
“أنا مش هطمع أكتر… عايز أكون صديق فقط، مش عايز حاجة منك.” فكتبت له:
“عرفت رقمي منين؟ ومكان الجريدة كمان؟”

وانتظرت الرد…
لكنه تأخّر. نفخت بضيق، وأغلقت الهاتف بتأفف، ثم أنهت ما كان أمامها، وغادرت. …
ظلّت تراسل ذلك المجهول بعد أن ردّ عليها برسالة متأخرة:
“عرفتك لما جيت يوم الجريدة أنشر إعلان، وقتها لمحتك، وصورتك ما فارقتنيش، وتابعتك من وقتها. عمري ما يئست، حتى بعد ما اختفيتي من الجريدة، لحد ما جبت رقمك من قريب.”

وأخذت محادثتهما مسارًا جديدًا؛ فهي تحاول أن تتناسى تجربتها الفاشلة السابقة معه.
رغم أن قلبها يؤلمها ويخبرها بالابتعاد عنه فورًا، فإن عقلها يريد الاقتراب وخوض تجربة جديدة، تنسيها ما مرت به، وتملأ ذلك الفراغ المميت داخلها.
شعرت بانجذاب نحوه، وبأنه يعرف ما تريده قبل أن تتكلم، ويشعر بها قبل أن تتحدث.
وبرّرت تلك العلاقة بأنها صداقة لكليهما؛ فهو أيضًا مرّ بتجربة مؤلمة، خسر فيها كل من أحبهم، ويستمع إليها وإلى آلامها.
اعتاد على مرحها وضحكها، ثم سألها فجأة:
“حبيتيه؟”

صُدمت من سؤاله، وأدمعت عيناها، لكنه شعر بحزنها وسَبقها بالقول:
“آسف لو ضايقتك… ممكن ما ترديش، عادي.” وبيدين مرتعشتين، كتبت على شاشة الهاتف، برجفة سرَت في جميع أعضائها:
“هو أول حب دق له قلبي… وهو أول من كسر لي قلبي.”
“ممكن تقفل الكلام عن الموضوع ده؟ لو عاوز نفضل أصحاب، ما تكلمنيش عنه تاني. أنا بنساه، ما تفكرنيش بيه.” كان حديثه معها دائمًا عبر رسائل الواتساب أو من خلال موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، فقال معتذرًا:
“آسف لو ضايقتك، بس هو غبي اللي يسيب حد زيك. هتنسيه، وبكره هيبقى مجرد ذكرى، ومش هتفتكريه. إنتي ألف واحد يتمناكي.”

أغلقت الحديث معه بسرعة، لورود مكالمة من صديقتها.
وضعت الهاتف على أذنها باشتياق، بعد فراق عشرة أيام دون رؤيتها، فسمعتها تقول بحب:
“حبيبتي، وحشتيني أوي! هترجعي إمتى؟ الجريدة وحشة من غيرك أوي! هتفت سيلا بحب:
“وإنتي أكتر يا مي والله. أخبارك إيه؟ وأخبار الشغل؟ كنت عاوزاكي تمدّيلي الإجازة كمان، قولي له أجازة مفتوحة يا مي.” هتفت الأخرى بوجع:
“لسه برضو مصمّمة تهربي من الواقع؟ عمر الهروب ما قوّى يا سيلا. كلميه، ومضيّعيش حبكم في هروب وخوف من شيء مجهول في علم الغيب. دي إرادة ربنا، ما لناش يد فيها. اعقلي يا سيلا، ما تتعبيش قلب الراجل معاكي.”

هتفت سيلا بألم:
“مش قادرة أتكلم… حاسة إني بنهار، وهو بعيد عني. ده حتى ما كلّفش نفسه يطمن عليا بسؤال بسيط، إن كنت محتاجة حاجة، أو حتى أنا لسه في بيتي ولا رحت فين، عايشة ولا متّ حتى!” “بعد الشر عليكي! ما تقوليش كده تاني، فاهمة؟” سيلا، بدهشة:
“طيب… بتعيّطي ليه دلوقتي إنتي؟” مي، بعد أن مسحت بأناملها دموعها:
“عشان مش قادرة على فراق كل حبايبي… كفاية كده بجد.” تحدثت سيلا بحنان:
“معلش يا حبيبتي، مش قصدي والله. طيب، إيه رأيك تيجي تقضي عندي يومين إجازة؟ الجو في إسكندرية في الشتا تحفة بجد.”

“وفكرك أستاذ أحمد هيوافق على إجازة ليا أنا كمان؟” هتفت سيلا بحماس:
“جرّبي! مش هنخسر حاجة. وخلي مامتك تيجي معاكي، محتاجة حضنها أوي… محتاجاكم أوي معايا. جرّبي عشان خاطري يا مي. الشاليه كبير، وفيه كل حاجة متوفرة. هستنى مكالمتك، أطلع آخدكم من بره، لأن الشاليه قدام البحر تمام.” “تمام يا سيلا، حاضر. أنا محتاجة أغيّر جو فعلًا، لأن اللي جوايا لسه ما عداش. هدخل دلوقتي لمستر أحمد، وربنا يكون هادي كده ويوافق… يا رب.” “يا رب يا حبيبتي. هقفل أنا… مع السلامة.”
……..

دلفت مي إلى منزلها بإرهاق، فوجدت أخيها وأولاده يمرحون حولها بسعادة. “خالتو جت!”
نزلت إلى مستواهم وقبّلتهم بحب:
“حبايب قلبي يا ناس، وحشتوني أوي!” مازن، الأكبر ذو الست سنوات، وعلي، يصغره بعامين، قال بشقاوة اعتادت عليها منهم:
“فين الشوكولاتة يا خالتو؟” قهقهت بمرح، وأخرجت من حقيبتها بعض الحلوى:
“دي بتاعتك إنت وأخوك، يلا يلا جوّه.” دخلت خلفهم، وألقت التحية عليهم، ثم جلست بجانب أمل وقالت لها:
“وحشتيني أوي، بقالكم فترة ماجيتوش، وحشوني أوي… القرود دول.”

أردفت أمل بمرحها المعتاد:
“أهم القرود دول اللي شاغلني! لولاهم، كنت هنا على طول. بس إنتي عارفة المدرسة ودروس مازن، وعلي كمان بدأ له تأسيس، مدرسين طول الأسبوع.” ابتسمت لها الأخرى:
“ربنا معاكي يارب… أمال فين هيثم؟ مجاش ولا إيه؟” “لا، وصلهم وراح شغله، وهييجي بالليل ياخدهم.”
هكذا تحدثت والدتها. “طيب، هقوم أغير وأجي، نِرغي مع بعض.” نهضت وتركتهم لتبديل ثيابها، فسمعت صوت إشعار هاتفها بوصول رسالة له:
“وصلتي؟ طمنيني.” جلست على الفراش، وشعرت ببعض الضيق يعتريها لما تفعله، ثم أرسلت له:
“آه، وصلت تمام. هقفل عشان عندي مرات أخويا وأولادهم، مش هيفضى أكلمك.”

راسلها برسالة:
“ليه كده؟ كنت محتاج أتكلم معاكي.” فكتبت له سريعًا ثم أغلقت المحادثة:
“صعب، نتكلم بعدين… باي.” كادت أن تخرج، لكنها استمعت إلى حديثهم الذي آلم قلبها.
استمعت إلى أمل تقول:
“يعني يا طنط، مفيش فرصة حتى تشوفيه؟ يمكن يحصل قبول! هو صاحب هيثم في المركز، ومنفصل، ومعندوش أولاد… شايفاه مناسب جدًا، شاب كويس جدًا بجد.” كادت الأم أن ترد، لكنها…

🌹🌹🌹🌹
الفصل السادس
كادت الأم أن ترد، لكنها أغلقت الحديث مع أمل عندما حضرت ابنتها، فجلست جانبهم، فصمتوا فجأة.
تحدثت مي بعدها بمرح:
“ها ها، هنتغدى إيه النهارده؟ أنا شامّة ريحة محشي، صح؟ ولا بيتهيألي؟ أوعوا تكونوا أكلتوا من ورايا، أزعل والله! وأجيب الناس اللي في الشارع اللي ورانا يزعلوا معايا!” ظلّت تضحك معهما، وضحكا معها أيضًا. قالت أمل وهي تضحك وتغمز لها:
“آه، محشي طبعًا، بإمارة إني جيت من بدري وساعدت ماما كمان! الناس اللي بتيجي تاكل على الجاهز دي، ها!”

تقمّصت مي شخصية درامية:
“آه، قلبي الصغير لا يتحمل… محشي! وأمل بنفسها تحشيه! إحنا أصلًا مش بنشوف المحشي إلا بوجودك يا أمولتي… الحب كله! ما تجيبي بوسة يا بت انتي!” ابتعدت أمل عنها وهي تضحك، فقد اقتربت منها مي لتقبّلها غصبًا.
، خلاص، مش عاوز حاجة، خلاص، أنا جعت! مش هتأكلوني ولا إيه؟ أنا تعبانة فيه من الصبح! هتفت مي أيضًا:
وأنا جعانة! يلا يا أمل نصبّر العيال الغلابة دول، وإحنا معاهم كمان. نهضت مي وأمل سويًا…

مساءً، نهضت مي لتحضّر الشاي، وقد حضر هيثم، الذي فاتح والدته بخصوص عرض زواج صديقه بأخته، لكن والدته طلبت منه الصبر قليلًا لإعطائها المساحة الكافية لبدء تجربة جديدة، حتى لا تؤثر سلبًا على حالتها، فقلبها ما زال به جرح: سيبها شوية يا هيثم، وهو لو مستعجل يشوف حد تاني. أنا بنتي مش مستعجلة تاني، خلاص، إحنا اتقرصنا مرة. قال هيثم:
“يعني أقوله يستنى؟ ولا أقوله لأ؟”

ردّت نبيلة:
“هو شافها فين؟ أو يعرفها منين عشان يستنى؟ ممكن يكون عاوز يتجوز أي حد وخلاص! لو كده يا بني، قوله إحنا مش مستعجلين. البنت لسه خارجة من تجربة فاشلة، مش حِمل تجربة تانية، مش جواز وخلاص! نفسيتها مش هتستحمل.
أنا سايباها تشتغل وتفك عن نفسها وتثبت نفسها، ولما تقف على رجليها، وتلاقي اللي يستحقها، وقتها تبدأ من جديد.
بس دلوقتي… لأ. لو هو عايز يستنى، براحته. وهي بقى…
هس مش عاوزاها تسمع حاجة… أهي جاية.

انتهى اليوم، وغادر إلى منزله. خرجت مي إلى والدتها لتسألها بمكر:
“مامتي حبيبتي، هو إنتوا النهارده كنتوا بتنموا عليا في إيه؟ إنتي وأمولتي؟ جايبين لي عريس يا بوي ولا إيه؟” تعجّبت الأم من معرفتها بالأمر:
“هي اللي قالتلك؟ ولا إيه؟” قهقهت الأخيرة، ورفعت حاجبيها لأعلى:
“لا، أنا وداني بتجيب من العاشر! ها بقى، مين تعيس الحظ اللي أمه داعياله ده؟” وكزتها والدتها بذراعها:
“بس يا بت! بطّلي مناهدة! هو إنتي عاوزة تدخلي في علاقة جديدة ولا إيه؟ راسيني برده، أحب يكون عندي علم.”

تنهدت الأخرى بنفي قاطع:
“لا طبعًا، أنا؟ يا عسل انتي! استحالة أدخل في تجربة جديدة بعد اللي شوفته.” ابتسمت الأم بوجع داخلي، لكنها لم تُظهره لها:
“ليه استحالة؟ العمر قدامك، والفرص لسه موجودة. ده اللي ادك لسه مفتحش بيت!
بس أنا من رأيي إنك لسه عودك طري، ومحتاجة تشدي على نفسك، وتوقفي على رجلك، وبعد كده تفكّري براحتك.
أنا نفسي أشوف عوضك أوي… بس كله بأوانه، جميل.
يلا يا بت، قومي نامي، عندي شغل بدري.”

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى