بسم الله الرحمن الرحيم لا تحلو الحياة إلا برفقة من نُحِب، كم مرت هذه الكلمة على مسامعي دون أن أنتبه لها أو أتمعن في معانيها، فلم أكن يومًا على وفاق مع قلبي إلى أن التقيتك، لم يكُن لقاءً عاديًا يُمكنني تجاوزه؛
حينها علِقنا معًا في قبضة الأقدار التي جمعتنا من دون سابق إنذار، لـ أجد نفسي مُتورطًا وقلبي مع داءً دون دواء وهو العشق الذي كان يلهو بنا كيفما يشاء، تارة يغمِسنا في غياهب الألم وتارة يرسو بنا فوق شاطيء السك.ينة التي لم تستشعرها روحي ويرتشف من حروفها قلبي سوى بين ذراعيكِ، لـ ننجو معًا من غياهب أقدارنا وظلمتها إلى عالمًا لم يُخلِق لـ سوانا، وحينها لامس قلبي حقيقة ثابتة وهي أن الحياة دون من نُحِب ليست بالحياة، وأن حُلوها يكمُن في حضرة امرأة حملت سلام العالم أجمع بين كفوفها وسكبته بين أضلُعي فـ اكتملت، لـ تبدأ اقدارنا في عزف أنشودة رائعة
من العشق الأبدي الذي جعلني أتذوق حلو الحياة وحلاها. نورهان العشري دلفت إلى داخل الغرفة بأعيُن تلتمع كلما وقعت انظارها على ذلك الرجُل الذي تتضاعف وسامته بمرور السنوات، و بالمقابل يتضاعف عشقها له خاصةً حين يرمقها بهذه النظرات التي تُذيب عظامها من فرط التأثُر
ـ دايمًا بتيجي في معادك يا فرح. فرح بنبرة مرحة وهي تضع فنجان القهوة أمامه
ـ أنا ولا القهوة؟ سالم بنبرة رخيمة
ـ أنتِ في المقام الأول و أي حاجة في الدنيا تيجي بعدك.
اقتربت تحتوي عنقه بين ذراعيها وهي تقول بنبرة عاشقة
ـ لسه بتحبني زي الأول يا سالم ؟ سالم بنبرة خشنة و يديه تعا*نق خصرها بحنو
ـ بحبك أكتر من الأول يا ست الحسن و الجمال. تراجعت تناظره بنظرات عاشقة و شفاهها تهمس باستفهام يؤرق جميع الإناث
ـ حتى بعد ما كبرت، و مبقتش حلوة زي زمان ! فاجأها حين امتدت أنامله تداعب وجنتها الناعمة
ـ دا انا بايني مقصر أوي! فرح باستفهام
ـ ازاي؟
سالم بنبرة عذبة روت شقاق روحها
ـ سؤالك دا معناه اني بقالي كتير مقولتلكيش قد ايه أنتِ حلوة و كل يوم بيمر بتحلوي أكتر و أكتر لدرجة أنك لما بتدخلي من الباب دا روحي بترد فيا. ابتسامة رائعة لونت ملامحها حين استمعت إلى كلماته التي محت خوفها الفطري الذي تشعر به كل إمرأة في مثل عمرها من أن ينمحي جمالها بعيني زوجها بل و عززت ثقتها بنفسها كثيرًا لتهتف بنبرة عاشقة
ـ بحبك يا سالم يا وزان.
جذبها إليه بحنو يرتشف هذا العسل المُذاب فوق شفتيها بتمهُل قبل أن يبتعد عنها قائلًا بنبرة خشنة
ـ سالم الوزان بيعشقك و لسه شايفك فرحته الجميلة اللي دخلت عليه مكتبه من خمسة و عشرين سنة. ابتسمت فرح على كلماته وهي تقول
ـ خمسة و عشرين سنة عدوا عليا هوا وانا جنبك. سالم بنبرة رخيمة
ـ خمسة و عشرين سنة بعمري اللي فات قبلهم كله. احتوت كفوفه يدها ليُلثم باطنها قبل أن يقول بخشونة
ـ اوعي تقولي على نفسك كبرتي تاني. يا اما بقى تاخدي عنيا تشوفي نفسك بيها.
مدت يدها تلامس وجهة بحُب قبل أن تقول بسخرية
ـ لما بشوف نفسي في عينك بحس أني اجمل ست في الدنيا. بس بردو انا عند رأيي الولاد كبروا و كبرونا. سالم بتهكم
ـ لما يعقلوا تبقى نقول عليهم كبروا. فرح بنبرة ذات مغزى
ـ أو لما يتجوزوا! تحمحم بخشونة قبل أن يقول باختصار
ـ هاتي اللي عندك. التفت لتتربع على المقعد أمام مكتبه وهي تقول بترقُب
ـ فرح جايلها عريس. لم تجد منه أي رد لتستكمل حديثها قائلة
ـ مُعيد عندها في الجامعة. أبن عم صاحبتها، عنده تسعة و عشرين سنة، و أهله….
تفاجئت حين قاطعها قائلًا
ـ أنتِ شايفة ايه؟ رفعت إحدى حاجبيها قبل أن تقول باندهاش طفيف
ـ دا أنت الأخبار كلها وصلالك بقى! سالم بجمود
ـ بدل مروان عارف أكيد أنا عرفت. كانت ملامحه جامدة لا تُفصح عن شيء ولكنه عرفت من نظراته أن الأمر لا يروق له لذا قالت باستفهام
ـ طيب و أيه رأيك؟ سالم بسخرية
ـ فرحان أنها لقت واحد شبهي! مش كانت كل شويه تقولي مش هتجوز غير راجل شبهك! ابتسمت فرح من غيرته الواضحة على طفلته لتقول بتخابُث
ـ شوف ذنب ناس بتخلصه ناس.
رفع أحد حاجبيه باستفهام لتُجيبه بشماتة
ـ غيران على بنتك عشان حد تاني هيسكن قلبها. قدر بقى مشاعري لما جت الهانم و خدتك مني، و احتلت قلبك كله. كعادته يُخفي جيدًا مشاعره، وقد كان هناك بعض الصواب في حديثها ولكنه بالطبع لن يؤكده لذا تحدث بجفاء
ـ الموضوع مش كدا. انا بتكلم على الشخص نفسه. ـ ماله ؟ سالم باستفهام
ـ أيه رأيك فيه ؟
فرح بهدوء
ـ بغض النظر عن أن هي عيزاه. بس هو شخص يُحترم جدًا بسبب أنه بالرغم من ظروفه المادية بس قدر يثبت نفسه و ينجح. اه مستواه المادي مش زي مستوانا بس له مستقبل كون أنه مُعيد في الجامعة و كمان مُلتزم دي حاجات تشفعلنا في موضوع ظروفه المادية. سالم بجمود
ـ دا تفكير فرح مراتي العاقلة. هل فرح بنتك تملُك من العقل اللي يخليها تفهم دا، و تتحمله! فرح باستقدام
ـ تقصد أيه يا سالم؟
سالم بجفاء
ـ بالنسبالي هو شخص لا غبار عليه، و مستواه المادي أبدًا مبيشكليش أي أهمية. مشكلتي مع فرح بنتك. اللي للأسف أثبتت أنها طايشة. فرح بصدمة
ـ ليه بتقول كدا يا سالم؟ سالم بغضب
ـ تعرفي الهانم بنتك فين دلوقتي ؟ ★★★★★★★★★
دلف إلى داخل القسم بوجه جامد، و ملامح مُتجهمة كما هي عادته ليمر على جميع الحاضرين دون أن يُلقي بالًا لكل هذا الجمع من الشباب المُحتجزون أمام غرفته التي توجه إليها رأسًا
ليقوم العسكري بإغلاق الباب خلفه تحت أنظار ساخطة لزوج من العينين العسليتين اللتان يتسلل إليهما خلسة بعضًا من الخيوط الزيتونية التي جعلت لونهم رائع و مُميز كصاحبتهم التي كان التمرُد و العناد طابع مُتأصل بها لذا هتفت بنبرة ساخطة
ـ أخيرًا البيه شرف!
أجابتها صديقتها روان بمرح
ـ بدل حلو و أمور يتأخر براحته. فرح بتهكم
ـ أنتِ بتشوفي أي ظابط حلو و أمور حتى لو كان بعين واحدة. روان بحالمية
ـ اعمل ايه يا فرح بحب الظُباط أوي، و أمنية حياتي اتجوز ظابط. فرح بتقريع
ـ أه و عشان كدا طلعتي معانا المظاهرة مش عشان الحيوانات الغلبانه اللي اتبهدلت و ماتت، و مش بعيد كمان انك كنتِ بتدعي أنه ينقبض علينا يمكن تلبسي في لوح زي اللي دخل من شوية دا
تدخل العسكري بحدة
ـ ممنوع الكلام يا أنسة منك ليها. اكتظ المكتب بهؤلاء الشُبان اليافعين الذين قاموا بمظاهرة كبيرة احتجاجًا على العُنف الذي حدث مع قطيع من الكلاب أمام الجامعة، و قد كانت تقودهم فرح التي ما أن أصبحت أمام وكيل النيابة حتى هتفت بحدة
ـ أنا بحتج على الطريقة اللي جينا بيها احنا مش مجرمين، و لا كنا بنتظاهر لأسباب سياسية دي أسباب إنسانية….
رفع رأسه يطالع هذه الفتاة متوسطة القامة بشعرها البني الذي كانت ترفعه في كعكة فوضاوية يتدلى منها بعض الخصلات المتمردة كصاحبتها ذات العنق الطويل، و الشفاة المُكتنزة، و البشرة الخمرية، و اللسان السليط مما جعله يقاطعها بنبرة صارمة
ـ أنتِ تاخدي احتجاجك و أسبابك، و تروحي تقفي في الآخر عشان أنا مش عايز صداع عالصبح. توسعت حدقتيها، و التمعت جرتي العسل بهم، وهي تستمع إلى كلمات ذلك المُتعجرف التي جعلت وخزات الحرج تتفشى في سائر جسدها، فهتفت بوعيد
ـ هتندم على المعاملة دي!
شبح ابتسامة ساخرة لاح على زاوية فمه، وهو يقرأ الاسم المدون أمامه، فقد عرف هويتها، و لكنه لم يهتم لذا بدأ التحقيق مع أحد الشُبان وهو يقول بجفاء
ـ و أنت بقى طالع تتظاهر عشان أيه؟! الشاب بنبرة يشوبها الندم
ـ والله يا باشا انا لا ليا في المظاهرات ولا نيلة. بس فرح فضلت تقول لازم ندافع عن حق الحيوانات دي، و حرام ربنا هيسخطنا قرود، و كلام من دا. قمت طالع معاهم. إنما أنا لا ليا في الطور ولا في الطحين.
شعور عارم من الحنق و الملل اجتاحوا معالمه وهو يستمع إلى كلمات بعض الشباب الذين انصاعوا خلف الكلمات المؤثرة لهذه الفتاة الطائشة التي كانت تحترق غضبًا وهي تراه يستجوب الجميع ما عداها ليأتي دور صديقتها نوران التي كان الإعجاب يتساقط من عينيها وهي تُجيبه قائلة
ـ أنا بس قلبي وجعني عشان الكلاب الجميلة دي ازاي يسموها حرام أصل أنا قلبي ضعيف أوي، و رقيقة جداً ووو قاطعها بجفاء
ـ خلاص يا آنسة. أنتِ هتحكيلي قصة حياتك!
شعرت فرح داخيًا بالشماتة في صديقتها بسبب هذه الطريقة التي تتحدث بها و التي لم تكُن تُعجِب فرح، ولكن لم يدوم ذلك طويلًا، فقد حان دورها لتُجيب على مُكعب الفظاظة كما أسمته داخليًا
ـ يعني حضرتك عملالي فيها زعيمة و المتحدث الرسمي باسم حقوق الحيوان، و بتحرضي الطلبة على التظاهُر، و بتثيري بلبلة قدام الحرم الجامعي! تلاشت شجاعتها أمام كل هذه الإتهامات التي أمطرها بها و على الرغم من ذلك لم تلين لهجتها حين قالت
ـ أنا محرضتش حد. كلهم شافوا اللي حصل مع الكلاب، و قد أيه دا غلط و لا يمت للإنسانية بصلة.
ريان بتقريع
ـ حضرتك مسمعتيش عن اللي حصل الاسبوع اللي فات، وكام طالب اتعض منهم! نسيبهم بقى لما يخلصوا على باقي الطلبة ؟! لم يُثنيها حديثه عن موقفها فهي لازالت مُصرة على رأيها لتهتف بشراسة
ـ حضرتك الكاميرات جابت أن الشباب دول هما اللي هاجموا الكلاب من الأول، و كان في كلبة والدة و طبيعي أنها تخاف على ولادها وتدافع عنهم وووو
قاطع استرسالها في الحديث ض*ربة قوية على المكتب الخشبي و صوته الحاد كالسيف وهو يهتف
ـ صوتك ميعلاش، و اللي أنتِ عملتيه غلط كبير، و كان مُمكِن تضيعي نفسك أنتِ و زمايلك باستهتارك دا. أنتِ مش فاهمة أن اللي عملتوه دا كان ممكن حد يستغله غلط! فرح بحدة
ـ دا اللي هو ازاي يعني؟