“ده اللي خدتِ بالك منه بس؟ ما خدتِش بالك من حاجة تانية؟” ازدادت همسة قلقًا، وردّت بارتباك:
“حاجة؟ حاجة إيه؟ مش فاهمة… سيلا مالها؟”
زفر بعمق، ثم قال بصوت منخفض:
“سيلا عملت حادثة كبيرة، وقلبها وقف مرتين جوه العمليات. النزيف اللي في المخ دخلها في غيبوبة، وبعد الإفاقة اتضح إن عندها عمى مؤقت. النزيف الداخلي مأثر على الشبكية، وكمان هيأثر على العصب في رجلها. رحلة شفائها طويلة شوية ومحتاجة وجودنا كلنا حواليها.
هي رافضة وجود عاصم، وده هيأثر بالسلب على نتيجة العلاج. الدكتور قال إن العامل النفسي مهم جدًا للمريض.
والحل في إيد عاصم… لازم نعرف سبب رفضها ليه.
فهماني؟ انتي مالكيش دخل في أي حاجة، أنا اللي هقولها إني بلغتُه، مش إنتي… ماشي؟”
اتسعت عيناها، وبدأت تشهق من الصدمة، غير مستوعبة ما سمعته:
“مش ممكن! ي… يعني هي ما شافتنيش جوه وأنا بكلمها؟! لأ لأ… كده كتير بجد!” ربت وليد على كتفها محاولًا تهدئتها وقال:
“لازم نقويها يا همس… احمدي ربنا كده، ماشي؟ الدكتور قال ما ينفعش تتحرك قبل ثلاث شهور.” سألته بتوتر:
“هتخرج إمتى من هنا؟ ما ننقلها مستشفى عندنا… صح؟ ولا إيه؟” أجابها بهدوء:
“هتتنقل في طيارة مخصصة لمستشفى… آه.”
داخل أروقة المشفى، ومع حلول المساء، دخلا إليها بهدوء، عقب توصية الطبيب بضرورة عدم التأثير على حالتها النفسية، وتجنب الحديث في أي أمر قد يزعجها.
فقد كان أكثر ما صدمها مؤخرًا هو فقدانها المفاجئ للبصر، ورغم خطورة الأمر، فإنها لم تُبدِ أي رد فعل أو انهيار. بل واجهت الصدمة بصمت تام، حابسةً كل ما بداخلها.
حين أفاقت من الغيبوبة، أخبرته – دون انفعال – بأنها تشعر وكأن الضوء مغلق.
فأجرى لها الطبيب بعض الفحوصات، ثم صارحها بحقيقة فقدانها المؤقت للبصر.
ظل يترقب منها رد فعل طبيعي كأي مريض:
صراخ، بكاء، إنكار… لكنها تقبّلت الخبر بصدرٍ رحب، تمتمت بكلمات غير مفهومة، ثم ابتسمت وعادت إلى نومها، ما أدهش طبيبها وأثار قلقه في ذات الوقت. دخل وليد وهمسة غرفتها، فوجداها مستيقظة. اقترب منها وليد وتحدث برفق:
“الحمد لله على سلامتك يا سيلا. محتاجة أي حاجة أعملها لك؟” هزّت رأسها بالإيجاب، ثم نطقت بصوت خافت:
“تعالى يا وليد، عاوزاك… آه.” تدخلت همسة قائلة بحنان:
“حبيبتي، قولي اللي انتي عاوزاه، واحنا نعملهولك.” تحدثت سيلا بألم ومرارة:
“طبعًا الدكتور عرفكوا حالتي… وإني مش بشوف و…”
قاطعتها همسة سريعًا، وصوتها يفيض حزنًا:
“مؤقت يا سيلا، والله هترجعي زي الأول وأحسن، بس العلاج عاوز وقت… مش أكتر.” ابتسمت سيلا ابتسامة حزينة، وعيناها تلوّحان بالدموع، بينما خرج صوتها مختنقًا ولا مبالٍ:
“حتى لو مرجعش… مش فارقة خلاص. المهم يا وليد، أنا كرهت القعدة هنا، مشيني… عاوزة أرجع إسكندرية تاني، ممكن؟” أجابها وليد بهدوء ممزوج بالألم:
“مش هينفع يا سيلا. أنا هنقلك من هنا لمستشفى في القاهرة، مش هينفع تتحركي قبل تلات شهور، أنتي جسمك كله متجبس.”
توسلت إليه بضعف:
“أرجوك يا وليد، مش عاوزة مستشفى… خرجني من هنا. هم..وت لو فضلت هنا. رجعني إسكندرية… مكان ما كنت قاعدة.” تنهد وليد طويلًا، وصمت قليلًا يفكر، ثم قال:
“طيب يا سيلا، هكلم الدكتور وأشوفه… وأجي لك تاني.” نهض من جوارها وخرج يسأل الطبيب، فالتفتت همسة نحو أختها، وقالت برقة:
“انتي لسه هنا…” ردّت سيلا بصوت مختنق:
“آه يا حبيبتي، عاوزة حاجة؟ أنا جنبك.”
وجلسَت همسة بجانبها، تربّت على كتفها بحنان. قالت سيلا بألم حقيقي:
“همسة، مش عاوزة عاصم يشوفني كده… مش عاوزة شفقة، خاصة منه. كفاية إنه دبحني، وآخر حاجة شافتها عنيا… كانت هو.”
تعالت شهقاتها عاليًا، وكأن الروح تُنتزع من داخلها. اقتربت منها همسة بفزع، تحاول تهدئتها:
“اهدي خلاص، والله مش هقوله حاجة.”
ثم نهضت سريعًا، أحضرت كوبًا من الماء ومدّته إليها برفق:
“اشربي طيب، ممكن تهدي؟ بلاش كلام طالما بيتعبك.” وبعد لحظات من الهدوء، قالت بصوت مبحوح:
“أنا عاوزة أطلق منه، مش هقدر أعيش معاه تاني. هو مات بالنسبة لي خلاص… ياريت لو وليد يكلمه، وننفصل بهدوء من غير أي مشاكل.” أجابتها همسة بتروٍّ:
“طيب، قومي لنا بالسلامة الأول، وبعدين كله هيتحل بإذن الله. الأمور دي مش بتتحل كده، لازم تتكلموا بنفسكم.”
لكن سيلا أجابت بحزم ووجع:
“أنا لساني مش ها يخاطب الشخص ده أبدًا، ولا عاوزة أشوفه قدامي لحظة حتى.” هتفت همسة وهي تحاول فهم ما حدث:
“إيه اللي حصل لكل ده؟ شوفتي إيه يا سيلا؟ في عاصم بيحبك! استحالة يوافق على الانفصال… أكيد فهمتي غلط يا بنتي، مش تخسري كل اللي بينكم في لحظة زعل.” ردّت بحدة وغضب:
“مش عاوزة حد ينطق اسمه قدامي! اعتبروه مات بالنسبة لي… محدش يذكر اسمه قدامي، وده آخر كلام عندي.”
ثم أغمضت عينيها دون أن تردّ، وغرقت في نوم عميق بعد الإنهاك النفسي والبدني. خرجت همسة من الغرفة بهدوء، وجلست تنتظر زوجها حتى رآها في الخارج، فتحدث إليها بقلق:
“في حاجة؟ طلعتي ليه؟” أجابته:
“مفيش، نامت… بقولك يا وليد، سيلا عاوزة تنفصل منه، مصممة على كده، ومش قابلة حتى حد يذكر اسمه قدامها… وده موقفها، نعمل إيه؟” قال وليد وهو يفكر:
“أنا سألت الدكتور، ينفع ننقل التمريض البيت، قال ينفع… بس المهم ما تتحركش. حاولي تقنعيها تيجي عندنا في البيت، تكون قدامك ووسطنا بدل ما تروح إسكندرية… إشمعنا هناك؟”
