Uncategorized

جمر الجليد ٢ بقلم شروق مصطفي

هزّت رأسها بالموافقة:
“تصحى وأقولها.” قال وليد وهو يفكر بصوت مسموع:
“بكرة نتحرك بإذن الله… مش عارف هعمل إيه في عاصم، مخلصناش من معتز، طلع لنا عاصم كمان.” همست همسة بحزن على ما آل إليه حالهم والمصائب المتلاحقة:
“مش عارفة بجد… أنتوا سبتوا معتز كده خلاص؟” ردّ وليد بنبرة مرهقة:
“عامر وعاصم وصل بيهم إنهم مسكوه وضربوه، يمكن يفوق من اللي هو فيه…” شهقت همسة من الصدمة:
“وصل له الأمر للدرجة دي؟ للضرب؟!”

أجاب وليد بأسى:
“طول الليل استغفر الله… مشاريب وملهى وبنات وقرف! مسكوه وضربوه علقة م..وت، وشبه قطعوه. قالهم محدش له دعوة بيا، ومش عايز يعرفهم تاني، واتخانق معاهم، وساب لهم الفندق، وقاعد لوحده.” همست همسة بقهر:
“يا حول الله يا رب… كان مستخبي لهم فين كل ده بس؟! يا ربي، ربنا يهديهم كلهم.” نهض وليد وقال وهو يشير إليها:
“يلا قومي، أنا حجزت لنا أوضة نرتاح فيها… وبكرة نتحرك.”

…
في صباح اليوم التالي، تم نقل سيلا عبر طائرة خاصة مجهّزة بكامل المعدات الطبية إلى الإسكندرية، واستقرت في المكان الذي رغبت به، بعد جدال دار بينها وبين وليد، وافقها عليه في النهاية احترامًا لراحتها النفسية.
تم توفير طاقم تمريض متخصص لخدمتها، ولم تفارقها همسة، بينما سافر وليد لإحضار ابنته وبعض الملابس والمستلزمات للإقامة إلى جوارها.
وبعدما علمت مي بوجودها هناك، أسرعت للحاق بها، وأصرت والدتها على الذهاب معها أيضًا. دلفت مي إلى الغرفة وهي تكتم دموعها، ثم هتفت بصوت مختنق:
“سيلا… حبيبتي.”

ردّت سيلا بنبرة هادئة متماسكة:
“أنا كويسة، ما تعيطيش يا مي… أنا لسه حية، لما أمو..ت عيّطي براحتك.” وبّختها مي بحرقة:
“ألف بعد الشر عليكي! ما تقوليش كده تاني، ربنا يخليكي لينا يا رب… بس أنا مش مصدقة كل ده حصلك، يا قلبي!” تمتمت سيلا باستسلام:
“نصيبي كده… أنا راضية، والحمد لله.”
…
وعلى الجانب الآخر، هاتف وليد عاصم فور وصوله إلى القاهرة، طالبًا لقاءه على وجه السرعة. قال له عبر الهاتف:
“عايز أقابلك ضروري… تعالى على البيت، أنا هناك، متتأخرش.”

وما إن أغلق المكالمة، حتى بدأ في تجهيز الحقائب، ووضع كل ما يمكن أن تحتاجه سيلا خلال إقامتها. وبعد أقل من نصف ساعة، حضر عاصم إلى المنزل. فتح وليد الباب، ودخل عاصم بلهفةٍ يملؤها الأمل، متخيّلًا أن وليد قد علم بمكانها. بادره عاصم بقلق شديد:
“فيه إيه؟ لقيتها صح؟ هي كويسة؟!” نظر له وليد بحدة، وحدّق في عينيه مباشرة ثم قال بصوت مملوء بالغضب:
“عملت إيه في سيلا يا عاصم؟! وصّلتها للحالة اللي هي فيها دي؟ فهمني!”

تفاجأ عاصم من لهجته، وقال بلهفة:
“حالة إيه؟! لاقيتها؟! طيب هي فين؟ عاوز أشوفها بسرعة، لازم أشرح لها كل حاجة… هي مش فاهمة حاجة! رد ساكت ليه؟! اتكلم، هي فين؟!”
أمسكه من ياقة قميصه وهزّه بعنـ,ـف، يهتف بانفعال:
“هي فهمت غلط! لازم أتكلم معاها… أنت ساكت كده ليه؟ حصلها إيه؟ انطق بقى!” دفعه وليد من يده مبتعدًا عنه، بينما ظل الآخر يحدّق فيه بنظرة طويلة غامضة لا تُفهم، قبل أن يتحدث أخيرًا:
“إيه اللي بتقوله ده؟ هي شافت إيه؟ احكي! هي مش قابلة تشوفك… ما تنطق! عملت فيها إيه؟”

شدّ عاصم على شعره بيده، يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا كمن فقد صوابه، ثم كور قبضته وضرب بها الحائط عدة مرات حتى اندفعت الدماء من يده. لحق به وليد وأمسك بذراعه يبعده عن الأذى، محدثًا إياه بنبرة هادئة:
“اهدى، كده مش هنوصل لحاجة. اللي بتعمله ده مش هو الحل. هي محتجالنا جنبها، وأنا متأكد إنك كمان مهم ليها، بس لازم تحلوا مشكلتكم الأول، عاصم… سيلا عملت حادثة كبيرة. لقيناها في الغردقة، في مستشفى… مجبّسة.” تلعثم وليد وتردد قليلًا قبل أن يُكمل، فنظر إليه عاصم برفض داخلي، يهز رأسه يمينًا ويسارًا، يهتف بصوت موجوع:
“وإيه؟ كمل! سكت ليه؟”

رد وليد بنبرة مهزوزة، كمن يُثقل لسانه الحزن:
“الحادثة أثّرت على عنيها… مؤقتًا.” رفع عاصم رأسه إلى السماء، أغمض عينيه بألم كمن يناجي ربه، ثم نظر إليه برجاء وقال:
“أرجوك… لازم تساعدني. خَلّيها تسمعني، وبعدها تعمل اللي هي عاوزاه. هتساعدني صح؟ قولي هي فين، وأنا هتصرف. أنا كنت مكلم حد يتتبع تليفونها، بس هي لسه ما فتحتهوش.” قال وليد بقلة حيلة:
“هي صمّمت ترجع الإسكندرية، ومعاها طاقم التمريض. مش بتتحرك أصلاً.” تحدث عاصم بانفعال:
“هسفرها، هاخدها ونعالجها برة… مش هسيبها، لازم أمشي. لازم تسمعني!”

راح يتحدث كالمجنون، غير واعٍ لما حوله، ثم غادر سريعًا. استقل سيارة أجرة متجهًا إلى الإسكندرية، عاجزًا عن القيادة بنفسه. جلس في المقعد الخلفي يلوم نفسه، وعيناه تلمعان بالدموع. تمتم بألم:
“أنا السبب… ياريتني ما بعدت عنك… غبي، غبي!”
تذكر ملامحها حين صدمتها الحقيقة، فحدث نفسه:
“لازم تسمعيني… حتى لو خطفتك بعيد عن كل الناس!” وبعد ساعة تقريبًا، وصل إلى حيث تقيم. كانت السماء ملبدة بالغيوم، تنذر بقرب هطول المطر. اقترب من الشاليه، وطرق الباب. وبعد لحظات، فتح فجأة… ووجد أمامه همسة.

تفاجأت برؤيته، وتحدثت بتوتر وهي تدفعه إلى الخارج:
“عاصم! إيه اللي جابك هنا؟” خرجت وغلّقت الباب خلفها، فاقترب منها وهو يتوسل:
“لازم أشوفها… هي محتجاني دلوقتي أكتر من أي وقت!” همسة دفعته بهدوء وهي تهمس برجاء:
“هشش، أرجوك… امشي من هنا بسرعة، هي مش عايزة تشوفك.”
ثم بدأت تبكي بحرقة، وقالت:
“امشي يا عاصم، والله هتنهار تاني. سيبها دلوقتي، لما تهدى، كلمها.” هتف بعناد:
“مش هقدر أسيبها، مش همشي! لازم تسمعني… هي محتاجاني. أنا بس اللي هعرف أداويها وأطيب جرحها! خليني أدخل… أفهمها، هي مش فاهمة حاجة والله!”

صرخت به رافضة:
“مش هينفع! لازم تمشي، مش دلوقتي… لما تشد نفسها الأول! بلاش تشوفك كده… أرجوك، امشي بقى!” رفع نظره إلى السماء باستسلام، ثم أعاد أنظاره إلى الباب الذي فصله عنها. تجاهل كل كلماتها، واندفع نحو الباب. دفعه بخفة، ففوجئ بـمي تقف أمامه وقد اتسعت عيناها من الصدمة. هرعت إليه، تمنعه من الدخول، وهمست برجاء:
“عاصم… وجودك مش مرغوب فيه. من فضلك، اخرج!” لكنه لم يستجب، وفتح الباب المؤدي إلى غرفتها بهدوء. حاولت مي منعه، فأشار بأنامله إلى شفتيه أن تصمت.

وقف عند عتبة الباب، يتأمل حالها بصمت، فتجمّدت قدماه. دمعت عيناه من رؤيتها، وابتلع حلقه اليابس، ولم يقدر على النطق.
حتى سمع صوتها ب…
يتبع عايزة تفاااعل نار هنزل اللي بعده فوراااااا مين تأثر بالفصل مستنية رأيكم اللي بيفرحني واللي مقراش الجزء الأول والثاني موجود واتباد كاملين
بقلم شروق مصطفى حصري الجزء الثالث من جمر الجليد الفصل الثاني عشر
جمر الجليد الجزء الثالث حصري موقع أبراج بقلم شروق مصطفى “مي! همسة! حد هنا… مين هنا؟”
نطقتها “سيلا” عندما شعرت بحركة غريبة من حولها، فتلفتت بذعر:
“مين؟ مين؟ هنا مين؟…”

اشتمّت رائحةً تعرفها جيدًا، رائحة التصقت بذاكرتها ووجدانها، فارتجف قلبها وشهقت بصوت خافت، ثم هتفت بتردد وهي تدور حول نفسها:
“شامة ريحته… هو هنا، صح؟ حد يرد عليا، هو!” وفجأة، صرخت صرخة عالية مدوّية:
“يا همساااه! خرّجيه من هناااا! مش عاوزاه جانبي! ابعد عني!”
وظلت تصرخ بأعلى صوتها، وجسدها ينتفض بقوة، في حالة انهيار تام، وهيستيريا متصاعدة:
“آآآه! لااا! ابعد عني! مش عاوزاك تلمسني ولا تبقى جنبي! بكـ,ـرهك! شوفتك بعينيا! ابعد عني… بكرهك!”

هرع طاقم التمريض إلى الغرفة يحملون حقنة مهدئة، بينما أسرعت “همسة” بجذبه إلى الخارج بقوة. كان كل ما يشعر به هو صدمة هائلة، وألم يمزق قلبه إلى أشـ,ـلاء، لكنه خرج معها دون أن ينبس ببنت شفة. بدا كأنه في عالم آخر، ينهار من الداخل، وعلى مشارف الانـ,ـهيار الكامل. وحين ابتعد قليلاً، خـ,ـانته قدماه، فلم تعد تحتمل جسده، فسقط جالسًا على عتبة الباب من الخارج، لا يرغب في الذهاب إلى أي مكان، فقط أراد أن يبقى… ليسمعها.

قالت “نبيلة”، والدة “مي”، بحزن عميق:
“يا حول الله يا رب… الطف بيها، يا رب، وقويها.” خرجت الممرضة من الغرفة وتوجهت إليهم قائلة:
— “من فضلكم، بلاش تعرضوها لأي ضغط نفسي. المريضة ممكن تدخل في غيبوبة تاني، أبعدوا عنها أي حاجة ممكن تسبب لها انهـ,ـيار.” ردت “نبيلة” بموافقة سريعة:
— “حاضر يا بنتي… هي نامت صح؟” — “إحنا إدّيناها مهدّئ، وإن شاء الله تفوق بليل كده.” قالت “نبيلة” بدعاء يخرج من أعماق قلبها:
— “ربنا يستر، يا رب… تعيشي يا بنتي، ويحميكِ لشبابك.”

— “العفو يا فندم… ده شغلي.” ظلت “مي” إلى جوارها، تربت على شعرها برفق، لم تفارقها لحظة واحدة، بينما ذهبت “همسة” لتُخبر “وليد” بما حدث… عاد وليد إليهم مجددًا بعد أن جمع ما يلزمهم، لكنه فوجئ بمشهد لم يكن في الحسبان:
عاصم جالس خارج المنزل، على الأرض، في حالة انهيار تام.
أوقف السيارة على عجل، ثم هرول إليه بفزع، يهزه بقوة وهو يهتف:
“مالك قاعد ليه كده في الجو ده؟!”

رفع عاصم رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين خاليتين من أي مشاعر، نظرة تائهة كأنها ضلت طريقها، ثم تمتم بصوت خافت:
“مقدرتش أتكلم… لساني انربط وأتلجم… حست بوجودي ورفضتني…
هي محتجاني يا وليد، أكتر من أي حد. أنهى كلماته بصوت مخـ,ـتنق، ثم أعاد رأسه إلى موضعه بين ذراعيه، وكأن لا شيء في العالم يمكنه أن ينهضه الآن. اقترب وليد منه أكثر، وضع يده على كتفه يربت عليه بمحبة لم تكن فقط من ابن عم، بل من أخ حقيقي، وقال بهدوء:

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى