Uncategorized

جمر الجليد بقلم شروق مصطفي ٣

– أنا كمان منفصل، ومش هكدب عليكي… تعبت بعدها، لأنها كانت حبي الأول، وبنت الجيران… حاجات كده. اتوجعت جدًا، وزعلت، والدنيا سدت في وشي. لكن ربنا عوّضني، ورحمته واسعة. لما لجأت له، وقلت: “اللهم أخرج من قلبي كل حبٍ غير حبك، واملأ قلبي بحبك”… والله مفعول سحري. نسيتها، ورجعت لحياتي وشغلي، وهي كملت حياتها… ماوقفتش بعدي. ثم أردف بلطف:
– اللي عايز أقوله… حتى لو مافيش نصيب بينا، قدامك فرص كتير. أحسني اختيار فرصتك، ومتوقفيش حياتك عشان حد ما يستاهلش. وفكّري في ربنا لما قال: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين”… حقك هيرجع، واللي ظلمك ليه يوم.

نهض وهو يلتقط كوبه، وقال بابتسامة دافئة: – أسيبك دلوقتي أجهّز نفسي قبل المؤتمر… سعيد جدًا إني اتكلمت معاكي. ابتسمت له أيضًا وتوقفت في مكانها، ثم مدت يدها لتصافحه، وقالت بامتنان: – وأنا كمان سعيدة بكلامي معك جدًا، وهفكر في اللي قلته أكيد. هتف لها قبل أن تغادر: – أكيد لينا كلام تاني، أنا لسه مخلصتش، ويسعدني لو تنوريني في العيادة كمان، هيفرق معاكي جدًا، بس كطبيب… إيه رأيك؟ أومأت برأسها موافِقة، وقد بدا عليها بعض الخجل، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها زيّنت ثغرها، ثم غادرت بدورها استعدادًا لحضور المؤتمر.

وأثناء ذهابها، لم تدرِ لماذا خفق قلبها فجأة، وكأن نذيرًا مرّ بجوارها، حين لمحت شيئًا لم تتمنّ يومًا رؤيته من جديد. كان ذلك آخر ما قد ترغب في مواجهته، حتى إنها انصدمت، واتسعت عيناها وشفتيها دهشةً حين مرّ أمامها، و… جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى الفصل السادس عشر
جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى

أثناء ذهابها، لم تدرِ لماذا خفق قلبها فجأة، وكأن نذيرًا مرّ بجوارها، حين لمحت شيئًا لم تتمنّ يومًا رؤيته من جديد. كان ذلك آخر ما قد ترغب في مواجهته، حتى إنها انصدمت، واتسعت عيناها وشفتيها دهشةً حين مرّ أمامها، ولم يعرفها، ألهذه الدرجة كانت نكرة؟! بل أدار وجهه إلى الجهة الأخرى كأنه لم يرها، وتحدث إلى شخصٍ آخر. التفتت خلفها تتأكد مما رأت، نعم، هو… جحظت عيناها حين وجدته يحتضن فتاة من خصرها ويمرح معها.

عادت إلى الطريق الذي كانت متجهة إليه، وقلبها ينزف ألمًا عن حب لم يكتمل، وزوج خان العشرة. ركضت إلى غرفتها، لكنها أقسمت ألا تبكي عليه، وألا تنزل دمعة واحدة من عينيها على من لا يستحق، من هانت عليه العِشرة التي كانت بينهما. أغلقت قبضتها بقوة، تتشبث بقوتها وتشد من أزر نفسها: انتي قوية، وهتعدّي… كله هيعدي، هقوّي قلبي ومش هسمح له يضعف ولا يبكي… اجمد قلبي!

أخذ صدرها يعلو ويهبط، تحاول السيطرة على حالها، لعلها تتماسك. ثم دلفت إلى الحمام، توضأت، وبدأت تناجي الله، لعلّ في مناجاته تخفيفًا لألم قلبها. تذكّرت دعاء مازن الذي كان يردده دومًا، فرددته في كل سجدة، حتى انخرطت في بكاءٍ مرير، لم يكن بين أحد سواها وبين الله. ظلّت تبكي حتى هدأت قليلًا، ثم نهضت، وأبدلت ثيابها استعدادًا لحضور المؤتمر. دخل عليها هيثم، فوجدها جاهزة، رغم آثار البكاء الظاهرة على جفونها: – مي، جاهزة؟ يلا بينا.

– آه، جهزت، يلا. ذهبت برفقته، وقابلا مازن عند باب الفندق. انشغلت مي بعملها، تدون كل شيء يحدث داخل المؤتمر، وتلتقط الصور للفعاليات والحضور. وبعد ساعات، انتهى المؤتمر، فخرجت مع شقيقها، حتى استوقفهم مازن عند الباب: – هتعملوا إيه بعد كده؟ رد هيثم وهو يسير إلى جانبه: – نتغدى في المطعم، وبعد كده نتوكل على الله. وإنت؟ قال مازن بابتسامة: – وأنا كمان، لو مفيهاش مضايقة، أنضم ليكم؟ مش بحب آكل لوحدي، ونمشي سوا؟ – طبعًا يا زميلي، اللي ياكل لوحده يزور. يلا بينا.

كانت مي في عالم آخر، لم تنتبه لتلك العيون التي تراقبها في صمت. تناولوا الطعام معًا، ولم تخلُ الجلسة من مزاح مازن وصديقه، بينما هي تبتسم لهما من حينٍ لآخر، بشرودٍ تام. كانت تغوص في أفكارها، تتأمل تلك الصدفة التي جمعتها به اليوم، أول مرة تراه منذ أن مدّ يده عليها، وسحبها من شعرها خارج منزل الزوجية، وطعنها في شرفها، وظلمها ظلمًا لم يغادر ذاكرتها حتى الآن. – يلا يا مي، مي! أفاقت من شرودها على صوت أخيها، وهو ينهض ويمدّ ذراعه نحوها: – إيه؟ في إيه؟ هنمشي؟

حثّها هيثم على النهوض: – آه، يلا بينا يا مي، هنطلع نجهّز حاجتنا وهنمشي مع مازن. ثم وجّه كلامه لمازن: – هنخلّص ونتقابل بره الفندق، هكلمك، تمام؟ بعد عدة ساعات، وصلوا إلى القاهرة. دخلت منزلها، فاستقبلتها نبيلة بترحاب، تسألها بفضول: – هيثم مطلعش ليه؟ ردت مي بهدوء: – قال تعبان وعاوز ينام، فروح مع صاحبه، قالّي هييجيلك بكرة. هتفت نبيلة بابتسامة: – طيب، انبسطتي هناك؟ وغيرتي جو؟ أجابت مي بمشاعر مختلطة ارتسمت على وجهها: – جدًا… فوق ما تتصوري، السفرية دي غيرت جوايا حاجات كتير قوي.

ثم همست لذاتها، كأنها تعاتب قلبها بصوتٍ لا يُسمع:
لو مكنتش سافرت، مكنتش صدّقت، غير لما اتأكدت بعنيا… والأمل اللي كان جوايا مات لحظتها. رجوعي له بقى مستحيل. أفاقت من شرودها على صوت نبيلة وهي تناديها أن تنهض وتبدّل ثيابها. ردت مي وهي تجر جسدها بإرهاق: – هقوم أهو، هنام، مش قادرة أفتح عنيا… تصبحي على خير. مرّت ستة أشهر ثقيلة، حملت بين طياتها الألم والأمل. كانت سيلا سجينة جبس قيد حركتها، وليلٍ طويل سرق منها نور عينيها. لكن يد عاصم لم تفلت يدها يومًا يعوضها، كان ظلّها، وصوتها حين أظلم العالم من حولها، وقوّتها حين خذلها الجسد.

فُكّ الجبس أخيرًا، وبدأت معها مرحلةٌ جديدة، أشد قسوة، لكنها مختلفة. جلسات العلاج الطبيعي لم تكن مجرد تدريبٍ على الحركة، بل معركة تُخاض بكل نبضة أمل، وكل لمسة حنان من عاصم. كان يسندها بذراعه، ويهتف لها كلما ترددت: – انتي تقدري… بصّيلي، أنا جنبك. وفي كل خطوةٍ مرتعشة كانت تأخذها، كان يشد على يدها كأنها تمشي بقلبه، لا بساقيها. ثم كانت المعجزة… لحظةٌ لا تُنسى، حين أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتهما، وبدأت ترى… خيوط الضوء تتسلل، ملامح عاصم تقترب شيئًا فشيئًا، حتى رأته واضحًا لأول مرة منذ الحادث. شهقت، ثم انفجرت دموعها، غير مصدقة:

– أنا شايفاك… أنا شايفاك يا عاصم! فلم يقل شيئًا، فقط ضمها إليه، وكأن العالم كله عاد إلى مكانه. منذ تلك اللحظة، لم تعد مجرد زوجة تتعافى، بل امرأة وُلدت من جديد، ومع كل خطوة تخطوها بعصاها، كانت تنقش على الأرض قصة حبٍ لم تُكتب بالحبر، بل بالصبر والدموع. ورد اتصال هاتفي لعاصم من طبيبٍ كان صديقًا لوالده -رحمه الله-، فشك في أمره وانقبض قلبه. رد عليه بعد تبادل التحية والسلام، وتحدث إليه الطبيب عن وضع طبي خطير، لم يصدقه عاصم في البداية، هاتفًا بعدم تصديق:

– مش فاهم، انت قصدك معتز؟ أخويا؟ أنا متأكد. وبعد أن استمع إليه وتأكد مائة بالمائة، جحظت عيناه، وكوّر قبضة يده بشدة، وأخذ صدره يعلو ويهبط من فرط توتره وصدمته مما سمع، والطرف الآخر يطلب منه الإسراع قبل فوات الأوان وسرعة تواجده بالمركز. لم يدرِ كيف أغلق الهاتف، وألقاه بإهمال حتى أصدر صوت تساقطه، فانتبهت له سيلا، وجذبته من الأرض، ووضعته على المنضدة بجانبه.

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى