Uncategorized

جمر الجليد بقلم شروق مصطفي ٣

لاحظت أن عاصم يترنح في وقفته، فأسرعت إليه تلحقه، تهزه متسائلة بفزع أمام هيئته المرعبة: – عاصم، فيه إيه؟ مين كلمك؟ فوق يا عاصم! همسة حصلها حاجة؟! انطق! أصبح في عالمٍ آخر، تائها، جلس على أقرب مقعد يلتقط أنفاسه، فارتوى من الكأس الذي أحضرته له سيلا، ارتشف قليلًا، وهتف بوجع واضعًا يده على قلبه، ناطقًا اسمه بحزن: – معتز يا سيلا… ابني الصغير اللي ربيته… ابني بيمـ,ـوت لوحده… آه على الوجع اللي فيه… بصدمة، تحدثت بعدم فهم:

– معتز مين؟ وازاي؟ مين قالك؟ مين كلمك؟ هو معتز اللي كان بيكلمك؟ انطق يا عاصم، في إيه؟! نهض عاصم فجأة، يتوجه إلى غرفته بخطى متوترة، وبدأ يجمع ملابسه في الحقيبة بعشوائية، وكأن الأرض تحته تميد: – لازم ننزل، لازم أشوفه، أضربه وأحضنه وأقوله ليه؟ ليه مقولتش ليا؟ نلحقك قبل ما تسافر… معتز عنده ورم في المخ، في منطقة حسّاسة… نسبة نجاح العملية تلاتين في المية! معتز وصّى الدكتور محدش يعرف دلوقتي، كان عايز يهيئ نفسه، وبعد كده يبلغنا… بس اتأخر، والدكتور بلغني لما لقى نفسه اتأخر كتير… كل تأخير بيضيع الفرصة أكتر.

ظل يدور حول نفسه، يشد على شعره بأنامل مضطربة، بينما سيلا واقفة مذهولة مما سمعته، تحاول تهدئته بصوت خافت وقلق: – إهدى… اقعد الأول يا عاصم، نفكر هنبدأ منين، ونتصل بوليد وعامر، وهم يقرروا معانا. رفع عينيه نحوها بحزنٍ قاتم، ثم ارتمى داخل أحضانها كمن فرّ منه صبره، وانفجر في بكاءٍ موجع: – معتز بيمـ,ـوت قدامي… مش هستحمل فراقه… أنا اللي ربيته، دا ابني، والله ابني… ظلّت تمسح على رأسه وكتفيه، تقبّله بحنو، كأنها تُسكن الوجع:

– نلحقه، نشوف أكبر دكتور، ونعمله العملية، وهتنجح بإذن الله، وهيقوم ويرجع وسطينا، والله، خلي أملك في ربنا كبير… يلا بينا ننزل من هنا. أنا هروح أجهز الشنط، وإنت ريّح شوية، واعمل تليفوناتك، كلّم وليد يبلّغ عامر، وخليهم يتجمعوا. — في اليوم التالي، بالغردقة، اجتمع كلٌّ من وليد، عامر، عاصم، وسيلا داخل غرفة الفندق التابع لهم، بعد أن هاتفهم عاصم وشرح لهم كل شيء. اتفقوا على الاجتماع هناك لتواجد معتز في نفس المدينة، لكن بفندق آخر.

أعاد عاصم الاتصال بالطبيب معتذرًا عن إغلاقه المفاجئ للهاتف، مبررًا ذلك بصدمته مما سمع، فبادله الطبيب بنبرة حازمة: – حلّ الأمر مش هيكون بالعصبية، لازم المريض يدخل العملية بإرادته، وبنفسية هادئة، الضغط مش هيساعد، بالعكس، هيأثر عليه بالسلب. أصبح عاصم كجسدٍ متجمّد، صامتًا لا يشاركهم الحديث، يتوق فقط إلى رؤية أخيه، فيما التفت وليد إلى عامر يسأله: – إنت عارف قاعد فين؟ بتشوفه؟ أجاب عامر مترددًا:

– جماعة صحابي بيشوفوه كل ليلة في الملهى الليلي، بيمشي منه الصبح… أنا من آخر مرة اتخانقت معاه وساب الفندق، مبقتش أشوفه للأسف… والمشكلة إننا لو ضغطنا عليه دلوقتي، زي ما الدكتور قال، مش هنكسب حاجة… الموضوع عايز سياسة وهدوء، فاهمين؟ ما ندخلش قفش معاه، ممكن يهرب ومش نعرف مكانه تاني. هتف وليد مؤيدًا: – معاك في كل ده، بس إزاي نقنعه؟ المهم… قوم بينا نجيبه ونشوفه. قاطعتهم سيلا بتفكير حاسم: – طيب، اعملوا حسابكم على مي… أكيد هي من أسباب بعده، وليها تأثير عليه.

أشار وليد نحوها موافقًا: – أيوه، صح جدًا… كلميها وفهميها وضعه، وإنها تساعدنا… صح يا عاصم، ولا إيه؟ يا ترى مي هتعمل إيه؟
هتمد له إيدها، وتنقذه من عزلته زي ما هي كانت بتتمنى يومًا ينقذها من وجعها؟
ولا هتدير له ظهرها، زي ما عمل وضيع لحظاتهم الحلوة؟ القرار مش بسيط… واللحظة دي كفيلة تغيّر شكل كل الحكاية. وسؤال تاني بيحفر جوه العمق…
لما نقارن بين عاصم وسيلا ومي ومعتز،
مين حبّه كان أصدق؟
مين حبّه صمد؟
مين قدر يحب رغم الخذلان، ويتمسّك رغم الألم؟
ومين حبّه كان مجرد لحظة، أول ما اتكسر… انتهى؟

هل رباط الحب اللي بينهم قوي ويتحمل، ولا ضعيف وهيتقطع؟
ولا يمكن تحت رماد الجراح، لسه في شعلة قادرة تنوّر الطريق من جديد؟ جاوبوا أنتم… لسه الحكاية مخلصتش.
يتبع…
جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى الرواية ثلاث أجراء هتلاقوها واتباد باسم جمر الجليد كاملة منتظرة اجابات غلى صفحتي.

انت في الصفحة 7 من 7 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى