Uncategorized

جمر الجليد ٤ بقلم شروق مصطفي

هتف إليها لإزالة ذلك الحرج بينهما:
“مي، خلينا نتفق اتفاق كده صغير، طالما جيتي لي هنا، جوه العيادة دي أفصلي، واعملي ستوب عن أي حاجة شخصية اتقالت قبل كده. هنا علاقتي بيكي إني طبيبك وبس، لحد ما أتم مهمتي، وتوقفي على رجلك من تاني، وثقتك باللي حواليكي ترجع، وتقرري أي قرار مصيري بنفسك.
وأنا هساعدك في كده لأنها مهنتي كطبيب. فاهمة يا مي؟”

كان يهز رأسه للأمام في آخر جملة، وشاهدها وهي تؤم برأسها أيضًا.
ابتسم، ووقف وهو يشير إليها أن تنهض وتجلس على مقعد آخر مرتفع من جهة ومنخفض من جهة أخرى، يسمى “شازلونج”، وفوقه إضاءة هادئة.
جلست عليه وهي ترمي بصرها إلى ذلك الضوء، شاردة إليه، تستمع إلى كلام الطبيب ونبرة صوته الهادئة التي دخلت إلى أعماقها، تسترجع ما يجيش بداخلها من ذكريات مؤلمة تريد أن تتخلص منها.
استمعت إلى سؤال الطبيب:
“احكي يا مي عن اللي تاعبك ومخليكي زعلانة… لأني شايف في عيونك حزن.”

عندما استمعت إلى كلمة “حزن”، كانت نبرة صوتها مكسورة وهي تقول:
مش حزن… ده ظلم.
أنا مظلومة ومقهورة. حاسة إني لسه في حلم… كل اللي مريت بيه وبمر بيه حلم، بس طول أوي. نفسي حد يفوقني وأرجع لحياتي.
أنا حياتي كانت جميلة، وكان بينا حب وحياة هادئة. آه، بيكون في مشاكل بين أي زوجين، لكن كنا بنعرف نحتوي بعض وما كانش الخصام يطول بينا.
جوايا وجع مش قادرة أمارس حياتي، أنا بس مستنية أفوق من الحلم… بوخ أوي.”

تنهد الطبيب، وزفر بعض الأنفاس محدثًا لها:
انتي مش في حلم… ده واقع بنعيشه للأسف.
انتي عشان عايشة دور المظلومة والمقهورة من شخص ما، مش هتحسي بطعم الانتصار إلا لما تاخدي حقك.
بس يا مي، حقك عند ربنا مش هيضيع. اللي ظلمك أؤمن إنه مش هيلاقي راحة، وربنا مش بيضيع حق حد حتى لو بعد حين.
سامعاني؟ خرجي اللي محشور جواكي… من أمتى الشعور ده وصلك؟ أخرجت بعض الأنفاس، وهي تنظر إلى الضوء:
كنت برتب لعيد جوازنا الثالث…
جالي اتصال إن زوجي حدث له حادثة، وهو في مستشفى …

…
عند عاصم، رفض الطبيب الإذن له بالخروج إلا بمرور أربع وعشرين ساعة أخرى للاطمئنان على صحته العامة ومتابعة القلب خلال تلك الفترة. جلس معتز مع عاصم، فهتف له الأخير محدثًا:
امتى عرفت حالتك يا معتز؟ زفر معتز أنفاسه باختناق لتلك الذكرى التي قلبت حياته رأسًا على عقب:
بعد الحادثة بتاعتي، أثار الخبطة حصل تجلطات دموية، وعرفت وقت ما كنت بحضر في المتابعة. قطع عاصم بقية كلامه، يهتف بحدة:
“إزاي؟! أنا مسبتكش ولا مرة! كنت فين أنا؟

ضغط الآخر على شفتيه، ومسح على وجهه براحة أنامله، مجيبًا:
مرة وصلتني… وجالك مكالمة ضرورية، وطلعت بره وسبتني مع الدكتور. يومها قالي إن لازم أعمل رنين مغناطيسي على دماغي لأنه شاكك في حاجة في الأشعة الأولية.
فهمته إني هعملها وما جبتش سيرة لحد ما أتاكد، ووافق على كده. وعملتها مرة مكنتش معايا فيها… أخدت واحد صاحبي.
تطلع إليه عاصم بصدمة، ولم يتحدث بعدها.

في حين أكملت مي حديثها للطبيب بصوت مختنق:
_ كان وقتها رجله فيها عجز، مش بيقدر إنه يمشي عليها، شلل مؤقت أثر الحادثة.
بعد ما وصلنا البيت، رفضني تمامًا، تجنب وجودي أو إني أساعده في أي حاجة تخصه. زفرت بعض أنفاسها ثم أكملت:
_ فضلنا كده فترة لحد ما مسك عكاز.
اتحملت سنتين، بس كنت بقول عشان نفسيته.

أخرجت ما يجول في صدرها دون أن تشعر، كأنها كانت تنتظر تلك المقابلة لتحكي:
_ اتحملت وجيت على نفسي كتير، ملقتش أي تقدير ولا اهتمام.
انتقادات من أقل حاجة… اللي كانت بتعجبه قبل كده بقى صعب أوي.
شخصيته اتغيرت، مش فاهماه، بقى واحد تاني، اتبدل بعد الحادثة.
رغم إني مبينتش له إني متضايقة، بالعكس، بقيت بعمل كل حاجة بحب.
أكل معين، أساعده في دخول الحمام، أساعده في الوضوء، لكن كان مغصوب على أمره وقت ما أقرب منه، بقى مش طايقني.
لدرجة مش مصدقة كمية الكره اللي بيكرهها فيا.

انهارت بعدها عندما تذكرت إهانته لها وانتقاداته لاختيارها ملابسها، خبأت وجهها بيديها تبكي، وأخرجت ما كان يضيق صدرها عند تذكرها النقطة الفاصلة بينهم:
_ لحد ما اكتشفت خيانته ليا… مصدقتش بجد… لم تقوَ على التحدث أكثر من ذلك، فأوقفها الطبيب بلطف:
_ كفاية لحد كده، إيه رأيك؟ أغلق الطبيب الكشاف الصغير ونهض ليجلس إلى مكتبه، ينتظرها أن تهدأ.
جلست أمامه وهي تشهق بصوت عالٍ خجلًا، وتحدثت:
_ أنا مش عارفة إزاي قلت كل ده… محسيتش بنفسي. بجد آسفة لو ضايقتك.

قهقه الطبيب بصوت عالٍ محدثًا إياها:
_ آسفة على إيه يا بنتي؟ أنا شغلتي إني أسمع أصلا.
اعتبريني صديق واتكلمي براحتك.
أنا عاوزك تخرجي كل اللي جواكي.
صدقيني هتفرق معاكي جدًا، وهتفوقي بعدها، وتحسي إن الدنيا دي مش مستاهلة إنك تبكي على حد أصلا.
وسيبي حقك، هيجيلك في الآخر.
إحنا اللي بنتعب نفسنا والله. مسحت عبراتها وابتسمت له ابتسامة لم تصل إلى عينيها، قائلة:
_ شكرًا بجد. ابتسم الطبيب وقال:
_ متشكرنيش يا مي، معملتش حاجة لسه. ميعادنا بعد يومين عشان نكمل جلستنا. هستناكي، ماشي؟

تطلع إليها يتابع ردة فعلها المتوترة حتى هزت رأسها بالموافقة، ووقفت لتغادر:
_ أنا همشي لأني اتأخرت… شكرًا ليك مرة تانية. تنهد الطبيب بعد أن خرجت، وتمتم:
_ للأسف، انتي لسه بتحبيه، وبتعاني بسبب الحب ده. وأنا هفضل وراكي لحد ما تنسيه وترجعي ثقتك بنفسك تاني. يا رب قويني على الجاي. يتبع
بقلم شروق مصطفى جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى الفصل الواحد والعشرون

غادر معتز غرفة عاصم قبل أن يباغته بأي سؤال آخر لم يكن مستعدًا للإجابة عليه في تلك اللحظة. خرج من المكان بأكمله، مختنقًا، متوجهًا إلى الفندق، حيث ارتمى على الفراش واضعًا يديه فوق رأسه، يضغط عليه بقوة، كاتمًا ذلك الألم الذي يعصف بكيانه. دسّ رأسه تحت الوسادة، صارخًا بصمت، يحاول كتم وجعه النفسي والبدني، لكن وجع قلبه لم يهدأ بعد. تأوّه بشدة: “آااااااه…”

ظلّ لفترة يكتم آلامه، خشية أن يسمعه أحد من الخارج. وبعد قليل، هدأ، وألقى الوسادة جانبًا، فيما دموعه علِقت بين عينيه لأول مرة ينهار أمام أحد، وتُفضَح هشاشته أمامهم، وهو الذي اعتاد الأبتعاد عن الجميع. حتى عمّن ملكت قلبه. احترق بنار البعد، حتى تكرهه، حتى لا تراه ضعيفًا… ليأخذه المـ,ـوت معه. تحامل على نفسه، وقلبه ينزف ألمًا كلما نظر في عينيها، فرأى فيهما الكُره يتغلغل. كان يسعى لأن تبغضه وتبتعد عنه، لكنها كانت تقترب أكثر، حتى تسلّل الشك إلى داخلها. وسمعت ما لم ترغب أي امرأة أن تسمعه يومًا.

حين شعر بها تستيقظ منتصف الليل، سارع إلى الاتصال بشخص ما، مرددًا بعض الأقاويل الكاذبة. حتى رآها تنهار، وصدقَت ما سمعت. لكنه لم يكتفِ بذلك، بل ظل يجلد نفسه، يلعن لسانه حين أهانها، ويده التي امتدّت عليها يومًا. أفاق من ذكرياته محطَّمًا كل شيء حوله، ثم أبصرها أمام مرآته، تحدّق إليه بابتسامة ساخرة متهكمة. للحظة، توهّم أنها أمامه حقًا. انفجر باكيًا، متوسلًا أن تسامحه على ظلمه لها:

ما تضحكيش… عارف إنك موجوعة زيي ويمكن أكتر… سبتك وعارف إني خسرتك، بس أنا بحبك. عارف إني ضيعتك من إيدي… لكن غصب عني، من كتر حبي ليكي، كان لازم أضحي بيكي عشان تعرفي تعيشي من غيري. كان لازم أعملك كده وتكرهيني… سامحيني يا مي…” ظل يتأوّه ويبكي، مفترشًا الأرض، يبكي بانهيار. لم تكن المرة الأولى التي تنهار فيها حصونه الصلبة أمام نفسه. لطالما كان يجلد ذاته منذ فُراقهم حتى اليوم. يشاهد صورهما، وذكريات حبهما تنمو يومًا بعد يوم، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب حياته رأسًا على عقب اكتشاف مرضه، وابتعاده عن أحبابه رويدًا رويدًا.

رغم كل محاولاته السابقة، فشل في نسيانها. أقدم على أفعال بغيضة، ليدفعهم إلى النفور منه والابتعاد، وقد كان له ما أراد. مثّل دور الإنسان اللاهي، يلهو ويشرب، ويتردد على الملاهي الليلية، يصاحب النساء من كل صنف ولون، حتى تنتشر تلك الأخبار بينهم. لكن حين يختلي بنفسه، يغدو حطامًا داخليًا، يحترق بنار الشوق والحنين لمن أحبهم.

في إحدى الليالي، وبينما كان يجلس كعادته في الملهى، ومن حوله من يصفّق ويضحك، جلس يتصنع السُّكر، حتى صُدم بوجود أخيه إلى جواره. حاول التمثيل، لكنه لم يقوَ على الاستمرار. كانت المرة الأولى التي يراه فيها في تلك الحالة الغريبة… لم يستطع المواصلة، وأدرك في النهاية أنه الخاسر الوحيد… بخسارته لسنده الوحيد. نهض بتكاسل، متحاملًا على نفسه، عندما استمع إلى رنين هاتفه. وجده “وليد”، فحاول إخراج صوته بنبرة طبيعية حتى لا يثير شكّه: – أنا في الفندق، بريح شوية… آسف مشيت من غير ما أقول لحد… لا، هغير هدومي وأجي لكم تاني.

ردّ عليه الآخر بنبرة مطمئنة: – “لا، كويس، مفيش حاجة… نص ساعة وهكون عندكم، سلام.” أغلق الهاتف، وجلس على الفراش منهكًا، ثم تناول بعض المسكنات، ولم يشعر بنفسه بعد ذلك… غلبه النعاس من شدة الإرهاق. مرّ يومان، ثم عاد الجميع إلى القاهرة. حاولت “سيلا” أن تذهب إلى صديقتها، لكن “عاصم” رفض ذلك رفضًا قاطعًا، هاتفًا إليها:

– “بلاش يا سيلا… ما تدخليش بينهم. ممكن هو لو كان عاوز يقول لها حاجة، كان قال من الأول. إنما هو مجابش سيرتها خالص، يبقى نحترم رغبته… يمكن مش عاوزها تشوفه وهو ضعيف، هو بيفكر كده. وما تعرفيش رد فعلها هي كمان… ما تغلطيش الدنيا دلوقتي، استني نشوف هنعمل إيه.” تطلعت إليه بصدمة مما سمعت، وقالت بانفعال: – “إنت بنفسك بتقول كده يا عاصم؟! إنت نفسك ماسبتنيش وقت مرضي… الموضوع ده بيفرق جدًا ليه وليّا! معقول نسيت؟!”

نظر إليها مطولًا، ثم تحدث بنبرة هادئة: – “يا حبيبتي، حالة معتز غيرك خاالص. ليه تربطي ده بده؟ إحنا كنا متجوزين… معتز منفصل عن مي، يعني مش في حكمه. في فرق كبير يا ماما. عارف طبعًا إنه بيفرق، لو كانت لسه على ذمته. لكن هو ضيّع الحق ده بغبائه وتسرّعه، وهييجي اليوم اللي يندم فيه على كده… بس مش عاوز أسبق الأحداث. يقوم لنا بالسلامة الأول، وبعدين نشوف هنتصرف إزاي، أو نصالحهم إزاي.” بتردد، قالت:

– “ط… طيب، نفهمها حتى حالته؟ هو أكيد ده السبب في انفصالهم، لإنها حاسة إنها مظلومة و…” كادت أن تخبره بما حدث وكيف تعرّضت مي للظلم، لكنه قاطعها وهو يهزّ رأسه بيأس من عنادها: – يا ماما، سيبيهم. هو لو عاوز، في مليون طريقة يوصّلها، ويقولها بنفسه… لما يطلب منك هو، ماشي؟ خلينا نجهز نفسنا، وأعمل اتصالاتي، ونتوكل على الله بعدها.

….
على الجهة الأخرى، وجدت رسالة من “مهاب” يطمئن فيها عليها. ابتسمت بسخرية، ثم قامت بحظره وكسرت تلك الشريحة أيضًا. كانت تلوم نفسها، وتجلدها على انجرافها في تلك العلاقة العابرة، نادمة على تواصلها معه، وقد ظنّت لوهلة أن تلك الطريقة قد تساعدها على نسيانه واستعادة ثقتها بنفسها. نعتت نفسها على غبائها، وهي تدرك أنها لم تكن سوى محاولة يائسة للهروب من ألمها الحقيقي. أنهت عملها، ثم توجّهت إلى موعد جلستها. وبعد تبادل التحية، جلست في مكانها المعتاد. تطلع إليها الطبيب، وقال:

– “ها… وصلنا لفين آخر مرة؟” نظر إلى الورقة التي يسجّل فيها ملاحظاته، وأردف: – آه، لحد ما عرفتي إنه بيخونك… كمّلي. صمتت قليلًا، أغمضت عينيها، ثم فتحتهما وهي تستعدّ للحديث: – وقت ما سمعت صدفة… وطول ما هو قاعد ماكنش بيسيب تليفونه من إيده. مرّة نام وراح في النوم، اتسحبت واخدت التليفون ببصمة إيده، وفتّشت بسرعة قبل ما يصحى. وكانت المفاجأة إني لاقيت شاتات كتير بينه وبين واحدة… وكلام بينهم حب وغرام ومستني يوم اللي اللي…

لم تنسَ… لم يكن مجرد مشهد عابر أو كلمة تُنسى بمرور الوقت. بل حُفرت تلك العبارة في أعماقها كندبة لا تشفى، تذكّرتها الآن كما لو كانت تُقرأ أمامها من جديد، بنفس التفاصيل، بنفس الوجع. كانت تلك الجملة، المدوّنة على شاشة هاتفه، كصفعة باردة “اليوم اللي هيبعد عنّي ويسيبني، هيكون معاكي’ انهمرت دموعها، وانهارت عند تذكّرها لتلك الجملة. لم تحتج لتفسير أو توضيح… المعنى كان واضحًا حدَّ الألم. أغلقت الهاتف وأعادته إلى جواره بصمت. في تلك اللحظة اتخذت قرارها… نهاية ما بينهما قد كُتبت، حتى إن لم تُنطق بعد.

لم تُمهَل. لم تُتح لها فرصة المواجهة.
لم تمر سوى لحظات، حتى بدأ رقمٌ غريب يطاردها برسائل مبهمة. لم تردّ، لم تُجبه، فقط كانت تقرأ الرسائل وتُسارع بالحظر، وقلبها يخفق بشيء لم تفهمه، وغضبها ينفجر في صمت…
وكل شيء فيها كان يتهاوى دون أن تنبس بكلمة. ظلت تتحدث بتيهٍ وتردد ورهبة في آنٍ واحد:
– ك… كان يوميًا بيبعتلي، إنه عاوز يتعرف ويكون صديق. كنت بقرأ رسالته، وكل مرة بحظره… معرفش، ألاقيه يكلّمني من رقم جديد ومصمِّم!
لاقيت فجأة معتز مسك تليفوني، وبيّتْهمني… إني أنا خ… خاينة! أنا… أنا… م… مِش خاينة! والله ما خاينة! أ… أنا…

ولمّا لاحظ مازن تدهور حالتها، تدخّل بهدوء قائلًا:
– ممكن نوقّف، نشرب حاجة ونكمّل، أوكيه؟

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى