هزّت رأسها موافِقة، فطلب لها مشروبًا يهدّئ أعصابها. تناولته ببطء، ثم عادت تنظر إلى الضوء الخافت في الغرفة، وعادت إلى استرخاءها المؤقت، حتى قال لها مازن بنبرة هادئة:
– لو مش قادرة، نخلّيها للجلسة الجاية. هزّت رأسها بالنفي، وأجابت بإصرار:
– أنا نفسي أخرج اللي جوايا… يمكن أرتاح، ولو بسيط. سجّل مازن ملاحظات سريعة في دفتره، ثم قال لها بصوت منخفض مشجع:
– كمّلي… عادت بذاكرتها إلى الوراء، إلى ذلك اليوم المشؤوم…
في الصباح، استيقظت على صوت أزعجها. تململت من نومها، ونهضت بتأفف؛ فلم تنم بشكل طبيعي بسبب الكوابيس المزعجة.
أمسكت هاتفها، تتفقده بعد أن صدرت منه نغمة تنبيه لرسالة جديدة، من نفس الشخص: “معاكي إنك ماترديش… بس أنا محتاجك معايا جدًا. لو هتعرّفيني، تتأكدي بجد إني صديق… قبل ما يكون في حاجة.” أغلقت الهاتف، ولم ترد. ثم عادت إلى النوم مرةً أخرى. لكنّه لم يتركها في حالها… حتى في منتصف اليوم.
عند الظهيرة، كانت تعد بعض الأشياء، وداخلها نيّة حاسمة بأن تترك له المنزل بأكمله ليشبع به. ثم تفاجأت مجددًا بصوت رسالة.
ذهبت إلى غرفتها، أمسكت بهاتفها، وفي داخلها رغبة بأن تلقّنه درسًا قاسيًا. كادت أن تقرأ الرسالة وتكتب ردًّا، لكنّ ما لم يكن في الحسبان حدث… خُطف الهاتف من يدها فجأة! قرأت ما قرأته، وهي لا تفهم شيئًا مما يحدث.
كل شيء وقع بسرعة، كأن الزمن انفلت من بين يديها، وتحول المشهد في لحظة إلى كابوسٍ لا سبيل للهرب منه.
لم تصدّق ما يحدث، حتى أفاقت على أول صفعة تهوي على وجهها.
كانت المرة الأولى التي يمدّ بها يده عليها.
انهال عليها ضربًا متتاليًا بالأقلام، وانفجرت الشتائم تباعًا، فيما ازدادت عصبيته كلما صمتت، فقبض على شعرها وجرّها بعنـ,ـف وهو يصرخ بجنون: – آه! تستغليني وأنا عاجز؟ وانتي مقضياها صُحوبية هنا؟ يا خاينة! يا فاجرة! بتكلمي رجالة كمان وانتي ست متجوزة؟!
وعاملة نفسك بتحبيني وبتساعديني؟!
مش بعيد بتمسحي الشات أول بأول علشان ماشكّش فيكي! حقيرة! لم يترك لها فرصة للدفاع عن نفسها، لم تجد لحظة تشرح له فيها ما حدث؛ فقد انتهى زمن التبرير والعتاب.
أيقنت في تلك اللحظة أن النهاية قد حلّت، ولكنها كانت نهاية قاسية ومهينة.
كانت تظن أنها إن قررت الرحيل، ستغادر بكامل كرامتها، لكنها وجدت نفسها تُطرد من حياته ذليلة، مكسورة، مجروحة في شرفها، وهو يجرّها من شعرها خارج المنزل كأنها لا شيء. فقدت القدرة على الكلام، شُلّ لسانها، وجمدت عيناها في نظرات صامتة تودّع بها المكان.
نظرت حولها نظرة الوداع الأخيرة… كل زاوية في المنزل حفظتها عن ظهر قلب.
كل ركن فيه كان يحمل ذكرى، أو ضحكة، أو كلمة، أو لحظة دفء…
لكنها غادرته بلا رجعة، مظلومة، مطعونة، تحمل على عاتقها وصمة لم ترتكبها، وجرحًا لا يندمل.
استلمت ورقة طلاقها، وفي اللحظة ذاتها، انهارت كل حصونها التي بنتها بصبر ووجع.
حينها فقط، أدركت أنها ليست في حلم، بل كابوس ثقيل تجسّد واقعًا مؤلمًا لا فكاك منه.
خارت قواها، وأصبحت قدماها كالهلام، فسقطت أرضًا، وقد أحاطها السواد من كل جانب، كأن الحياة انسحبت منها دفعة واحدة.
رفضت كل شيء، رفضت العالم، ورفضت أن تستمر.
حتى أفاقت بعد ذلك على سرير في المشفى…
كانت والدتها إلى جوارها، تطيب خاطرها بكلماتٍ مرتجفة، وأخيها، سندها الحقيقي، ممسكًا بيدها في صمتٍ ثقيلٍ مليء بالعجز والحب.
وبعدها… سافرت، ابتعدت عن كل ما يؤلمها، عن الأماكن، عن الذكريات، عن نفسها القديمة.
لم تعد إلا بعد مرور ستة أشهر من جرحٍ لم يلتئم بعد… لا يزال ينزف. – مي… مي، كفاية النهارده كده، فوقي يا بنتي. انتهت من شرودها على صوت والدتها، تزامنًا مع انطفاء الضوء في الغرفة، وصوت الطبيب وهو يعلن انتهاء الجلسة.
نظرت من حولها، لتجد نفسها جالسة أمام مكتبه، تمسح دموعها المرتبكة، وصدرها لا يزال يعلو ويهبط من شدة البكاء.
قالت بتوتر، بصوتٍ خافتٍ منكسر:
– ح… حضرتك م… مصدقني، صح؟ رفع الطبيب عينيه نحوها باستغراب، ثم أجابها بهدوء: – مصدقك في إيه؟ قصدك إنك مش خاينة يعني… وكده؟ أومأت برأسها، ودموعها تتساقط مجددًا.
لكن الطبيب قهقه فجأة، ضحكة عالية أربكتها، فارتجفت وسألته بصدمة: – حضرتك بتضحك على إيه؟! في إيه من اللي قولته يضحّك؟ لوّح بيده معتذرًا، وقال محاولًا تمالك نفسه:
– آسف… مقدرتش أمسك نفسي.
بس إنتي يا مي… طيبة أوي، لدرجة إنك صدّقتي المسرحية اللي اتعملت لك!
وعايشة دور إنك مقهورة ومظلومة.
وآه، إنتي فعلًا مظلومة، ومش هأنكر ده…
بس عشان هو اللي عاوز يوصلك للحالة دي يا مي.
معتز… مريض.
بقلم شروق مصطفى
حصري
رايكم
بتبع