ثم غادرت، لم تؤلمها صفعتها بقدر ما ألمتها كلماتها التي بصقتها في وجهها و ذهبت، و كأنها ليست فلذة كبدها ..
بل كأنها بالأساس لا تمُت لها بصِلة، إرتمت نور على الأرض تاركة العنان لصرخات بُكائها التي كتمتها منذ سنوات رافضة ذرف دمعة واحدة، بكت و صرخت حتى شعرت بأحبال صوتها تتقطع لتضرب فوق الأرضية بكلتا كفيها و خصلاتها تنسدل على وجهها، دخل جسدها في حالة من الرجفة تمقتها، فـ هي كُلما حزنت حُزنًا شديدًا يفوق طاقتها الذهنية و الجدية ترتجف كـ طفلٍ يقف وحدُه في ليالي قارصة البرد و الأمطار تنهمر فوق رأسه، ظلت تبكي و ترتجف لأكثر من ساعة نائمة على الأرضية في وضعٍ جنينيّ لا يصدُر منها سوى همهماتٍ هافتة بـ:
– بـ .. بابا!!
لم تعي دخول فريد الغرفة، الذي إرتسمت الصدمة على مِحياه و هو يراها على تلك الحالة، خطى نحوها لينزل لمستواها يميل بجسدُه عليها يُبعد خصلاتها المُلتصقة بجبينها من شدة تعرُقها، ينظر لوجهها شديد الإحمرار و إلى شهقات بُكائها النابعة منها، نزلت عيناه لجسدها الذي يرتجف بـلا رحمة أسفل تلك المنشفة، و في لحظاتٍ كان حملها بين ذراعيه ليُريح جسدها فوق الفراش، نظر لـ علامات الأصابع التي تركت أثرًا بغيضًا على وجهها فـ إشتعلت عيناه و بدون وعيًا منه أطاح بمزهرية كانت تجاور الفراش فسقطت أرضًا، لينتفض جسدها من ذلك الصوت العالي الذي إقتحم أذنها، جلس جوارها ليحاوط وجهها بكفيه يُردف:
– سامعاني يا نور؟ أومأت و لازالت الدمعات تُذرف من عيناها المُغمضة، فـ همس برفقٍ:
– طب إفتحي عينيكِ .. بُصيلي! أظهر عن عيناهت و ليتها لم تفعل، فـ مجرد النظر لـ بُنيتها الدامعة تجعل قلبه يُعتصر، أعاد خصلاتها للخلف و قال بهدوء:
– أمك اللي ضربتك؟
أومأت مجددًا لتزداد وتيرة إرتجافها فـ نامت على جنبها تضم قدميها لصدرها في محاولة بائسة لتهدئة جسدها، مسح فوق خصلاتها بحنان لأول مرة يظهر في تصرفاتُه معها، إنزاحت المنشفة قليلًا من على جسدها ولم تنتبه، فـ جلب بذراعه الطويل ملابسها المعلقة على الأرض بعد أن مال على الأرضية قليلًا، ثم دفع كتفها برفق لكي تنام على ظهرها، تنهد و همّ بـ القبض على تلك المنشفة و إزاحتها بعيدًا لكنها قالت برُعب تضم المنشفة لصدرها:
– إنت هتعمل .. إيه!!!
– هلَبسك يا نور!!!
هتف هو بهدوء لكن أسرعت هي نافية بفزع:
– لالالالا … سيبني .. أنا هلبس سيبني!! – هتقدري؟
قال و هو يراها تعتدل في جسدها تحاول بيأسٍ سحب المنشفة لأسفل لكي تخفي فخذيها تومئ مسرعةً، لم ينتوي الضغط على أعصابها أكثر من ذلك فتركها و خرج من الغرفة، لتخرج هي الأخرى بعد دقائق ما إن إرتدت ثيابها، نظر لعيناها التي شردت في نقطة فارغة ليقف أمامها، رفع ذقنها بإبهامه و سبابته معًا يسألها و عيناه تتشرب مِحياها:
– إنتِ كويسة؟
إبتسمت ساخرة، فهي تُقسم أن طيلة سنوات حياتها لم يسألها أحد ما إن كانت بخير أم لا، أجابتُه بإبتسامة فاضت ألمًا:
– مش هتفرق! سحب كفها بـ كفُه ليغادرا بصمتٍ، ترجلا من الدرج ليخرج منذر من الشقة في ذات الوقت، طالعتُه نور بـ مقتٍ ليصع فريد كفه فوق خصرها و يخفيها وراءُه، أراد الآخر إستفزاز فريد فـ قال بـ خبثٍ:
– هتوحشيني .. قصدي هتوحشينا يا نور!!!
لم يتحمل فريد الذي كان ينتظر أقل خطأ من ذلك الرجل لكي يُريه من هو فريد الزيات، إندفع نحوه وسط صـ.ـرخات نور المصدومة ليسدد له لكـ.ـمات في وجهه أوقعتُه أرضًا، مال فوقه و أمسك تلابيب قميصه ليرفعُه من فوق الأرض ثلاثة سنتيمتر ثم أنزلهُ بقسـ.ـوة ليصرخ الآخر بألمٍ من فقرات ظهره التي شعر بها تهـ.ـشمت و كلمات فريد تقتحم أذنيه:
– يا إبن الـكـ** يا نِجس!!!! إندفعت نور نحو فريد تمسك بكتفُه قائلة برجاء:
– خلاص خلاص سيبُه لو سمحت!!!
خرجت نادية من شقتها لتشهق فورما رأت ذلك المشهد أمامها، ركت جوا زوجها تتمسك برأسه و هي تراه يكاد يغشى عليه تصرخ به:
– مـنـذر!!! حبيبي قوم!!! نهض فريد عنه و صدرُه يعلو و يهبط بيننا نور تتمسك بذراعه لكي لا يفعل شيء آخر، لترفع نادية وجهها لهم تصرخ بهم بإنفعال:
– إنت غـبـي!!! إيه اللي إنت هببتُه ده!!!!! كاد أن يندفع بجسدُه لها لولا كفي نور التي تشبثت بذراعُه مُقربة جسدها منه ترجوه بهمس:
– خلاص يا فريد!!!
يكاد يجزم أنه وسط ما يحدث يود أن يتلفت لها و يخبرها أن تعيد إسمه مرارًا و تكرارًا على شفتيها، فـ هو لأول مرة يشعر أن إسمه في غاية الجمال هكذا، نظر لجسدها القريب من ذراعه العضليّ، لينظر إلى نادية التي تحاول إفاقة منذر و هو يتوعد لها هي الأخرى، يقول بحدة:
– و إنـتِ لولا إنك مَــرا أنا كنت مديت إيدي عليكِ، بس عقابك إني هحرمك من بنتك و مش هخليكِ تشوفيها لو حصل إيــه!!
صرخت به بغِلظة قلب:
– أنــا أصلًا مش عايزه أشوف وشـها!! أنا مصدّقت إرتحت منها و من قرفها!! تهدّلا كتفي نور و نظرت أرضًا و كفيها ينحدرا من فوق ذراعه بـ بُطئ لكنه أسرع يحيط ظهر كفها بـ باطن كفُه يثبته فوق ذراعه يقول لـ تلك التي نُزعت من قلبها جل معاني الأمومة:
– أنا هخليكِ تتمنشي تشوفي ضُفرها .. و مش هطوليه!!!
ثم جذب زوجته خلفه و خرجت من تلك العمارة، سارت نور وراءُه تشعر بـ إن قلبها تهشّـ.ـم بقسوةٍ، فتح لها باب سيارتُه و وضع كفُه فوق ظهرها يحُثها على الولوج فـ فعلت، ليجاورها يقود السياره و ذهنه كلُه مع تلك الجالسة جواره بصمتِ أحزنُه، إلتقط كفها من حِجرها ليأخذ على قدمُه مُغلغلًا أصابعه في فراغات أصابعها، طالعتُه للحظاتٍ دون حديث، ثم نظرت أمامها لدقائق لتهمس بعدها بلا وعي:
– هي ليه مبتحبنيش؟
– تعالي!!
قالها فاردًا ذراعه لها فـ نظرت له بتردد حسمهُ هو عندما جذبها من كتفها لصدرُه فـ أغمضت عيناها و إنهمرت الدموع فوق وجنتيها تهمس بصوت جعلُه يشدد أكثر على عناقها:
– يعني ليه رافضاني؟ .. ليه عُمرها ما طيبت خاطري بكلمة؟ و بدون وعي منها تشبثت في قميصه المفتوح أول ثلاثة أزرار منه، فـ لامست أناملها الباردة صدرُه الدافئ فـ إبتسم رغم حُزنه على حالتها، إستنشق عبير خُصلاتها ليمرر كفُه فوق كتفها يقول بهدوء حاول إصطناعه:
– أمك كانت عارفة باللي النجس ده بيعملُه؟
– لـ .. لاء!!
همهمت بحزن، فـ قال بهدوء:
– أكيد حسِت بنظراتُه ليكِ .. و ده خلاها كارهاكِ و عايزة تبعدك عنها عشان بيتها .. ميتخربش!!! أغمضت عيناها و هي تشعر بأن كلماته مئة بالمئة صحيح، ضمت جسدها لصدرُه أكثر تهمس برجفةٍ:
– يعني هو .. أهم منها عندي صح؟ – نَفْسها أهم منكوا إنتوا الإتنين!
قال بهدوءٍ فـ صمتت تُفكر في تحليله للأمر لكن صُدمت عندما أخبرها بهدوء:
– و إنتِ عندي .. أهم من أي حد!!
رفعت وجهها تنظر له بصدمةٍ مما سمعت، إبتعدت عنها تنظر خارج النافذة بإرتباك، لتشرد بكُل ما مرت به حتى وجدت نفسها أمام ڤيلا يدلف لها من خلال بوابة فُتحت تلقائيًا فورما وجدت سيارته، نظرت حولها بإنبهارٍ و ترجلت من السيارة لا تصدق ما تراه عيناها، فتحت باب السيارة عندما توقفت و ترجلت منها، رفعت رأسها لضخامة المبنى، وقف جوارها فـ نظرت له قائلة:
– كلها بتاعتك؟ – آه
قالها بهدوء و هو ينظر لها، فـ سألت بدهشة:
– حد عايش فيها معاك؟
– لاء!
إزدادت دهشتها لتسأل مجددًا:
– فين باباك و مامتك؟ – ميتين!
هتف و التأثر لا يظهر البتة على وجهه، فـ غمغمت بهدوء:
– الله يرحمهم!!
نظرت لذلك المسبح و تلك الورود المزروعة في جانب بمفردها و من الواضح أنها تحظى بإهتمامٍ كبير، لفحها الهواء فـ ضمت نفسها بذراعيها و إتجهت ناحية باب الڤيلا و هو يسير خلفها، وقف مباشرةً خلصها و وضع كفه الأيسر فوق خصرها يزيحها قليلًا لكي يفتح الباب بالمفتاح، حمحمت بحرجٍ من لمستُه و دلفت، أعتلت الصدمة مِحياها تنظر حولها و لم تكن تظن بحياتها أن مثل هذا الترف موجود بتلك الحياة، أخرجها من شرودها عندما وجدتُه يمسك بكفها يسير بها إلى الدرج، فـ توقفت تقول بضيق:
– رايح فين، و بطّل بتجُرني كدا!!!
– رايحين أوضة النوم، و أجُرك أحسن ما أشيلك .. ولا عايزاني أشيلك؟
قال بخبثٍ ظهر في نبرتُه فـ أبعد كفها عن مرمى كفه و قالت بحدة:
– لا ده و لا ده!! ثم همست بتوتر:
– سيبني أتفرج على الڤيلا شوية!!! شعر بالصُداع يفتك رأسه، ليجلس على الأريكة يعطيها ظهره الذي أراحة على ظهر أريكتُه الوثيرة، يقول عائدًا برأسه مغمضًا عيناه يشعر و كأن شخص يضرب بمطرقة فوق رأسه:
– إتفرجي يا نور!
زفرت براحة و دلفت إلى ما إتضح أنه مطبخ، كادت تشهق من جمالُه لتفتح الثلاجة و ترى فيها كل ما لذ و طاب، إلتقطت تفاحة لتتذكر أنها كانت ظائمًا تستأذن أمها لتأكل شيء من الثلاجة و تسمح لها أو لا، وقفت على مدخل المطبخ و قالت بهدوء:
– ينفع أكُل تفاحة؟ رغم ألم رأسه إلا أنه فتح عيناه و نظر لها ساخرًا يقول:
– بتستأذني عشان تاكلي في بيت جوزك؟!!
أخفت مِحياها الخزينة و دلفت إلى المطبخ مجددًا و هي تقضم التفاحة بجوعٍ، فهي لم تأكل منذ البارحة، رفعت صوتهاة ليصل له تقول مستفسرةً:
– مين بيساعدك في الهلُمة دي كُلها!!! جائها صوته هادئ كعادتُه:
– الخدامين!!! شهقت من كلمته لتتجه له تقول ببراءة وضحت له في نبرتها:
– مش بنقول عليهم خدامين!!! ممكن نقول مساعدين أو أي حاجه تانية!!! إبتسم رغمًا عنه ينظر لعيناه، يريد أن ينهال بقبلاته فوق تلك الجفون التي تحاوط أجمل عينان قد رآها بحياتُه، صمت و لم يرد فـ سألت و هي تقضم من التفاحة و عيناها تلُف الڤيلا:
– هُما فين بقى!!!
– في أجازة!
قال بهدوء، فـ هتفت بدهشة:
– ليه .. بمناسبة إيه يعني؟ – بمناسبة إنهم مينفعش يبقوا موجودين في ليلة دُخلتنا يا نور!!
قال و هو ينهض واقفًا أمامها يطالعها بأعين خبيثة، صُدمت مما قال لتقف قطعة التفاحة في حلقها فـ أخذت تسعل تميل برأسها للأمام واضعة كفها على صدرها، أسرع يصُب لها كأس من الماء كان موضوع على المنضدة، ليحاوط ظهرها يُقرب الكوب من شفتيها هامسًا بقلق نهش قلبُه:
– اسم الله عليكِ .. إشربي!!!
شربت من المياه مسرعةً بعطش، و عندما أنهتها وضعها جانبًا، ليعود يتفرس وجهها بقلقٍ عليها، فـ إذا مسَّه السوء مسُه، مسح على خصلاتها يسألها بهدوء منافي لنيران قلبُه:
– إنتِ كويسة؟