تنهد الطبيب بضيق ، يتذكر ذلك الطور من المرة السابقه. بدأ يباشر عمله و سط صراخ سلوى ، حاول التحدث لها قائلاً : لو سمحتي يا مدام أهدي إلي بتعمليه ده غلط ، الانفعال هيزيد الوضع سوء . لكنها لم تكن لتتوقف بل حديثه زاد هلعها و صرخت : لازم يعيش ، أتصرف ، أعمل أي حاجة ، لو جرى له حاجة مش هرحمك … البيبي لازم يعيش … ما هو هيعيش … مش هينفع يحصل له حاجة .. هيعيش صح ؟ هيعيش.
طريقتها في الحديث كانت مخيفة وترت الطبيب رغم طبيعته الباردة فنظر لغانم يقول له : ما تهديها يا أستاذ مش هينفع كده . لكنه وجد مختل أخر لا يتخير عن زوجته الكثير و قال له : أخلص أكشف و أعمل كل إلي ممكن يتعمل .. أنت سامع . هز الطبيب رأسه بجنون و هو يرتدي القفازات الطبية و بدأ في مباشرة عمله وسط صراخ سلوى و بكائها يستمع لغانم و هو يميل عليها يقبل رأسها مردداً: أهدي يا سلوى ، هيبقى كويس ، أبني هيعيش ، لازم يعيش.
لكن الطبيب إلتف للممرضة يردد بهلع : حضري العمليات بسرعة . أتسعت عينا غانم و ثقل تنفسه و هو يسأل : عمليات إيه ؟ دي في السابع . هز الطبيب رأسه بيأس وقال: المدام عندها تسمم حمل ، البيبي ميت بقاله كذا يوم في بطنها. لم تتحمل سلوى وقع الكلمة على أذنها و زاد صوت صراخها حتى أن حملها الصوتيه كادت أن تتمزق و هوى غانم على الأريكة من خلفه حيث لم تعد قدماه تحملانه .
جلس يشعر بالخواء من حوله ، لا يسمع سوى صوت سلوى التي تجلس على الفراش عند باب غرفة العمليات ترفض الدخول ، تحتضن معدتها بذراعيها تردد بصوت يفطر القلوب : طب سيبوه جوايا ، خلوني أفضل شيلاه حتى لو ميت ، خلوني أفضل حاسة بيه . أقتربت منها منال و قالت باكية: يا حبيبتي كل وقت بيعدي فيه خطر على حياتك ، البيبي ميت بقاله كذا يوم و إنتي عندك تسمم حمل ، كده ممكن تمـ,ـوتي بعد الشر .
فعلى صوت سلوى تردد بعويل : بعد الشر ؟ بعد الشر إزاي هو في شر اكتر من إلي أنا فيه ؟ خايفين لا امـ,ـوت ؟ ما أنا لو اخدتوا أبني مني همـ,ـوت .. ليه يا رب .. لييييه ؟ ليه أنا ؟ ليه مش بيكمل لي حمل ؟ لييييه ؟ نظرت منال لغانم و قالت له: غانم .. تعالى كلمها لازم تدخل العمليات دلوقتي و حاول تهديها. حاول غانم مقاومة دموع عيناه و كبتهم بشق الأنفس ليقف بجوارها و هو يحتضنها له مردداً: يالا يا سلوى ، لازم تدخلي ، في خطر على حياتك.
فقالت بنشيج قطع نياط قلبه: خطر خطر ، مابقاش فارقلي حاجه ، بس ماحدش ياخده مني ، سيبوني شيلاه و حاسه بيه. أطبق جفناه بقوة و ردد و هو يتحامل على نفسه : أستهدي بالله يا سلوى ، لازم تدخلي ، مش هيبقى هو و إنتي في يوم واحد. لكنها كانت مستمرة في الرفض بقوة تصرخ بأعلى صوت لديها : مش هسيبهم يخرحوه ، هيفضل جوايا ، ده أبني أناااا.
نزل غانم على عقبيه و هو يحاول التحدث معها استجابة لإماءة الطبيب الذي و كأنه طلب منها أن يلهيها حتى يغرز في ورديها تلك الحقنة المهدئة و لم تمر ثواني إلا و أستكان جسدها الثائر لا يسعها سوى أن تردد و هي بين اليقظه و النوم: مش هسيبكم تاخدوه ، ماحدش ييجي ناحية إبني ، مش هسيبكم تاخدوه . جروها بالفراش لغرفة العمليات التي أغلقت عليها و ذهب غانم يقف مع والديها يسألهم كيف حدث ذلك.
في منزل حلا وقفت على أعتاب باب الشقه تتجهز للخروج لكن أوقفها صوت سميحة التي هتفت بغضب : أستني عندك . تنهدت حلا بتعب ، تعلم ماستتحدث فيه والدتها . بالفعل أقتربت سميحة تكتف ذراعيها حول صدرها مرددة: هنقعد أمتى نتكلم في العك إلي أنتي بتعكيه ده ؟ سحبت حلا نفس عميق و قالت: مش وقته يا ماما أنا لازم أنزل الشغل دلوقتي مش عايزه اتأخر.
همت لتتحرك لكن سميحه اوقفتها مرددة بسخرية : ايه ؟ خايفه يتخصم منك و لا ايه ؟ المفروض دلوقتي إنك بقيتي مليونيرة .. إيه بقا إلي منزلك تشتغلي في مطعم و عيون الناس تنهش فيكي ؟
فجاوبت حلا : عشان ماحدش يشك فيا ؟ المفروض إني كنت محتاجه أي فلوس و أي شغل و عشان كده أشتغلت خدامة فجأة كده أستغنيت ؟ لازم نسبك الدور للأخر ، و بعدين هي فين الملايين دي ، أنا لحد دلوقتي مش عارفه أوصل لعادل و تليفونه مقفول … اخر مرة كلمني كانت أمبارح الصبح لما قال إنه تمم كل حاجه و الفلوس معاه و من بعدها تليفونه مقفول سميحه : يمكن طمع فيهم و ضحك عليكي.
فكرت حلا لثواني و قالت : لأ ، عادل مايعملهاش . سميحه: ليه ؟ الشيطان بيغوي أي حد. حلا : ما كنش عرفني أنه خلص كل حاجه ، كان هيرتب ظروفه و يهرب من غير ما يكلمني ، ربنا يستر. سميحه : و هو هيستر ازاي و إنتي عماله تعكي هنا شوية و هنا شوية و بتبوظي حياة الناس. ارتبكت حلا لثواني ثم قالت: عكيت إيه و لا بوظت حياة مين ؟
سميحه: بطلي إستفزاز ، بس تعرفي إنتي مش غلطانه لوحدك ، أنا غلطانه إني سيباكي تعملي إلي بتعمليه و مصهينه على عمايلك، تقدري تقوليلي الفلوس إلي أخدتيها من إلي إسمه زفت ده حلال عليكي و لا لأ ؟ ثارت حلا عند تلك النقطة تحديداً و جن جنونها و هي تردد : يا نهار مش فايت ، أنتي إلي بتقولي كده يا ماما و بعد كل ده لسه بتسألي ؟ سميحه: إحنا مش متأكدين من أي حاجة ، ما يمكن مش هو .
حلا : لأ هوو . صرخت بها حلا بغضب و قهر لتنظر لها سميحه بصمت تام ثم قالت: و افرضي طلع مش هو ، مالك كده زي ما تكوني عايزه تلبسيه الحكاية و خلاص ، مش قولتي إنه مش عنده فيسبوك. حلا : و أنتي صدقتيه ؟ سميحه: أمال قالك كده ليه ؟ صمتت سميحة للحظات ثم جعدت ما بين حاجبيها و هي تسأل: و ليه نكر أنك في بيتك ؟ و ليه ماكنش بيسيبك تخرجي ؟ و إيه إلى خلاه فجأة كده يسيبك تمشي ؟ أنا عايزة اعرف كل ده… و أنتي بتتهربي من الكلام.
تحركت حلا تهرب ككل مره تتحجج بحجة جديده و قالت : بعدين أنا لازم أنزل شغلي. فهتفت سميحة: مش كل مره هتهربي ، لازم تقفي تردي عليا . ألتفت لها حلا و قالت: نعم يا ماما ، عايزاني أجاوب على أيه ؟ سميحه: أنتي عايزه تجنيني ؟ فهميني إيه العك إلي بتعكيه ده و ناويه على ايه ؟ و إلي إسمه عزام ده كمان ايه حكايته معاكي ؟
على ذكر سيرة عزام ظهر الشعور بالذنب على ملامح حلا و قالت: أهو هو ده الوحيد اللي حاسة بالذنب ناحيته، أنا قربت منه عشان يبقى بينا كلام رايح جاي و يهربني من بيت غانم ماكنتش أعرف إن كل ده هيحصل . فقالت سميحه بسخط : ماهو من عكك ، و الهبل إلي بتهبيله ، هتعملي إيه دلوقتي ؟ ده مكلمني و عايز يخطبك و يتجوزك ؟ فهتفت حلا بسرعه : لأ خطوبة إيه ؟ احنا كلها يومين و هنسيب البلد اول ما أقابل عادل ، هاخدك و نمشي من هنا.
هزت سميحة رأسها مراراً و هي تردد بحزن: ليه كده يا بنتي ؟ إيه إلي بتعمليه ده ؟ ذنبه ايه بس تعلقيه بيكي ؟ أخفضت حلا نظرها أرضاً و قالت : بكره ينسى ، ماحدش بيمـ,ـوت عشان حب ، مش أحسن ما يعيش معايا و انا مش بحبه. سميحه : وجع القلب ساعات بيمـ,ـوت يا حلا . خرجت حلا عن هدوئها و رددت : و هو لوحده إلي قلبه موجوع ؟ نظرت لها والدتها بيقين تردد : قصدك مين تاني ؟ انتي مثلاً ؟
زاغت عينا حلا تنظر في كل الاتجاهات إلا عين والدتها و هي تقول : أنا مالي ؟ مانا صاخ سليم قدامك أهو ، و بجهز نفسي عشان أسيب البلد دي بالي فيها. وقفت سميحة تنظر هي داخل أعين أبنتها تواجهها مرددة: الكلمتين دول تضحكي بيهم على أي حد غيري ، أنا أمك الي ولدتك و ربتك و عارفه إلي فيكي من غير ما تقولي فقالت حلا بعند : قولت لك مافييش حاجة. ردت سميحة: امال عياط مين ده اللي بسمعه كل ليله من ساعة ما رجعتي؟
أرتبكت حلا كثيراً و إلتفت تتهرب منها و هي تردد : أنا ماشيه لازم الحق الجوازات و بعدها أروح الشغل بسرعه. هرولت ناحية الباب هاربه و سميحه من خلفها تناديها : حلا ، أستني عندك ، مش هتهربي من الكلام زي كل مره ، أقفي عندك يا بنت أنا لسه ما خلصتش ك….. صمتت بصدمة و هي تجد حلا قد فتحت الباب لتخرج لكن صدمت بعزام يقف على الباب يرتدي بذلة سوداء و بيده باقة ورد و لجواره تقف والدته و فتاة نحيفة كل منهما ينظران لها بنزق من أسفل لأعلى بينما عزام يبتسم بإتساع مردداً: صباح الخير.
لتقف حلا مبهوته هي و والدتها لا تعلم كل منهما كيفية التصرف في وضع كهذا . في غرفة مغلقة بإحكام فتح جميل الباب و دلف للداخل يلقي بصحن صغير لعادل الذي يجلس أرضا به قطعه من الجبن و كسرة خبز ثم ردد : خد إطفح . نظر له عادل بقهر و ردد : هتفضل حابسني هنا لحد امتى ؟ جميل: لحد ما تفتح مخك معايا و تقولي مكان الفلوس فين و أنا هشوفك بمبلغ حلو أكبر حتى من إلي كانت البت الشمال دي هتديهولك .
عادل : أنسى ، و الله لو أديتني المبلغ كله. جميل: لأ شهم ياض ، خلاص خليك مرمي هنا . فهتف عادل بغيظ : طب و أخرتها ، هتستفيد إيه برميتي هنا. إلتف له جميل و قال: بص بس عشان نجيب من الآخر ، انسى إنك تخرج من هنا غير لما أخد كل الفلوس إلي أخدتها . نظر له عادل بحاجب مرفوع و قال: بلاش تحسسني إنك خايف على البيه أوي كده، عيب ، ده انا شوفت كل الحسابات الملعوب فيها ، يعني أنزل من على المسرح بقا .
جلب جميل إحدى الكراسي و تقدم يجلس لجواره ثم قال : عليك نوووور ، بس انا طول عمري اهبش هبشة صغيرة مش زيك ، و يوم ما ده يحصل أكيد مش هسيبك تبلعهم لوحدك ، فيها لاخفيها . عادل: يا سلام ، أما إنك صاحب مبدأ بصحيح ، بس شوف لما اقولك ، أنا عيل شمال و اعمل كل حاجه غلط بس إلا أكل فلوس الولايا و الفلوس دي حق حلا و ماحدش يطول منها مليم واحد ، خليك جدع و أعمل حاجة واحدة صح و خرجني من هنا .
وقف جميل و إلتف يذهب ناحية الباب ثم قال: و مين ده اللي ضحك عليك و فهمك إني جدع ، خليك هنا بقا لما تدود و خلي شهامتك تنفعك يا شهم . ثم صدحت ضحكاته ساخرة متقطعة حتى خرج من المكان كله و ترك عادل يخبط رأسه في الخائط خلفه يسأل الله الخلاص. في المشفى كانت اصوات صراخ سلوى التي أستيقظت و أدركت ما حدث تملئ الفضاء من حول المستشفى كلها . كل رواد المكان تقريباً علموا قصتها بسبب صراخها المتواصل.
وقف بجوارها غانم يحاول تهدئتها و هي تصرخ فيه : دفنته يا غانم ؟ المره دي مش زي كل مره ؟ مش شوية دم و نزلوا … المره دي اتسمى و أتكفن و أتدفن ، المره دي لحم و دم ، دفنته فين يا غانم . بصعوبة بالغة منع غانم دموعه و قال بصوت موجوع : جنب أبويا و جدي . فصدح صراخ سلوى يشق حنجرتها و يشق المكان :أاااااااااااه . فهرولت إليها الممرضه تضخ في وريدها حقنة مهدئة جديدة و هو وضع يده على فمه حتى وصل لسيارته يغلقها عليه ثم يسمح لنفسه بالبكاء.
يشعر بالوحدة في أكثر اللحظات التي قد يحتاج فيها أي إنسان للمساندة و الدعم ، لطالما كان وحيداً و تأقلم على ذلك الوضع ، لكنه الآن في أمس الحاجة للدعم النفسي من أحدهم ، سلوى معها كل عائلتها ، حتى أبناء و بنات عماتها و خالاتها .. كل الأقارب من ناحية الأب و الأم.. كلهم معها حتى أثناء نومها إلا هو… وحيد تماماً لا يوجد من يقف لجواره ، هو لا أحد له تقريباً. و هنا كان يجب أن يتذكرها ، وجد نفسه لا يتذكرها بحنان بل بوعيد فهو في حاجه شديدة لها و هي ليست موجودة.
و بلحظة ضعف أشعل سيارته و هو يمسح دموعه و قد قرر الذهاب لها ليجد على الأقل من يلقي بنفسه بين ذراعيها يشكيه همه ، يشعر أنها الوحيدة التي قد يظهر ضعفه و يعري روحه بين أحضانها. في نفس الوقت… ببيت حلا . جلست لجوار والدتها تتمسك بها بشئ من الخوف من نظرات والدة عزام و شقيقته و هما ينظرون لها بترفع تام فقالت سميحه: أحممم، منورانا ، ماتأخذوناش البيت مش أد المقام. لتجيب والدة عزام: ماهو باين .
نظر لها عزام بلوم ثم أبتسم لسميحة و قال : ما تقوليش كده يا طنط ، أنا بقول ندخل في الموضوع على طول… أحممم ، أنا كنت جاي طالب أيد حلا من حضرتك و قولت كمان أجيب أمي و أختي الوحيدة عشان الأسرتين يتعرفوا على بعض و إن شاء الله يحصل قبول. زمت سميحة شفتيها بتردد لا تعرف كيف ستحرجه و هي على يقين تام بمشاعر أبنتها لكنها لم تود جرح كرامته و كبرياءه و قبلما تتحدث قالت والدة عزام بنزق : بلاش تحرجهم يا حبيبي و بلاش إنت كمان تتسرع .
بهت وجه سميحة و هي تجد عزام عاجز عن الرد على كلام والدته ذو المعاني المتعددة و قالت : إيه ؟ يتسرع ؟ فقالت شقيقته و هي تتحدث بالعين و الحاجب كما يقال : أيوه ، بعد ما جينا و شوفنا الحال ده شكلكم يعني ما تأخدنيش على أد حالكم . أكملت تباعاً والدتها : كمان سمعت من الست جارتكم و هي بتطلع الزباله ، سألتها كده طياري يعني عنكم قالت أنكم جايين من بلدكم مابقالكوش كتير و لا حدش يعرف لكم أصل من فصل ولا قرايب .
هتف عزام: أمي. فقالت والدته : الاه ، مش بقول الحقيقه ، هو انا بتبلى عليهم. نظر عزام لسميحة و قال: حقك عليا أنا يا طنط انا بقول نقرا الفاتحه دلوقتي و… لكن وقفت سميحة و قالت بحسم : لا فاتحة و لا غيرو خد أمك و أختك يا أبني و اتكل على الله. في نفس الوقت دق جرس الباب و ذهبت حلا تفتحه لتصدم و هي ترى غانم هو من كان يدق الباب و الماثل أمامها.
و كذلك صدم غانم و هو يرى عزام يجلس في وسط صالة بيتهم يرتدي بذلة جديدة وت معه باقة ورد و أسرته في مشهد لا يوجد له الإ تفسير واحد……. الفصل السابع عشر وقف مبهوت بل مصدوم …. مصدوم ماذا ؟! لقد شق قلبة لشطرين الآن و هو يرى من بات يراه غريمه يجلس في صالة بيتها مع أسرته و بيده باقة ورد . باقة ورد ؟ باااقة ورد ؟؟؟ رمش بأهدابه عدة مرات و نظر لها يردد متسائلاً: ايه ده ؟ إيه إلي بيحصل ده ؟