علي اعتاب الحادية عشر و النصف كان الابناء الاربعة تقريبا بالاتجاه الي النوم ، و كانت نسرين تخرج من المطبخ و هي تحمل بين يدها كوب شاي ، نظرت في الساعة و تنهدت بضيق و شعرت ان غياب عمرو ليس في عمله كمان تظن
ارادت ان تتوجه الي غرفة النوم و لكن قدمها دافعوها الي غرفة مكتبه ، توجهت اليها و فتحت الباب ووقفت مليا تشاهد الغرفة التي تحمل عطر عمرو ، اتجهت و جلست علي كرسيه لتستشعر انه الي جوارها و امامها مكتبه تنظر الي كتبه المتراصة و اقلامه و اوراق عمله ، تتلمسها بيدها و كأنها تلمس عمرو ، لتشعر عندها كم كانت غبية عندما كانت تظن ان للحب سن و عنده ينتهي كل شئ ، لاول مرة تشعر كم باتت ملهوفة علي عمرو ، تود لو انه عاد الان فجرت نحوه و احتضانته بقوة و قالت من كل قلبها ” بحبك ”
، لكن اين هو عمرو امام منزل نهلة اوقف عمرو سيارته و ابتسم و هو يجذب يد نهلة له و يقبلها و يسأل : حاشوفك قبل ما نسافر
ابتسمت نهلة و ردت : طبعا يا عمرو و اكيد حننزل نشتري شوية حاجات لزوم السفر ، اوكي يا حبي
ابتسم عمرو و رد : اوكي
فتحت نهلة الباب و قبل ان تنزل ردت : كلمني اول ما توصل عايزة ابقي اطمن عليكي ، باي يا حبيبي
شعر عمرو ببالغ السعادة فهو لا يريد سوي الاهتمام و رد : باي
انطلق عمرو باتجاه منزله و لكنه و لاول مرة يشعر شعور مخالف عن ما اعتاد ان يشعوره ، شعور بالضيق و كأن الحب الجديد قد فقد بهجته ، لم يعد نفس قدر اللهفة موجود ولم تعد نفس الرغبة بنفس القوة ، ما الذي حدث و لماذا بات الامر هكذا ، لم يمتلك عمرو رد ، لكن صورة نسرين لاحت في الافق اتت لاول مرة امام عينه ، كلامها ، تغيرها ، عطرها و ابتسامتها
تنهد عمرو و كأن شيئا بداخله بات لا يستطيع ان ينكر ان نسرين مهما حدث سيظل لها مكانها الخاص عنده
عاد الي المنزل ليجده صامتا ، شعر بخيبة امل و كأنه قد تمني للحظة لو انها كانت تنتظره ، يعلم انه تأخر لكن كان عنده ذلك الامل ، توجه الي غرفة مكتبه ليجدها مضأة و عند باب الغرفة تسمرت قدمه و خفق قلبه رغما عنه لانه رأي ما لم يتوقعته
كانت نسرين قد نامت علي كرسي عمرو و الاغرب انها احتضنت ظهر الكرسي بكلتا يديها و قد رفعت قدمها فوق الكرسي ، اقترب عمرو لينظر لها مليا ليجد ان علي قدميها اخر بحث قد كتبه بيده و بدي انها كانت تقرأ فيه ،وقف عمرو امامها صامتا لا يعرف تفسيرا لما بات يشعر به ، لكن ابتسامة خفية كانت تريد ان تطل و بشدة علي وجهه ، ازاح بيده خصلات شعرها المتناثرة علي وجهها ليري وجهها مليا ، شعر بلمحة حزن و بقايا دموع و كأنها كانت تبكي ، سحب بيده البحث الذي كان علي قدميها ، لتستشعر نسرين وجوده فتستيقظ منزعجة
و تحرك رأسها من اجل الاستفاقة ثم تنظر اليه : انتي جيت يا عمرو
وضع عمرو ما بيده علي المكتب و رد : ايوة
قامت نسرين من مكانها و هي تسأل : هي الساعة كام دلوقتي
رد عمرو و هو ينظر الي ساعته : 12 و ربع
تنهدت نسرين و رد : انت اتأخرت اوي و طبعا اكلت برة مش كده
لاول مرة يشعر عمرو بالضيق من نفسه و يرد محاولا عدم اغضابها :
معلش ، كان عندي شغل كتير و طبعا اضطريت اكل برة
لم تنتظر نسرين طويلا في الغرفة خرجت فور ماقاله عمرو و اتجهت للمطبخ ، زاد شعور عمرو بالضيق من نفسه و توجه خلفها ، لكن رغم الشعور بالضيق الا ان شعور اخر بالفرحة كان يداعبه ، وقف امام باب المطبخ ينظر لها عن كثب ، يتأمل ما ارتدته و كأنه بات يتوقع كل يوم شئ مختلف ، ( استريش روز و بدي رمادي منقط بالروز و مكيب روز حتي العطر كان بينك فلور )
وقف يتابع ما تفعل و هو يسأل :
بتعملي ايه
جلست نسرين تأكل علي احدي كراسي المطبخ سندوتش قد حضرته بيدها ، ساد الصمت و هي شاردة و يبدو عليها الحزن ، جلس عمرو علي الكرسي المجاور و سأل : انتي جعانة
ردت بملامح حزينة : انا مأكلتيش من الصبح ، لاني كنت فاكرة انك مش حتتأخر قلت ناكل مع بعض ، حتي مكلفتش خاطرك تتصل تقول انك حتتاخر و علي اخر اليوم اقفلت موبايلك ، عمتا خلاص
علت الابتسامة علي وجه عمرو و رد :
و الله لو اعرف انك مستنياني مكنتش اكلت ، بس اعمل ايه ، انا زمان لما كنت بارجع من غير ما اكل و اقولك اقعدي معايا كنتي بتقوليلي اكلت يا عمرو مع الولاد و مكنتيش بتستنيني ، لو كنت اتعودت انك بتستني مكنتش اكلت
تنهدت نسرين بضيق و ردت :
اظاهر انك حتفضل تحاسبني علي اللي فات كتير يا عمرو
بدأت دموعها رغما عنها في الانهمار علي وجنتايها ، لا يعرف عمرو عند هذه اللحظة لماذا لم يستطع تحمل تلك الدموع ، كثيرا ما كان يري بكاؤها و لا يهمه ، اما دموع اليوم فنزلت علي قلبه كسكين حاد ، مد يده ليمسح دموعها و رد : يااااااااااااه كل ده ، طب بجد متزعليش مني ، حقيقي لو اعرف انك حتزعلي مكنتش اكلت بره ، عمتا احنا ممكن نتفق علي حاجة بس نطلع قد الاتفاق ، قولتي ايه
شعرت نسرين ببعض الراحة في قرارة نفسها ، علي الاقل لم يتركها بحزنها و ينصرف كما اعتاد ، ادركت عندها الفارق الكبير بين دموع تنزل بكبرياء و دموع الشحتفة و ردت بهدوء : اتفاق ايه
عمرو وهو يمسح وجهها بيده : لو حتستني يبقي اوعدك اني مش حاكل الا معاكي ، اتقفنا
ابتسمت رغما عنها و اسعدها ما قال و ردت : اتفقنا
تنهدت ثم سألت : تشرب عصير جوافة
عمرو و قد قام ليتجه الي غرفة النوم : ماشي
وقف عمرو امام دولابه يبدل ملابسه و شرد فيما قال و هو نفسه لا يعرف تفسير لما فعل ، لكنه يشعر بالراحة انه لم يتركها علي حزنها ، لكن نفثات الشيطان ابدا لن تتركه ليبدأ عقله بسرد الماضي امامه ، و يبدأ في نفسه ذاك الحوار :
دلوقتي بس افتكرت تلبس و تتمكيج و تقري اللي باكتبه ، دلوقتي بس بقت بتستناني و انا راجع من شغلي و تقعد معايا و تزعل لاني اكلت برة ، كان فين كل ده من سنين ، مكنتش عايز فيها حاجة غير الحب و كانت بتستخسره ، و كلامها كلها كان احباط و بس و في اخر انا كمان اللي بصلحها
تنهد بحسرة علي ما فات و اتجه الي سريره لينام ، اتت نسرين تحمل بين يديها صنية حملت عليها كوبان من العصير ووضعتها بجوار عمرو و قد بدلت ملابسها الي لانجيري قصير الي الركبة ايضا باللون و الروز و زادت من عطرها
ابتسم عمرو رغما عنه و شعر انه سنفجر ضحكا و لكنه تماسك و اثر ابتسامته القوية و هو يقول في نفسه :
واضح انها مش ناوية تجيبها البر
لم تري نسرين سوي ابتسامة عمرو الصامتة و هي تمد يدها بكوب العصير و اتجهت الي الجانب الاخر لتجلس الي جواره ، ساد الصمت و عمرو يفكر في ذلك التغير الجذري الذي حل بها ، لم ينكر امام نفسه ما تحرك بداخله ، كم كان متلهفا عليها و كم كان يريدها و لكن ما لبث و فكر بالامر حتي تذكر ما كان منها و تذكر كل جملة كانت تقولها
: يا عمرو احنا كبرنا علي الكلام ده ، يا عمرو حد يشوفنا من الولاد ، الولاد كبروا و كده ميصحش ، يا راجل انت داخل ع الخمسين الكلام ده كان و احنا صغيرين يا دكتور عمرو ، انت معندكش شغل الصبح زفر عمرو بشدة و هو يضع كوب العصير الي جواره و قال و هو يعتدل للنوم و قد اولها ظهره :
تصبحي علي خير
صدمت نسرين من رد فعله و لم تفهم ، ألم يتأثر بما فعلت ، ألم يشعر برغبتها ، ماذا عساها ان تصنع أتقولها صريحة مثلا ، و ماذا عن خيبة الامل و ماذا لو خذلها ، بالتأكيد طوال اليوم كان برفقة نهلة فماذا تنتظر ، انها باتت لا شئ و لكنها لا تريد ان تعترف ، ليتها لم تغير من نفسها ليتها لم ترتدي ما ارتدت و لقد خسرت كرامتها لقد رخصت نفسها
زفرت بضيق و حاولت ان تهدئ و ترد علي نفسها :
انا بنيت حواجز في سنين و لازم اعترف قدام نفسي انها مش سهل تتكسر في ايام ، بس لو كنت اضمن اني لو بدرت انه مش حيكسفني كنت حاولت لكن مش حاقدر اعمل كده
علي الجانب الاخر لم يستطع عمرو النوم لانه كان يشعر بها و قال في نفسه ساخرا : الله يسامحك يا نسرين ده انا كنت قربت انسي انك واحدة ست و اننا متجوزين ، معقول ، لا مش معقول نام بكرامتك احسنلك انا عارف و متأكد انها حتكسفني ، انا عارف نسرين كويس اوي
بعد لحظات غلب عليها التردد ، انسدل الصمت علي جدار الغرفة التي اعتادت البرود و نام كل منهم يحمل في نفسه لهفة علي فعل لم يفعله خشية رد الفعل ….. ليعلو صباح الجمعة علي بيت السويفي ، استيقظت ميار مبكرا لتعد العدة لفكرة مميزة تضع فيها ما اشترت لعلي من هدية
اتجهت الي مكان الهدية و اخذت زجاجة العطر التي يفضلها علي و شريط ستان احمر و فوطة تنظيف و اخيرا
مفتاح السيارة و ارتدت حجابها و خرجت لتضع الهدية في السيارة ، اخر مكان يتوقعه عليً ، إن تقابلت مع احد فستقول انها ارادت تنظيفها
فتحت السيارة ركبت علي مقعد القيادة و امسكت بالشريط الستان تلفه حول مقود السيارة و ثبتت فيه الهدية لتتوسطه و قد وضعت فوقها كارت كتبت عليه ” بحبك اوي ”
ثم مسحت تابلوه السيارة الامامي و نسقت الموجود عليه و بدأت في رش العطر في كل ارجاء السيارة ، ابتسمت لانها شعرت بفرحة علي ، ثم فتحت درج التابلوه من اجل رش البرفان فيه و ما ان فتحته حتي سقط منه كل الاوراق التي كانت به ، نظرت ميار بضيق لما فعلت و قالت في نفسها :
يا خبر
زفرت و بدأت تجمع الاوراق بعناية لتضعها كما كانت ، لتجد وسطهم ظرف كبير كتب عليه اسم معمل البرج
نظرت له باستغراب و شعرت ببعض الفضول ، وضعته مكانه و اغلقت درج التابلوة و قررت النزول
بعد دقيقة من التردد وجدت نفسها تفتح الدرج مرة اخري و تنظر لما فيه ، علا وجهها الدهشة من انها روشتات طبيب و تحاليل و صور اشعة و كلها تحمل تواريخ حديثة بدأت تقرأها و قد اصابها الذهول ، ثم شعرت بان قلبها بات في اخمص قدميها و هي تقرأ اسم الطبيب و تخصصه
الدكتور جلال عبد القادر
استشاري امراض الذكورة و العقم
كلية طب جامعة عين شمس راجعت التحاليل و قرأت الملاحظات المكتوبة و عندها وضعت يدها علي فمها مصدومة و قد فهمت و قالت ببالغ الصدمة :
مش ممكن
بدأت دموعها تنهمر و هي غير مستوعبة ، انها كانت تعيش الوهم لمدة اربع سنوات و هي الي جوار علي ، هل هانت عليه دموعها و انينها و ألمها الي هذا الحد
لم يفكر يوما ان يصارح اهله حتي ترحم من لمز عبير و نظرات حماتها ، هل هذا هو الحب ، ألهذا الحد كان انانيا
مسحت دموعها و جمعت كل الاوراق و قررت انا تواجه علي بما علمت ، بل قررت ان يعرف الجميع بالامر و طلب الطلاق و ….
وضعت جبهتها بين يدها و ما ان انتهت من جمع الاوراق بالظرف حتي رتبت درج التابلوه مرة اخري كما كان و كأنها لم تعلم شئ
مسحت وجهها و نظرت للسيارة و للهدية و لكل شئ فعلته ، وحينها قررت ان تهدأ و تفكر
