صاح بإنفعال : -إنتي غبية ، ماكنش هيقدر يعمل أي حاجة كنت هتصرف أنا معاه و لا كنا إتفض..حنا زي دلوقتي كده. ثم أفلتها فجأة ، و إلتفت محدقا في الفراغ و هو يتمتم بشراسة : -ماشي يا إبن يحيى .. و الله لأكون جايبك الأرض ، مش هرحمك لا أنت و لا عيلتك ! ••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• إستيقظت “ملك” من نومها منذ حوالي ربع ساعة ، قضت هذا الوقت كله مستلقية وحدها دون حراك ، حتي ملت من و حدتها ..
فهمت بالصر..اخ عاليا بقدر يجذب إليها أحد أخويها ، هكذا تعلمت و حفظت الطريقة التي تستقطب بها إنتباههما وفقا لعقليتها الصغيرة
و بالفعل ، لبي “فادي” ندائها ، و حضر إليها فورا .. سكتت “ملك” بمجرد رؤيته ، ليبتسم لها و يقول بلطف : -إيه يا ست ملوكة ؟ يا تري جعانة و لا صحيتي لاقيتي نفسك فاضية و قولتي أما أقرف فادي شوية ؟ هه ؟ .. ما تقوليلي ، إتكلمي ..
و راح يقوم بحركات بوجهه و هو يخاطبها ، فأخذت الطفلة تضحك له و هي ترفع ذراعيها الصغيرتين نحوه و تصدر أصواتا تختلط بضحكاتها
ضحك “فادي” معها ، ثم حملها و أخذ يلاعبها و يلاطفها .. كانت “ملك” تحمل ملامح مشتركة بين كلا من والدتها و أختها “سمر” .. فمثلا ورثت لون بشرتها الناصعة و لون شعرها البندقي عن والدتها
أما خضرة عينيها الواسعتين ، فأخذتهما عن شقيقتها الكبيرة التي تمتاز هي الأخري بنوع خاص من الجمال يتمثل في شعرها الطويل الفاحم ، و بشرتها التي هي بلون الشوكولاتة الفاتحة ، و قوامها المتناسق الذي يحسدونها عليه جارتها و صديقاتها كلما يزورنها في بيتها .. جلس “فادي” بالصالة و أجلس “ملك” علي قدمه ، ثم راح يهزها حتي لا تعود للبكاء ، بينما يشاهد هو إحدي المبارايات علي شاشة التلفاز الصغير .. لفتت نظره “سمر” و هي تفتح باب الشقة بمفتاحها و تدخل ، فأغلق التلفاز ، و حمل “ملك” علي ذراعه و ذهب ناحيتها ..
فادي بتلهف :
-ها يا سمر ! عملتي إيه ؟ رفعت “سمر” وجهها و هي تجيبه بتعب واضح : -فادي هبقي أحكيلك بعدين ، أنا جاية تعب.انة و مش شايفة قدامي ، محتاجة أريح شوية و بلّيل هبقي أقولك علي كل حاجة. عبس بقلق ، و سألها بلهجة هادئة : -مالك يا سمر ؟ إنتي كويسة ؟ أومأت رأسها إيجابا ، ثم قالت : -خلي بالك بس من ملك علي ما أصحي و لو جاعت أنت بتعرف تأكلها ، ممكن تصحيني بس علي ميعاد الدوا بتعها أنا أبقي أقوم أديهولها.
و تركته متجهة إلي غرفتها .. و أخيرا إختلت بنفسها ، أغلقت باب الغرفة ، و للحال نزعت حجابها و هي تتنفس بعمق ثم تحرر شعرها من مشبك الرأس ، لينسدل بنعومة و إنسيابيه علي طول ظهرها ألقت بنفسها فوق السرير ، و حدقت بالسقف ، لتعود لها ذكري نصف اللقاء الفائت … °°°°°°°°°°°°°°°°°°°° وجدته واقفا أمامها عندما فتحت عيناها ، كان يخاطب رجلا قصير القامة في منتصف عمره ، بدا شيء لا يذكر بجانبه ..
لم تسنح لها الفرصة لإستكشاف الكثير من الأمور ، إذ هبت من مكانها كقطة مذعورة و هي تقول بلهجة ناعسة متداخلة الأحرف : -أنا فين ؟ إيه إللي حصلي ؟ طمئنها “عثمان” بإبتسامة : -إطمني يا أنسة إنتي بخير ، ماتقلقيش جت سليمة أغم عليكي بس و دكتور حسين فوقك. الدكتور حسين بلطف و لباقة :
-حمدلله علي سلامتك يا أنسة ، عايزك ماتقلقيش إنتي كويسة خالص ، بس ناقصة تغذية ، إنتي ضعيفة أوي و محتاجة تاخدي بالك من أكلك و شربك أكتر عشان ماتحصلكيش إغماءة تانية.
كانت “شيري” سكرتيرة المكتب واقفة بجوارها ، فإنحنت صوبها لتعطيها كأس عصير ، قبلته “سمر” بإمتنان و هي تشعر برأسها يلف
بينما إنصرف الطبيب “حسين” بعد أن جمـّع آدواته داخل حقيبته ، و بدوره أصرف “عثمان” سكرتيرته لتباشر عملها في الخارج .. سمر و هي تحاول القيام : -أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي علي إللي عملته معايا ! عثمان بجدية : -خليكي مكانك يا أنسة ، إنتي لسا دايخة ، ماتقوميش دلوقتي. -لازم أمشي .. إتأخرت علي إخواتي.
-طب بس أصبري ، أنا عايزك في موضوع. سمر بإستغراب : -موضوع ! موضوع إيه يافندم ؟؟ سحب “عثمان” مقعد قريب ، و جلس فوقه مادا جسده نحوها ، ثم قال بهدوء : -أنا حاسس إنك واقعة في مشكلة .. ممكن تقوليلي لو تحبي ، أنا أقدر أساعدك. سمر بشك : -تساعدني إزاي يعني ؟! هز كتفيه مجيبا : -أساعدك يعني أساعدك .. قوليلي بس إيه مشكلتك ؟ سمر بصمت و قد إنعقد لسانها ، لا تعرف بما تجيبه !
-فلوس ؟ .. قالها بتساؤل ، و تابع :
-إنتي خريجة أيه يا أنسة ؟ سمر مجيبة بلسان ثقيل : -تسويق و تجارة إلكترونية. عثمان بإعجاب : -حلو .. حلو أوي .. ثم أردف بحماسة زائفة : -شوفي أنا هفتتح شركة جديدة خاصة بيا كمان كام يوم ، إخترت الموظفين خلاص بس لسا ماخترتش سكرتيرة .. تحبي تتقدمي للوظيفة دي ؟ حملقت فيه بعدم تصديق ، و سألته ببلاهة : -بجد ؟!! عثمان بضحك :
-أه طبعا بجد .. ثم سألها مبتسما : -إنتي عندك كام سنة ؟ قصدي يعني بقالك كام سنة متخرجة ؟ سمر بتوتر طفيف : -أنا عندي 24 سنة و بقالي سنتين و نص متخرجة. -هممم .. لأ مدة مش بعيدة ، طب قولتي إيه ! موافقة تشتغلي عندي ؟؟ سمر بدون تردد : -طبعا موافقة .. لكنها تراجعت : -بس أنا ماعرفش حاجة عن شغلة السكرتاريا. عثمان بثقة : -ماتقلقيش هتتعلمي .. دي شغلانة بسيطة خالص.
أشرق وجهها بإبتسامة رقيقة ، بينما مد يده إلي جيب بنطاله ، و أخرج جزدانه
سحب بعض الأوراق النقدية ، ثم مد يده لها قائلا : -إتفضلي يا أنسة سمر. نظرت ليده الممدودة بالنقود ، ثم له ،و سألته متجهمة : -إيه ده حضرتك ؟؟ أجابها بإبتسامة : -أنا عارف إنك محتاجة فلوس ، من فضلك خديهم. سمر برفض مهذب : -شكرا لحضرتك .. أنا معايا الحمدلله. عثمان بإصرار و لطف : -خديهم بس يا أنسة سمر ، أعتبريهم سلفة و إبقي رديهم من أول مرتب.
تخضبت وجنتاها بحمرة قانية ، و كم وجدت صعوبة في ذلك ، لكنها مدت يدها و أخذت منه النقود .. سمر و هي تقف علي قدميها و تختبر درجة ثباتها : -إستأذن أنا بقي.