نهض هو الأخر ، و قال لها : -تمام ، و إنتي خارجة إبقي سيبي إسمك و عنوانك و رقم تليفونك لشيري ، و ماتنسيش بعد بكره ، هخلي شيري تتصل بيكي و تديكي كل المعلومات عن الشركة. أومأت “سمر” دون أن تنظر في عينيه ، ثم غادرت مكتبه في هدوء … °°°°°°°°°°°°°°°° خرجت “سمر” من الذكري و هي تشعر بضيق شديد ، فمنذ خروجها من هذه الشركة لم تكف عن توبيخ نفسها لأنها أخذت منه النقود
و مرات عدة و هي في طريقها إلي البيت فكرت أن تعود و ترجع إليه ماله ، لكنها تذكرت “ملك” و “فادي” .. فإستسلمت لحكم الواقع و أكملت طريقها بفم مطبق .. أرهقها التفكير لهذا الحد ، فأوقفت كل شيء ، و إستسلمت للنوم الذي بدأ يداعب أجفانها … ••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• في ليل الإسكندرية الساحر ، يقود “صالح البحيري” سيارته الفارهة مارا بالكورنيش المطل علي الساحل ، و المضاء بالأعمدة التي تعكس نورها علي ماء البحر الحالك ، فيبدو و كأنه اللؤلؤ الأسود في ندرته ..
يصل “صالح” إلي ذلك الملهي الشهير ، و يدخل باحثا بعينيه عن إبن عمه
ليجده هناك ، جالسا عند بنش البار ، تحاوطه المنكرات من كل صوب و هو يتجاوب معها بفتوره المعتاد .. -إيه يابني فينك ؟ قال “صالح” و هو يجلس بجانبه أمام البار ، و أكمل : -لازم أتحايل عليك يعني عشان ترضي تقولي إنت فين ؟ أبوك قالب عليك الدنيا. عثمان بضيق : -عارف. -طب مارجعتش البيت ليه لحد دلوقتي ؟؟
-مش مستعد لإستجواب يحيى بيه ، و مش ناقص قرف. صالح بصراحة : -إنت طينت الدنيا الصراحة ، أنا أعرف أنك شيطان يابن عمي بس ماتخيلتش تفكيرك يوصل لكده أبدا ! عثمان ضاحكا و هو يتناول بعض المقبلات : -يمكن عشان مابتعرفش تفكر يا صالح. -لأ بجد ، أنت إبليس ذات نفسه يصقفلك علي عملتك دي. عثمان بتفاخر : -يابني أنا مش أي حد ، أنا عثمان البحيري ، يعني الفهلوة و الجبروت كله ، و متنساش إني إسكندراني كمان.
-لأ من ناحية الجبروت فأنا متأكد من دي أكتر .. ثم سأله بإستذكار : -صحيح عملت إيه في حوار شركتك ؟ خلاص كلها بقت بتاعتك. شرب “عثمان” ما تبقي من كأسه ، و أجابه و قد بدأت الثمالة تنطقه بما لا يريد نطقه : -إسكت ماتفكرنيش بالشغل خالص .. إنهاردة وقعت مع حتة بت كانت هتخرجني عن شعوري ، تصور إستهزأت بيا أنا ؟! صالح بضحكة مرحة : -يا خبر ! دي كده لعبت في عداد عمرها.
عثمان بوعيد : -إنت بتقول فيها ؟ .. و حياة أمي لأسود عيشتها !!!!! يتبـــع … ( 3 ) _ حـ,ـادث مدبر ! _ : صباح يوم جديد .. إستيقظت “سمر” من نومها عندما شعرت بشعاع حار يضـ,ـرب في وجهها و يلسع جلدها الرقيق لسعات متواصلة بلا توقف ، فتحت عيناها بتثاقل و إنزعاج ، لتكتشف إنها الشمس تسللت خيوطها الذهبية عبر شباك غرفتها الموارب لتوقظها ، و عندما لم تستجيب لسعتها بآشعتها الحارقة لتعاقبها ..
تثاءبت “سمر” بكسل و هي تتحرك في الفراش بعيدا عن آشعة الشمس ، و عقدت حاجبيها فجأة بإستغراب ، لقد نبهت “فادي” البارحة أن يأتي و يوقظها في المساء لكي تعطي “ملك” بنفسها جرعة دوائها .. لماذا لم يفعل ؟ لماذا تركها نائمة كل هذا الوقت ؟ لا يمكن أن يكون قد نسي !! قامت “سمر” من فراشها ، و إتجهت للخارج بخطوات غير متزنة نسبيا وجدت “فادي” بالصالة ، يقف هناك حاملا “ملك” التي كانت تبكي و تصرخ بشدة ، و يحاول أن يجعلها تهدأ ..
-في إيه يا فادي ؟ .. قالتها “سمر” بتساؤل و هي تمد ذراعيها لتأخذ منه “ملك” .. أجاب “فادي” حائرا و هو يناولها الطفلة : -مش عارف مالها ، أنا صحيت من شوية علي عياطها قلت جعانة فأكلتها ، دلوقتي بقي لاقيتها عيطت تاني ، شكلها لسا جعانة .. ثم أكمل بغضب : -بس أكلها خلص. سمر بإستغراب : -إنت مش بتقول أكلتها ؟ يعني شبعت ! فادي بضيق : -لأ .. علبة اللبن بتاعتها ماكنش فيها كتير.
زمت شفتيها بتفهم ، ثم قالت : -طب إستني. و ذهبت بالصغيرة نحو غرفتها ، لتعود بعد لحظات و هي تمد يدها له ببعض النقود قائلة : -خد ، إنزل هاتلها علبتين لبن و شوف لو الدوا بتاعها ناقص هاتلها غيره و كمان لو مافيش بامبرز هات. نظر “فادي” إلي النقود ، ثم لأخته و هو يقول بدهشة : -جبتي الفلوس دي منين يا سمر ؟ .. و أردف بإبتسامة واسعة : -معقول صرفولك فلوس بابا إمبارح ؟؟
سمر بفتور : -لأ طبعا. فادي بتعجب : -أومال إيه دول كلهم ؟ جبتيهم منين ؟! سمر بكدر : -ما أنا قلتلك إمبارح إبقي صحيني بليل عشان أحكيلك علي إللي حصل إنت إللي سيبتني لحد دلوقتي. -علي فكرة جيت أصحيكي مرتين إمبارح ، مرة عشان تدي ملك الدوا زي ما قولتيلي و مرة عشان نتعشي سوا ، بس إنتي إللي مارضتيش تقومي ، قلت جايز تعبانة فسبيتك تنامي براحتك و خدت ملك تنام معايا .. ثم سألها بإهتمام :
-قوليلي بقي إيه إللي حصل ؟؟؟ تنفست “سمر” بعمق ، ثم حكت له ما حدث بإيجاز شديد .. -إيه ده ؟ إزاي يعني ؟ .. قال “فادي” بعدم فهم ، و تابع : -يعني المدير و لا صاحب الشركة إللي قابلتيه ده قالك مالكوش عندنا حاجة و بعدين قالك هشغلك عندي سكرتيرة ؟!! سمر شارحة له :
-لأ يابني ما قالش مالكوش عندنا حاجة ، قال إن بابا كان عامل مش موظف و عامل بالآجرة كمان ، أه كان بيعمل صيانة علي المصاعد كل شهر و كان بياخد مرتب بس إسمه مش في سجلات التوظيف يعني مالوش أولويات الموظفيين الفعليين إللي بيشتغلوا هناك ، فهمت ؟ عبس “فادي” قائلا : -فهمت .. و إنتي ناوية تقبلي الشغلانة دي يعني ؟؟ سمر بتأكيد :
-أيوه طبعا ، إحنا محتاجين فلوس عشان نعرف نعيش أنا و إنت و ملك ، و الراجل كتر خيره حب يساعدني بطريقة كويسة جدا ، هشتغل و أجيب فلوس بجهدي ، إيه إللي يخليني أرفض مساعدته بقي ؟ .. ثم صاحت بإستذكار : -و أه كنت هنسي أقولك .. إحنا مش هنسيب البيت ، أنا إمبارح عديت علي الست زينب مرات عم صابر و أشتكتلها منه ، و هي قالتلي هتتصرف معاه و مش هتخليه يجي يضايقنا تاني.
صمت “فادي” قليلا ، ثم قال بعدم إرتياح : -أنا مش مطمن يا سمر .. مش عارف ، في حاجة مش مريحاني في حكاية شغلك دي ! سمر بإبتسامة مطمئنة و هي تربت علي كتفه : -ماتقلقش يا فادي .. و اطمن ، كل حاجة هتبقي كويسة بإذن الله. في قصر آل “بحيري” .. داخل حجرة الطعام الفاخرة يجلس “يحيى البحيري” علي رأس المائدة ، تجاوره “فريال” من جهة اليمين ، أما في الجهة الأخري ، جلس جنبا إلي جنب كلا من “صالح” و “صفية”
تناولوا فطورهم جميعا من دون شهية و في إقتضاب شديد جدا ، و “صالح” الذي يأس من مراضاة “صفية” ترك الطعام نهائيا و سكب لنفسه قدحا من القهوة راح يحتسيه و هو يهز قدمه الغير مرئية في عصبية مفرطة .. لاحظت “فريال” توقف زوجها عن تناول الطعام ، فسألته بقلق : -إيه يا يحيى مالك ؟ بطلت تاكل ليه ؟؟ يحيى بضيق : -ماليش نفس يا فريال. فريال بحزن : -ليه بس ؟ طب تحب أعملك بإيدي أي حاجة تانية ؟؟
-لأ مش عايز. فريال بإنزعاج :