الإثم الثامن و العشرون ذ.نوب على طاولة الغفر.ان نورهان العشري
هكذا هتفت هيام لتنال نظرة غاضبة من جابر الذي خرج كالإعصار لا ينوي خير و كذلك فعل الجميع لتقترب هيام من غنى قائلة بقلق
ـ في ايه يا غنى؟ حصل ايه ؟ و مال وشك كدا؟ و ايه اللي حرق الفستان ؟ ناظرتها غنى بجمود احتل معالمها و نبرتها حين قالت
ـ أنا اللي حرقته. هيام بعدم فهم
ـ طب ليه عملتي كدا؟ اهتزت جفونها المُثقلة بالعبرات، و تهدجت نبرتها حين قالت
ـ أخوكي بيقولي اتجوزتك عشان كنا محتاجين خدامة، و ملقاش انسب مني.
شهقت هيام بصدمة تجلت في نبرتها حين هتفت
ـ بتقولي ايه؟ شوهت القسوة ملامحها و نبرتها حين قالت
ـ بس نسي أن انا غنى، ولا عاش ولا كان اللي يخليني خدامة عنده. انفرط حبل العبرات من عيني هيام التي أخذت تنوح قائلة
ـ هو دا اللي كنت خايفة منه. هو دا اللي كنت عاملة حسابه. انا قولت متنفعوش لبعض. حبكوا دا هيموتكوا. انا كان قلبي حاسس. تشنجت ملامحها حين أخذت تمضع أسنانها وهي تقول بنبرة مُحترقة
ـ حصل. هو موتني النهاردة. الدور عليا انا، و زي ما حرقت فرحتي بإيدي هحرق قلب اخوكي يا هيام، و متجيش تلوميني.
هيام بتحسُر
ـ مانتِ حرقتيه مرة يا غنى. صرخت بنبرة مُلتاعة
ـ هحرق اللي باقي منه. لكزتها هيام في كتفها وهي تهتف بألم
ـ اسكتي، وبطلي توجعي في روحك. هتقعي من طولك. أنهت جملتها و جذبت غنى إلى أحضانها وكلتاهما تنوح وتبكي بحرقة تجلت في نبرة هيام حين هتفت
ـ بزياداكوا بقى توجعوا بعض و توجعونا معاكوا. ارحموا نفسكوا و ارحمونا. شددت من عناق هيام وهي تهتف بلوعة
ـ داس على قلبي برجليه يا هيام. كسر ضهري.
استقرت جملتها في منتصف قلب ذلك الذي ما أن سمع ما حدث من فم أخيه حتى هرول كالملدوغ إليها لتنغمس كلماتها بصدره كالخناجر، فود في هذه اللحظة لو كانت روحه غادرته قبل أن يتفوه بتلك التُرهات.
ـ غنى.
صوته كان كالنشاذ على مسامعها لينتفض جسدها حين سمعته غضبًا وليس حبًا كما هي العادة لتتراجع عن عناق هيام التي حدجته بنبرة لائمة غاضبة قبل أن تتوجه إلى الخارج وهي تتوعد له بصمت ليقترب منها ما أن سمع باب الغرفة يُغلق، فإذا بحفنة من الوخزات المؤلمة تتفشى في سائر جسده بدايةً من قلبه حين رأى ذلك الجُرح في يدها ليقترب لا إراديًا منها وهو يهتف بلهفة
ـ إيدك.
ـ متقربش.
هكذا هتفت بشراسة وهى تتراجع إلى الخلف و هي ترفع كف يدها السليمة ليقف حائلًا بين تقدمه، وليكُن إنذار صارم بأنها ترفض اقترابه لتعود نوبة غضبه مرة آخرى تطفو على سطح معالمه و تتجلى في نبرته حين قال
ـ خليني اطمن على ايدك. غنى بنبرة حادة صارمة
ـ لا. ياسر بحدة وهو يقترب منها
ـ بطلي عند. ـ متلمسنيش. رفضها الواضح و حدتها في الصُراخ عليه أدوا إلى تفاقم الغضب بداخله ليهتف بحدة
ـ أنا أساسًا مكنتش ناوي ألمسك.
بقدر ما آلمتها جملته بقدر ما أيقظت الباقي من وحوش غضبها، فقررت أن ترفع راية العصيان و ترمي بوجهه هذا التحدي لتضعه في مواجهة أقوى مع كبريائه الملعون
ـ حلو، واللي يرجع في كلامه يبقى عيل. لم يحتمل تحديها ولا كلماتها ليهتف بانفعال
ـ عاجبك اللي وصلتينا ليه؟ غنى بقسوة كانت جديدة كُليًا عليها
ـ عاجبني. دانا كمان عايزة اشكرك. انكمشت ملامحه بحيرة لتُتابع في سحق ما تبقى من فُتات قلبه
ـ بسببك قدرت اتخلص من الشوكة اللي كانت في ضهري.
صمتت لثوان تناظره بقسوة قبل أن تُتابع بقسوة
ـ حُبك. دا كان نقطة الضعف الوحيدة عندي، و بفضلك اتخلصت منها. حرقته زي ما حرقت فرحتي بإيدي. بحياته لم يتوقع أن يراها بهذا الشكل، ويسمع منها هذا الكلام، فأخذ يحاول تنظيم أنفاسه التي أبت الهدوء، فجاءت نبرته مُتهدجة حين قال
ـ غنى. قاطعته بقسوة ممزوجة بصرامة جعلت جسده يتجمد من فرط الذهول
ـ غنى مش خدامة لحد، ولو اتكتب عليا ابقى خدامة فعلًا، فأتاكد انك آخر واحد في الدنيا ممكن تنول الشرف دا.
وصل الأمر إلى أبعد ما يُمكن أن يتوقع، والغريب في ذلك أن قلبه كان يلومه بشدة، و يخبره بأن هذه القوة نابعه من جُرح عظيم حفرته كلماته المسمومة لذا تصدع قناع الجمود الذي كان يرتديه و حل محله اليأس حين قال
ـ ماشي. بس خليكي فاكرة اني عملت كل اللي اقدر عليه عشان موجعكيش أو اقولك كلمة تجرحك هربت و بعدت عشان خوفت أأذيكي وانا في الحالة دي. لكن أنتِ مدتنيش فرصة، و فضلتي تستفزيني لحد ما خرجتيني على شعوري.
الداخل قلب ينتفض ألمًا و عشقًا وضعفًا و الخارج جبروت و قسوة و ملامح جامدة لم تتأثر بحرف مما يتفوه به حتى ولو كان به شيء من الصواب لتفاجئه حين قالت بجمود
ـ معلش. نجحت في جعله يخلع ثوب العقل و يُلقيه جانبًا ليقترب منها و يهزها بعُنف وهو يصرُخ بصوت اهتزت له جدران الغرفة
ـ كفاية بقى. بطلي تستفزيني. قاعدة بتتباهي بضعفي قدامك من غير ما تفكري في كرامة الغبي اللي جالك يجري من كلمة واحدة و معملش اعتبار لا لكرامته ولا لأهله ولا لأي حاجه. للدرجادي شيفاني مش راجل هتتجوزي عشرين غيري وانا هفضل تحت رجليكي.
سقطت الكلمات فوق قلبها كالحصى التي ما تركت مكاناً إلا و به ندبه تُذكرها بخيبتها الأولى و الأخيرة
ـ ااه. قولتلي. زعلت من كلامي لروضة انك بتحبني! طب معلش تعالى على نفسك كدا و اقلب الموقف، و خليك انت يوم فرحك و جايلك واحد بيقولك أنه بيحبني و أنه مستكترني عليك. كنت هتقوله ايه؟
وصلت إجابته حين أشتدت يديه فوق كتفها و انغرست أناملة في لحمها حد الألم لتُتابع جلد ما تبقى من ثباته حين قالت
ـ اجاوبك انا؟ مكنتش هتتكلم. كنت أو حتى قط.عت لسانه بس انا بقى مقدرش اعمل كدا. عارف ليه؟ عشان شهامتك و رجولتك هتخليك تيجي تبهدلني انا و تقولي حرام ليه عملتي كدا؟ زي ما وقفت قدامي و مردتش أروح لمها و اقولها عملتي فيا ليه كدا و كدبتي عليا ليه؟ خو.فت على بيتها لا يتخرب و صعبت عليك بس احنا وبعد كل اللي جرالنا من تحت راسها مصعبناش عليك.
لم يستطِع ثباتها الصمود أمام هذا الكم الهائل من العبرات الذي غمرت وجهها و مقدمة صدرها و جعلت نبرتها تهتز حين قالت
ـ أنا حتى لو كنت قولت لروضة اني اتضحك عليا وانا مها كذبت وحكتلها على اللي حصلي. كنت بردو هترمي اللوم عليا وتقولي ليه قولتي؟ انا وحشة في كل الحالات، و مُلامة في نظرك مهما قولت . دعست فوق جراحه النازفة و عرت تلك الندبات التي شوهت روحه، فبدا أمامها مُجردًا من كل شيء حتى كبريائه الذي لم يردع عبراته من الانهمار بغزارة أمام ناظريها ليهتف بنبرة مُتحشرجة
ـ كفاية يا غنى.
على عكس قلبها المُلتاع الذي عانده كبريائها لتهتف بقسوة
ـ حاضر من عنيا. بس قبل ما نقفل على كدا عايزة اقولك أن رسالتك وصلت. مش انت كنت عايز توصلي انك مش ضعيف قدامي وانك مش بتحبني زي الأول، واني مفرقلكش. تمام يا ريس. رسالتك وصلتني و بصمت بالعشرة على كدا. انا مفرقلكش. مبسوط وانت سامعها مني! لم يعُد يستطِع احتمال صُراخها بهذه الجملة الذي ينفيها قلبه باستماتة ليهتف مُحذرًا
ـ اسكتي. لم تأبه له ولا لتحذيره لتُتابع بقسوة
ـ لا خلي الناس كلها تسمع. انا مفرقلكش. انا مش فارقة معاك.
كان الأمر جنونيًا، فالآلام التي تُحيط بكليهما غيبت عنهم التعقُل
ـ للأسف انا مبيفرقليش حد في الدنيا غيرك. كلماته أيقظت حواسها التي تخد.رت من قربه، وعادت جرا.حها تشدو بأنين مو.جع من جديد مما جعلها تقول بق.سوة
ـ اوعى تقر.ب مني مرة تانية. و كما حدث لها حدث له تنبه العقل ليُزمجر بشراسة
ـ متخلقتش الست اللي تؤمرني. انا اعمل اللي انا عايزه.