الحلقة الأخيرة
*معك وللأبد*
إذا فارقك حبيب باختياره, عندها تشعر بالمعنى الحقيقي لمفارقة الروح للجسد وعندها تفعل كل ما بوسعك حتى تلغي هذا القرار أو على الأقل تعمل على تأجيل لحظة الفراق, ولكن ماذا إن كان هذا الفراق ليس إختيارا؟ ماذا إن فرض عليكم هذا الفراق ماهو أقوى منك ومنه؟
المـ,ـوت هو عدو كل المحبين ومحب كل الأعداء, فماذا إن كان المـ,ـوت هو الذي فرض عليكم الفراق؟ هل يمكنك أن تتحداه كما تتحدى أقصى الظروف قسوة وصعوبة؟ حتى وإن كنت تمتلك القوة الكافية لخوض هذا التحدي فما الفائدة وأنت على يقين بأنك ستكون الخاسر لا محالة؟!
إذن أيها الحبيب فهذه رسالتي إليك أدعوك فيها إلى الاستسلام لقلبك ولو لمرة واحدة دعه يحركك, فلم يعد لدينا المزيد من الوقت لذلك الجفاء الذي أصبح **, و أنا أمامك الأن أتنازل عن كبريائي وأعترف لك بحبي وبأنه لا يمكنني أن أعيش بدونك لحظات إضافية, حقا لا يمكنني ذلك. وسأكررها دائما وأمام العالم أجمع الذي لم يعد يهمني فيه أحد سواك. وها أنا أقف في انتظار اعترافك.
____________________________________________
كانت مريم تقف في المحل تعلق بعض الثياب على الحاملة عندما جاءها صوت من الخلف يقول: مساء الخير.
فالتفتت مريم لترى خالد صلاح يقف أمامها وبجانبه أخته ليلى تلك الفتاة الهادئة والابتسامة التي لا تغادر وجهها فقالت مريم مرحبة: اهلا أستاذ خالد.
ثم صافحت ليلى بحرارة وهي تقول وقد اتفقتا على رفع الألقاب بينهما: عاملة ايه يا ليلى؟ وحشتيني.
ليلى بصدق: انتي أكتر والله يا مريم, المحل جميل جدا, ربنا يباركلك فيه. حقيقي خالد كان عنده حق لما وصاني أشتري فستان خطوبتي من هنا.
مريم: تسلمي يارب كلك ذوق, بس ايه دة؟ انتي اتخطبتي ولا ايه؟
ليلى: اه يا حبيبتي, قرينا الفاتحة, وان شاء الله الخطوبة الاسبوع الجاي.
مريم: ايه دة بجد؟
ثم حضنتها بسعادة وهي تقول: ألف مبروك يا حبيبتي , وربنا يتمملك بخير.
ليلى: الله يبارك فيكي يا قمر.
ثم أكملت بمزاح وهي تغمز لأخيها: مانا قولت بقا كفاية كدة. خالد هيعنس بسببي, اصله ما كنش راضي يتجوز الا لما يطمن على مستقبلي الأول, فأنا قولت بقا أكسب فيه ثواب وأوافق.
فردت مريم على مزاحها بالمثل: والله فيكي الخير, هو فعلا ابن حلال ويستاهل التضحية الكبيرة دي.
وبدا أن ليلى كانت تنتظر تلك الفرصة فاستغلت ما قالته مريم لتؤكد على كلامها وتقول بنبرة خاصة: اه والله يا مريم.
هو ابن حلال أوي, ويا بخت اللي تكون من نصيبه.
شعرت مريم بالانزعاج بسبب الاتجاه الخطر الذي قد أل إليه الحديث وقررت أنه قد حان الوقت لاستبداله بموضوع أخر فقالت وهي تجذب ليلى من يدها: طب تعالي بقا انا افرجك على أحسن تشكيلة عندي.
فسحبت ليلى يدها برفق وهي تعتذر بتردد بعد أن تبادلت نظرة سريعة مع أخيها:
لا يا حبيبتي خليكي انتي, انا عاوزة أخد جولة كدة لوحدي في المحل, اصلي ليا مواصفات خاصة في الفستان اللي هختاره ويمكن لوشفت حاجة أحسن اغير رأيي, وكمان مش عاوزة خالد يقعد لوحده اصل مش ليه في الحاجات الحريمي دي بس هو جه معايا عشان ما يسيبنيش لوحدي.
مريم مصرة حيث كانت تخشى أن تبقى مع خالد بمفردها لسبب تجهله رغم وجود العاملات في كل مكان بالمحل: ماهو يا حبيبتي عقبال ما استاذ خالد يشرب قهوته اللي هطلبهاله هنكون احنا خلصنا.
ولكن كانت ليلى أعند منها ولكن بطريقة خاصة لم تستطع مريم الاعتراض عليها: ايه دة يا مريم؟
انتي كدة هتقلقيني وتخليني أفتكر انك مش عاوزة تقعدي مع خالد. طب دة حتى أبيه خالد طيب أوي وما بيأذيش.
فقالت مريم وهي تحتوي الموقف سريعا: يا خبر, مين قال كدة؟ انا بس كنت بعرض مساعدتي, دة واجبي كصاحبة المحل.
ليلى وهي تهم بتركهما: مانا عارفة والله يا قمر, بس انا زبونة متعبة شوية عشان كدة بفضل اني اروح لوحدي, ياللا بقا اسيبكم وأبدأ مهمتي الصعبة وما تخافوش مش هأخر عليكم.
ثم رحلت ولكن لم يخف على مريم تلك الغمزة التي أرسلتها لأخيها قبل أن تتركهما, ولكنها تجاهلت ذلك واتجهت إلى مكتبها ودعت خالد إلى الجلوس أمامها, ثم قالت له بابتسمة متوترة: يا ترى قهوتك ايه بقا يا أستاذ خالد؟
خالد: لا, مفيش داعي.
مريم: مفيش داعي ازاي بقا؟ انت عاوز ليلى ترجع ما تلاقيش القهوة تتهمني بالبخل.
خالد ضاحكا: لا وعلى ايه؟ لو ضروري يعني يبقا خليها مظبوط.
فقالت مريم لتلك الفتاة العاملة التي كانت بالقرب منهما: لو سمحتي يا حنان اطلبي واحد قهوة مظبوط.
حنان: أمرك يا مدام مريم.
وذهبت حنان لإحضار القهوة, وبدا الجو متوترا من الصمت الذي طال, مما دعا مريم إلى أن تقول لمجرد فتح مجالا للحديث ليخفف من حدة التوتر: واضح ان العلاقة بين حضرتك وليلى قوية أوي لدرجة انك وافقت تيجي معاها مشوار زي دة مع ان كل الرجالة تقريبا ما بيكرهوش أد ان هما يلفوا مع بنت في المحلات.
خالد: ليلى دي هي الوحيدة الي ليا في الدنيا بعد وفاة ماما وبابا, وانا اللي شلت مسئوليتها بعدهم وبقت هي بتعتمد عليا في كل حاجة تقريبا.
مريم: ربنا يخليكم لبعض.
خالد: يارب.
ثم أكمل بنبرة خاصة جعلت مريم تشعر بمدى خطورتها:
بس هي خلاص هتتجوز ويبقا ليها بيت وزوج وتبدأ بقا تستغنى عني, الحقيقة أنا لحد دلوقت مش عارف أقلم نفسي على اني أعيش لوحدي.
مريم: ما حضرتك كمان مسيرك تلاقي الانسانة المناسبة اللي تشاركك حياتك وما تبقاش مضطر انك تعيش لوحدك.
ودون أن تقصد مريم فقد أعطته الفرصة لأن يحدثها بتلقائية ويخبرها بما حاول أن يخفيه طوال تلك المدة منذ رآها لأول مرة, فبدأ يقول وقد شعر أخيرا بأن عقدة لسانه قد انحلت فانساب الكلام من فمه دون تفكير أو تردد: بصراحة بقا يا مريم, هو دة الموضوع اللي أنا كنت عاوز أكلمك فيه.
انا من أول يوم شفتك فيه في الجامعة و أنا حسيت ان انتي فعلا الانسانة اللي عاوز اقضي معاها بقية حياتي, بس لما فكرت اعترفلك بدة كان فات الاوان وعرفت انك اتخطبتي ليوسف جلال, وكنت خلاص فقدت الأمل بس بعد ما عرضتوا عليا اني أكون معاكم في المسرحية اللي هتقدموها ومن خلال قربي منك أكتر حسيت أد ايه ان انتي مش سعيدة في جوازك وخصوصا إني كنت بسمع كتيرعن ماضي يوسف وان اللي زيه مش بتاع جواز واستقرار, وفي الفترة الأخيرة اتأكدت ان شكوكي كانت في محلها واللي أكدلي دة فعلا يوم الحفلة لما شفت هو أد ايه كان بيحاول يتجاهلك
في الوقت اللي كانت فيه واحدة تانية مستحوذة على كل اهتمامه واللي سمعت بعد كدة انه ناوي يخطبها.
كانت مريم على علم بهذا الأمر فلقد وصلها هذا الخبر في اليوم التالي من الحفلة حيث كتبت الجرائد عن مدى العلاقة التي تربط يوسف بعلياء واستنتجت بأنهما على وشك الزواج, كما تذكرت أيضا ذلك الشجار الذي حدث بعد ذلك بينها وبين جدها وإصرارها على التعجيل بالطلاق, ولكن كالعادة كان لدى جدها الأسباب التي جعلتها تعدل عن رأيها وترضخ للرغبته وإن لم تكن مقتنعة.
أفاقت مجددا على كلام خالد الذي استمر يقول:
انتي لازم كمان يا مريم تشوفي حياتك زي ماهو شاف حياته, لان مش من العدل ابدا انك توقفي حياتك على كدة في حين ان هو ولا على باله.
لم تحتمل مريم مزيدا من الألم الذي سببه كلام خالد والذي كانت تقر بصحته في داخلها ولكنها اعترضت وقد ارتفعت نبرة صوتها: أرجوك كفاية.
فأدرك خالد بأنه قد تمادى كثيرا لذا قال معتذرا: انا اسف يا مريم, بس انا مش قادر أشوفك بتتعذبي كدة أدامي وانا مش قادر أخفف عنك.
مريم راجية:
أستاذ خالد أرجوك ما تنساش اني ست متجوزة وان الشخص اللي انت بتتكلم عليه دة لسة لحد دلوقت جوزي.
خالد: لحد امتى يا مريم؟
فاجأها سؤاله الغير متوقع ولكنها تعمدت وكأنها لم تفهم ما يعنيه: قصدك ايه؟
خالد بالحاح: قصدي لحد امتى هيستمر جوازكم ؟ لحد امتى هتقدري تستحملي الحياة بالشكل دة؟
ثم تغيرت نبرته إلى الرقة: مريم! انا مستعد اني استناكي وتأكدي ان سعادتك هتكون معايا بس اديني أي أمل يخليني أستنى.
وبالرغم من أن مريم كانت بحاجة ماسة إلى أن تسمع مثل هذا الكلام إلا أن خالد لم يكن الشخص الذي تتمنى أن يسمعها إياه, ولكنها لم تشأ أن تجرحه, فما الحل إذن؟ وكيف يمكنها أن تخبره بأنه رغم أنه على حق فيما يقول إلا أنها ليس باستطاعتها أن تتخيل نفسها إمرأة رجل أخر سوى يوسف ذلك الشخص الذي لم تذق معه حتى الآن سوى العذاب.
ولكن جاءتها النجدة من السماء حيث ظهر ماهر في تلك اللحظة فوفر عليها عناء الرد, وبسبب ارتباكها لم ترى آثار الحزن البادية على وجهه, بل نهضت مسرعة وهي تقول له: ماهر! كنت فين كل دة؟
انت ناسي ان عندنا شغل كتير النهاردة؟
وعندما لم تجد منه ردا بدأت تدقق النظر إليه, فقالت له وقد اجتاحها قلق عارم: فيه ايه يا ماهر؟ جدو حصله حاجة؟
فقال ماهر بكلمات متقطعة: جدي بخير.
لما تطمئنها كلماته بل قفزت سريعا إلى استنتاج آخر: يبقا عمتو, طمني هي مالها؟ انا سايبها الصبح كانت كويسة.
ماهر: ماما بخير يا مريم.
مريم بنفاذ صبر: أمال ايه اللي حصل؟
ماهر: يوسف يا مريم.
مريم بلهفة: ماله يوسف؟
ماهر: في المستشفى بتتعمله عملية وهو دلوقت بين الحياة والمـ,ـوت.
لم يكن في استطاعتها أن تتحمل مثل هذا الخبر, بل إنها لم تتمالك نفسها كي يمكنها أولا التحقق من الأمر, وفي لحظة واحدة سقطت على الأرض مغشيا عليها.